"العُمانية": يُعدّ الشعر الشعبي في سلطنة عُمان أحد أهم عوامل وتجليات الهوية الثقافية في المجتمع المتعدد في لهجاته ورؤاه وأفكاره، فقد ارتبط على مرّ العقود بسياقات اجتماعية وثقافية وجغرافية، فكان وسيلة للتعبير عن التفاصيل اليومية للإنسان في سلطنة عُمان في الوقت الراهن، من خلال توجهاته المختلفة والمتمثلة، على سبيل المثال لا الحصر، في الحكمة والبطولة والغزل والرثاء، فقد كان ولا يزال مجالًا لحفظ اللهجات المتعددة المتداولة وقيم المجتمع. غير أن فصاحته، أو ما يمكن أن يُطلق عليه اليوم اندماجه في سياقات لغوية فصيحة، مرورًا بسلامة اللغة وجمال السبك وقوة البيان، ظلت محل نقاش بين الدارسين والمتلقين، بين من يُثني عليها ومن يُسجّل عليها ملاحظات.


وفي هذا السياق، يتحدث الشاعر والكاتب مسعود بن محمد الحمداني عن تأثير غياب النقد المنهجي المتخصص في ضبط مستوى الفصاحة والعمق الفني في الشعر الشعبي، في ظل الانتشار الواسع للشعر الشعبي عبر المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا أسهم ذوق المتلقي العام في تكريس نصوص سهلة التداول على حساب النصوص الأكثر نضجًا، وهنا يشير: انتقلت القصيدة الشعبية، ومنذ أكثر من سبعة عقود، من مرحلة الشفاهة والسماع إلى مرحلة التدوين والتوثيق، متأثرة بالجو العام الذي ساد العالم بعد فترة الحرب العالمية الثانية 1945، وانتشار الطباعة والتعليم، والتي جلبت الكثير من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على الشعر الفصيح والشعبي بشكل عام، وأصبح للشاعر الشعبي ـ بعد السبعينات ـ مساحات واسعة لكتابة قصيدته ونشرها في الصحف التي ظهرت آنذاك، وخاصة في منطقة الخليج، أما على المستوى المحلي العماني فظهرت صفحات للشعر الشعبي في المجلات والصحف المحلية كجريدة عمان والوطن والشبيبة، وكذلك مجلة (وهج) المتخصصة في الشعر الشعبي.

وفي خضم هذا الجو المتنوع والانتشار الجديد، سعى الشاعر الشعبي لكي يوصل صوته إلى أكبر مساحة جغرافية في العالم العربي، ولم تكن اللهجة المحكية المحلية تساعده بشكل واسع، لذلك لجأ إلى (اللغة البيضاء) التي تمزج بين لهجته العامية واللغة الفصيحة، فخرجت إلى النور قصائد أكثر وضوحًا وفهمًا لدى شرائح ثقافية واجتماعية مختلفة، وساعد على هذا التوجه وسائل التواصل الاجتماعي، التي نقلت الشعر إلى مرحلة الفضاء الرقمي، وإلى عوالم وأراضٍ مختلفة وبعيدة وبدون حدود.


وأضاف: أرى أن هذا المزج أثر على خصوصية (اللهجة المحكية)، والتي يستمد منها الشعر الشعبي طاقته وقاعدته الجماهيرية العامة، وأفقده تلك العفوية والبساطة التي جُبل عليها هذا الشعر، بل وغالى بعض الشعراء في استخدام اللغة الفصحى لدرجة أن القصيدة الشعبية بدت وكأنها فصحى كتبت بلهجة عامية، وليس العكس، وتحول المتلقي المستهدف من متلقٍ بسيط ينشد المتعة النفسية بحد ذاتها إلى (متلقٍ نخبوي معقد)، ينشد المتعة الذهنية أو الفكرية في النص، ففقدت القصيدة الشعبية أهم سماتها، وهي التلقائية والعفوية والتواصل المباشر مع المتلقي.


ووضح أنه في الجانب المقابل، أصبحت القاعدة الجماهيرية للشاعر الشعبي الذي يمزج بين العامية والفصحى أكثر عددًا، لأن الجماهير خارج حدود بلده أصبحوا أكثر تقبلاً لنوعية الشعر وأكثر فهمًا للمفردات التي يُنتَج بها النص، إضافة إلى أن التدوين والكتابة أصبح أكثر يسراً وسهولة، ولا يحتاج إلى كثير من التدقيق في (رسم الكلمة) لتوضيح المفردة والمعنى، كما أن الشعر الشعبي أصبح أكثر قربًا وتقبلاً من الفئات النخبوية المثقفة، والتي كانت تتعالى على هذا النوع من الشعر، كما أن (اللغة البيضاء) ردمت أو قلّصت الفجوة بين الشعر الشعبي والفصيح، والتي كانت في أغلب الأوقات علاقة متوترة وقلقة و(مستفزة) أحيانًا.


وبيّن في سياق حديثه: أرى شخصيًا أن الحفاظ على علاقة متوازنة في كتابة النص أمر ضروري ومهم للحفاظ على اللهجة المحكية من الاندثار، ولكي لا يتم استبعاد اللهجة المحلية من لغة الشاعر اليومية، وحتى لا تفقد القصيدة الشعبية هويتها وخصوصيتها ومهمتها الرئيسة، وهي الحفاظ على اللهجة الخاصة بالمجتمع وأولئك الناس البسطاء، والذين يتمتعون بذائقة حساسة ومرهفة تتوق للمتعة والجمال والتعبير العفوي، كما أن اللهجة المحلية اليومية تعكس واحدة من أهم سمات الشعوب، وتحافظ على إرثها اللغوي، ويأتي الشعر الشعبي بمعناه الواسع والعميق والبسيط في مقدمة الدروع الأدبية التي تحافظ على هوية وخصوصية البيئة المحلية، وتدافع عن موروثها اللهجوي الخاص بكل مجتمع متحضر.


أما الدكتور علي بن سالم الحارثي فيتحدث في هذا الجانب حول ما إذا استطاع الشعر الشعبي في سلطنة عُمان أن يوازن بين المحافظة على فصاحته الموروثة وبين متطلبات التجديد والتحديث، وما إذا كان هذا التحديث يأتي أحيانًا على حساب سلامة اللغة والصورة الشعرية، مما أوجد فجوة بين النص الأصيل والنص الاستهلاكي، ويقول: "في تقديري الشخصي أن مشهد الشعر الشعبي العُماني لا يسير في اتجاه واحد، وهذه ميزة كبيرة وسرّ من أسرار حيويته وقدرته على الموازنة بين الأصالة والتجديد، فتعدد المسارات يولد الإبداع ويحقق المعادلة الصعبة في الجمع بين القديم والحديث دون أن يُلغي أحدهما الآخر، وهذا يجعلني أقول: نعم، استطاع الشعر الشعبي في سلطنة عُمان أن يوازن بين المحافظة على فصاحته الموروثة وبين متطلبات التجديد والتحديث، وقد أبدع مجموعة من الشعراء الشعبيين العُمانيين في حماية التراث من التحنط، وحماية التجديد من التفلت، من خلال نصوص أصيلة في لغتها، متجددة في روحها".


وأشار إلى أن للتجديد ضريبته التي يمكن أن تمس بسلامة اللغة والصورة، ولكن أيضًا له عوائده عليهما، والخط الفاصل بينهما يبقى في وعي الشاعر لفعله الإبداعي، مضيفًا بقوله: "وعلينا أن ندرك أن مادة الشعر هي اللغة، واللغة كائنٌ حيٌّ ينمو بنمو المجتمعات ويتأثر بتحولاتها، وهذا ليس عيبًا بقدر ما هو حالة طبيعية لا مناص منها، فالشعر يتغذى من لغة حياة الناس وتجاربهم، ويتأثر بظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما أنه يتطور بتطور الوعي والتعليم، فكما أصبح القارئ المعاصر لا يستطيع فهم كثير من قصائد العصر الجاهلي دون الرجوع إلى المعاجم والشروح، كذلك قد يشتمل الشعر الشعبي القديم على مفردات وتراكيب لم تعد متداولة اليوم. ومع ذلك، يبقى لزامًا على الشاعر الشعبي اليوم أن يحرص على صون لهجته والمحافظة على نكهتها الأصيلة، لأنها حاملة للهوية والذاكرة".


وقال الحارثي: "أدركُ تمامًا أن دوافع توسيع دائرة الفهم والانتشار التي تأثر بها بعض الشعراء في زمن المنصات الرقمية، التي جعلت الجمهور عابرًا للحدود اللغوية والجغرافية، جعلتهم يذهبون نحو اللغة البيضاء، لكن تبقى مسؤولية الشاعر الشعبي الواعي قائمة في عدم التفريط في لهجته، لأنها بمثابة الروح لنصه".


وفي هذا الطرح يقترب الشاعر أحمد بن مسلط السعدي ليتحدث عن إمكانية أن يتجاوز الشعر الشعبي في سلطنة عُمان، بلغته المحلية وفصاحته المتفاوتة، حدود الجغرافيا والزمن ليصبح جزءًا من المشهد الشعري العربي الأوسع، وما إذا تكمن قوته في محليته الخالصة أم في قدرته على تقديم هذه المحلية بلغة شعرية ذات أفق إنساني أرحب، ويقول: "قبل كل شيء لا بد أن نعي أن الشعر الشعبي هو الأكثر قربًا والتصاقًا بالمجتمعات والمتحدث بلسانها، متناولًا دارجتها للتعبير عن كينونتها، رغم هذا التنوع اللساني الكبير والمتفاوت في المجتمع العُماني، إلا أنه أصبح قادرًا على صياغة واقع هذه المجتمعات شعرًا وفنًّا، ولأنه يتمتع بخاصية الخصوصية /اللهجية/ التي تتميز بمفرداتها دلاليًّا وصوتيًّا ونحويًّا وصرفيًّا، ولها معاجمها الخاصة في كل بيئة، لذا تميز الشعر الشعبي بكل هذه الصفات عن الشعر العربي الفصيح الذي ينحى نحو الشمولية بلغته الفصحى أو العربية الأم، وهذه الخاصية تتضح جليًّا في هذا التباين والتفاوت بين اللهجات، لذا نجده قريبًا جدًا من البيئة والمكان لأنه يتحدث بلسان المجتمع.


وأضاف: ولأن التجديد والتحديث في النص الشعبي سمة درجت على الشعر الشعبي كغيره من الفنون والآداب، متأثرًا ومؤثرًا، فهذا التماهي مع تجارب الآخر، والتقاطع البيّن بين تجارب الشعراء العُمانيين وغيرهم، والاطلاع على ثقافات أخرى وقراءات متنوعة، كان له التأثير الإيجابي من جهة، والسلبي من جهة أخرى في صياغة وإعادة ترتيب أوراق القصيدة الشعبية العُمانية منذ مطلع الثمانينات حتى الآن، وساهمت في ذلك وسائل التواصل الحديثة، والبرامج والندوات المعدّة لذلك.

وبما أن المفردة هي الفيصل في تحديد هوية النص الشعبي، فإن الانزياح اللهجي الحاد في بعض النصوص الشعبية، بغرض التحديث والاستمرار في تكريس مفردات لا تشبه المكان، وبالتالي تناولها في غير موضعها الصحيح وبيئتها الحقيقية، أسهمَ في جنوح هذه النصوص وخروجها من دائرة العُمانية لتصبح بلا هوية محددة، أو ارتداء النص هوية أخرى مشوّهة، مما وضع النص الشعبي موضع التشابه في كتابة القصيدة الشعبية والانفلات إلى عوالم أخرى، رغم أن المعجم اللهجي العُماني غنيٌّ جدًا بما يناسب تطلعات الشاعر في صناعة النص الناضج.

وفهم اللغة البيضاء التي درج الكثير من الشعراء على استخدامها فهمًا خاطئًا، أسهمَ ذلك في التشويه المتعمد من بعض الشعراء، لأن الإمساك بالمفردة ومحاولة تحديثها بما يناسب حصيلة الشاعر اللغوية لا يعني الخروج خارج إطار اللهجة، إنما تحديثها بما يتوافق مع المكان ومعجمه، حينها باستطاعة القصيدة الشعبية العُمانية أن تصل كما هي، لا بتقعير المفردة التقليدية ولا بالابتعاد عن ماهيتها، ليبقى النص حديثًا شعبيًّا في مفردته، عُمانيًّا في هويته، ليصل إلى الآخر كما هو، ليتجاوز دائرة المحلية.


وأضاف في حديثه: إذا كانت الفكرة هي الأرضية الصلبة التي ينطلق منها الشاعر ليبني النص الشعري، فإن المفردة أداته وإزميله لنحت الصورة لتتضح الفكرة، فالمفردة تتمتع بقوة الاندماج لتشكيل الصورة لتبعث في النص روحًا تتجلى فيها موسيقى الكلمات، فباستطاعة الشاعر أن يوصل نصه باستخدام نصّ تتخلله مفردات ذات بعد شعري تحاكي محليته بلغة بيضاء لا تبتعد عن خصوصية المكان وهوية النص، ليس في محلية خالصة، إنما بلغة شعرية وسطى، وينهل من حصيلته اللغوية ما يعينه على كتابة نص باذخ بالجمال.


وللشاعر والباحث في الشعر الشعبي العُماني طاهر بن خميس العميري رأي في شأن الشعر الشعبي والهوية الثقافية العُمانية، خاصة فيما يتعلق بكونه حاملًا للهوية الثقافية في سلطنة عُمان، لا مجرد وعاء لهجوي، وما إذا أسهمت فصاحته النسبية وصوره المستمدة من البيئة والتاريخ الاجتماعي في ترسيخ ملامح الشخصية العُمانية في الوعي الجمعي، خاصة في ظل التحولات الثقافية والتواصل المفتوح مع الآخر، وهنا يوضح: لا يمكن للغة، سواء أكانت محكية أم مكتوبة، أن تنفصل عن محيطها الجغرافي والمكاني، فالتطورات الاجتماعية والثقافية تُلقي بظلالها على اللغة اليومية المتداولة، وقد ساعد هذا على ظهور لغة عربية محكيّة مكتوبة تسير جنبًا إلى جنب مع اللغة الرسمية.


وأوضح العميري: منذ بدايات ظهور المدينة العربية في بغداد في العصر العباسي بدأ العرب في توثيق شعرهم العامي، وقد وثّقت المصادر القديمة هذا النمط الكتابي الجديد الذي يستمد ثقافته من المجتمع وفنونه القولية، فنشأت لغة وسطى بين المحكيّة المتداولة وبين الفصحى الرسمية، لغة تخففت من قيود النحو والصرف، وواصلت تطورها وتحولاتها حتى زمننا هذا، مشيرًا إلى أن هذه اللهجات أخذت أنماطها مع الزمن، وصار كل بلد أو إقليم ينظم أشعاره العامية حسب اللهجة التي تكونت في محيطه، ويُطلق مسمياته على أنماطها وأشكالها الكتابية التي تستمد ثقافتها من طبيعة اللهجة المحكيّة، ومن فنونها وأغراضها وطبيعة جغرافيتها.


وأكد أن عُمان بكافة توجهاتها الثقافية وسياقاتها الأدبية ليست ببعيدة عن هذه التحولات في الكتابة الشعرية، فمنذ أراجيز أحمد بن ماجد البحرية ومسبعات الحبسي في زمن اليعاربة، وثّقت المصادر العُمانية نماذج من الكتابة الشعرية بلغة تزاوج بين العربية العامية والعربية الرسمية. وهذه الكتابات القليلة التي جاءتنا من زمن البدايات تحمل طبيعة الثقافة العُمانية واللغة المحكيّة المتداولة في زمنها، وقد تصاعدت هذه اللغة في تطورها مقتربة من الفصحى تارة، ومغرقة في عاميتها تارة أخرى، حتى صرنا نراها بشكلها الحالي، حاملة خصوصيتها وهُويتها من خلال مفرداتها أو طبيعة جغرافيتها.


وأكد: "نحن إذ نرى هذا التنوع الحاصل في القصيدة الشعبية المعاصرة، فإنما يستمد جذوره من تلك البدايات الأولى، فاقتراب القصيدة العامية الحديثة من اللغة الفصحى ليس بجديد، إنما هو عودٌ إلى بدء، عودٌ إلى زمن البدايات ونشؤها الأول في أقاليمها ومدنها العربية. والقصيدة حينما تنتمي إلى بقعة جغرافية محددة ستحمل رائحة المكان الذي تنتمي إليه، ولا يمكن لقصيدة معاصرة أن تنفصل عن مكوّنها الأول، والهوية الثقافية في أي نص شعري لا تقتصر على استخدام مفردات اللهجة اليومية، فقد يأخذ حضور المكان ومفردات المكان جزءًا من الهوية الكتابية.


وأشار العميري إلى أن التطور الحاصل في القصيدة الشعبية العُمانية المعاصرة، وأعني التطور على صعيد اللغة، لا ينفي عنها صفة انتمائها للمكان، فالمكان حاضر بكل مفرداته وتفاصيله، وليس بالضرورة أن تُكتب القصيدة الشعبية بلغة مغرقة في محليتها، فهذا ليس زمنها، بل ربما يُدخلنا هذا في الصنعة والتكلف، فالشاعر لحظة الكتابة يستحضر مدخلاته القرائية والثقافية، والتي ستجد طريقها إلى قصيدته، ولا يستطيع أن ينفصل زمنيًّا عن لحظته المعاصرة ليعيش زمنًا ليس زمنه. إن التأكيد على الهوية الشعرية كحامل للشخصية العُمانية مسألة مهمة، وهذا ما تحاول القصيدة العُمانية المعاصرة التأكيد عليه، من خلال الاحتماء بالثقافة الموروثة تلقّيًا وتطويرًا، وهذا ما سيضمن لنا كتابة قصيدة تحمل رائحتها العُمانية.