في سنوات الدراسة الجامعية الأولى بجامعة القاهرة، وتحديدا في محاضرات الإحصاء، تعرفت على مفهوم «المعادلات الصفرية» وفهمت أنه نموذج رياضي تحليلي محايد ودقيق؛ إذ تبنى هذه المعادلات على افتراض أن مجموع المكاسب والخسائر يساوي صفرا، وأن تحقيق أي مكسب يرتبط بخسارة مقابلة، ولا تنتج التفاعلات بين أطراف المعادلة نتائج نهائية أو حلولا وسطية.

في ذلك الوقت، بدا المفهوم بالنسبة لي محصورا في عالم الأرقام، وأقرب إلى تمرين ذهني تجريدي لا صلة له بعالم السياسة والإعلام والصراعات الدولية.

ما لم يكن واضحا لنا آنذاك هو أن هذا النموذج يمكن أن يتحول إلى نمط تفكير يحكم سلوك الفاعلين الدوليين المتنافسين عندما تدار الصراعات بعقلية الإقصاء الكامل، ويستبعد فيها منطق التوازن أو الربح المتبادل. من هذا المنطلق، تبدو كثير من الصراعات الراهنة، وفي مقدمتها الصراع الأمريكي الغربي الإسرائيلي- الإيراني، كأنها تدار وفق منطق «الصفر»، الذي يفرغ السياسة من معناها، ويختزل العلاقات الدولية في معادلة قهرية تقوم على الغلبة المطلقة، ويدفع العالم، بوعي أو من دونه، نحو حافة صدام عسكري مفتوح يصعب التحكم فيه.

ووفقا لمنطق المعادلة الصفرية، يمكن قراءة الخطاب السياسي الأمريكي تجاه إيران بوصفه مسارا تستخدم فيه اللغة لإغلاق أفق الحل السياسي، ويعاد فيه إنتاج التهديد باعتباره خيارا قائما بذاته، حيث لا تستخدم الكلمات باعتبارها تمهيدا للتفاوض، ويتم توظيفها لإعادة تشكيل بيئة الصراع نفسيا وسياسيا، وهو ما يحول الصدام من احتمال نظري قابل للاحتواء إلى نتيجة حتمية.

الواقع أن المواجهة المتصاعدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبين إيران أخذت في الأيام الأخيرة طابعا يتجاوز حدود التوتر السياسي أو التهديد العسكري التقليدي، ليصبح صراعا خطابيا تدار فيه معارك المعنى قبل أن تندلع المواجهة العسكرية المحتملة. وخلال الأسبوع الماضي وحده، شهد خطاب ترامب تصعيدا شبه يومي، واتخذ شكل تهديدات مباشرة ومتكررة، اقترنت بتحركات عسكرية أمريكية واسعة وغير مسبوقة في الخليج والشرق الأوسط، وهو ما يشير إلى انتقال المواجهة من الضغط الدبلوماسي إلى الردع العسكري العلني.

في تصريحات متلاحقة، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة «لن تسمح لإيران بامتلاك القدرة النووية تحت أي ظرف»، وأن فشل طهران في التوصل إلى اتفاق «سريع وواضح» سيجعلها «تواجه عواقب خطيرة».

ومع تكرار هذه التصريحات، شدد أكثر من مرة على أن هذه العواقب تتجاوز البعد الاقتصادي، في إشارة مباشرة إلى الخيار العسكري، مؤكدا أن «كل الخيارات مطروحة، وبقوة». ولا تقتصر أهمية هذه الخطابات على مضمونها الظاهر، بل تكمن خطورتها في انتظامها وتكرارها، بما يحول التهديد من أداة ضغط مؤقتة إلى حالة دائمة تقيد إمكانات التراجع السياسي لاحقا.

ولم تبقِ هذه التهديدات في مستوى الخطاب وحده؛ إذ أعلن ترامب صراحة عن حشد بحري وجوي أمريكي وغربي واسع في محيط الخليج، وتعزيز الوجود العسكري في قواعد أمريكية في الشرق الأوسط. وحرص في تصريحاته على نفي الطابع الاستعراضي لهذه التحركات، مؤكدا أنها «رسائل جدية»، وأن الولايات المتحدة «لا تحشد قواتها عبثا، وأبلغت الإيرانيين بوضوح أن الوقت ليس في صالحهم».

ويكشف هذا الربط بين لغة التهديد والانتشار العسكري أن خطاب ترامب يستخدم كأداة ضغط قصوى تمهد نفسيا وسياسيا لاحتمال الانتقال إلى استخدام القوة، عبر مسار تراكمي محسوب، ينتج مناخا عاما يعيد تعريف الحرب بوصفها نتيجة منطقية لهذا الخطاب. في هذا السياق، وسع ترامب نطاق الصراع مع إيران ليشمل كل الملفات العالقة كالبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ، والنفوذ الإقليمي، والتعامل مع الاحتجاجات الشعبية، وذلك بهدف تأكيد سردية أن الجمهورية الإسلامية تمثل تهديدا عالميا، وهو ما يمكن أن يخرج الصراع معها من دائرة الخلاف السياسي القابل للتسوية، ويضعها في خانة الخصم الوجودي، وهو توصيف يحمل تبعات قانونية وأخلاقية بعيدة المدى.

يؤدي هذا التوصيف وظيفة سياسية مركبة؛ إذ يسمح بتعبئة الداخل الأمريكي حول خطاب الخطر الخارجي، ويمنح الحلفاء الغربيين غطاء أخلاقيا للانخراط في التصعيد ضد إيران، ويقيد في الوقت نفسه إمكانات التراجع أو التسوية دون كلفة سياسية مرتفعة. ويتوافق هذا الخطاب، في جوهره، مع التصور الأمني السائد في إسرائيل، الذي ينظر إلى التصعيد الأمريكي باعتباره فرصة لا يجب التفريط فيها لإعادة الاعتبار لمنطق الردع العسكري القائم على استخدام القوة الغاشمة، وإضفاء شرعية مسبقة على أي خطوة تصعيدية محتملة. وهو ما يسمح للدولة الصهيونية بتقديم أي تحرك عسكري لاحق بوصفه إجراء وقائيا ضروريا.

في المقابل، لم يأتِ الرد الإيراني انفعاليا أو مفاجئا، بل اتسم بدرجة واضحة من التدرج والانضباط. فقد حذر المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، من أن «أي هجوم أمريكي على إيران لن يبقى محصورا في نطاقه، وأن تداعياته قد تمتد لتشمل الإقليم بأسره، إذا فرضت المواجهة بالقوة».

وفي الوقت نفسه، حرص على التأكيد بأن «إيران لا تبحث عن حرب، لكنها لن تتردد في الدفاع عن أمنها وسيادتها إذا وضعت أمام هذا الخيار». وفي المسار نفسه، رفض رئيس الجمهورية الإيرانية، مسعود بزشكيان، مبدأ التفاوض تحت التهديد العسكري، مؤكدا أن «أي اتفاق لا يقوم على الاحترام المتبادل ولا يعترف بالحقوق السيادية لإيران لن يكون قابلا للحياة».

ويعكس الخطاب الإيراني، في مجمله، منهجا واعيا لإعادة ضبط إيقاع الردع، من خلال رسم خطوط سياسية واضحة، والسعي إلى تفادي الانزلاق نحو تصعيد غير محسوب، في ظل بيئة إعلامية عالمية تتسم بحدة الاستقطاب، وتحول التصريحات والتهديدات المتبادلة إلى مادة سريعة التداول، وتغذي مناخا من التعبئة النفسية المستمرة، تصبح فيه اللغة نفسها جزءا من المشكلة، لا أداة لاحتوائها.

وفي ضوء هذا التصعيد اللفظي والعسكري المتوازي، يبدو الصراع مفتوحا على مسارات غير مبشرة، تحكمها حسابات الردع وتوازنات الكلفة والعائد، مع ارتفاع احتمالات سوء التقدير، وتحول أي حادث محدود إلى مواجهة أوسع وأشمل. وبهذا المعنى، تعود المعادلة الصفرية لتكشف خطورة الرهان على المواجهة العسكرية. فالصراع الحالي يضع المنطقة على حافة حرب شاملة لن يكون فيها منتصر واحد، وستطال خسائرها جميع الأطراف.

إن تجارب الولايات المتحدة في التدخل العسكري تقدم لنا أدلة واضحة على ذلك؛ ففي فيتنام انتهى التدخل الأمريكي بانسحاب مهين بعد ثماني سنوات من القتال المباشر (1965–1973)، وثمانية عشر عاما من الانخراط في الصراع، بكلفة تجاوزت تريليون دولار ونحو 58 ألف قتيل. وفي أفغانستان، خرجت القوات الأمريكية بعد نحو عشرين عاما وقد خسرت أكثر من 2.3 تريليون دولار ونحو 2400 جندي، تاركة البلاد للخصم ذاته الذي تدخلت للقضاء عليه. وفي ضوء ذلك، يرجح أن ينتهي أي تدخل عسكري أمريكي في إيران إلى النتائج نفسها؛ إذ من المتوقع حتى في حالة التفوق العسكري الأمريكي ألا يتحول هذا التفوق إلى نصر عسكري وسياسي.

وقد يؤدي هذا التدخل إلى حرب استنزاف طويلة تفضي إلى إنهاك الدولة وزعزعة نفوذها الدولي.

إن تجاهل هذا الرصيد المتراكم من الفشل الأمريكي في صراعات عالمية سابقة لا يعني سوى توسيع دائرة الخسارة، وتحويل المعادلة الصفرية من إطار تحليلي إلى واقع مدمر، تدفع كلفته هذه المرة إقليميا ودوليا، في عالم لم تعد لديه رفاهية تجاهل دروس التاريخ.