تعقبتُ قصة ملفات ابستين كغيري في الأيام الماضية، في الحقيقة فعلتُ ذلك متأخرة، ففضولي تجاه أمر كهذا لم يغلبه أحداثٌ كبرى مثل ما يحدث في إيران، أو فتح معبر رفح، وإعادة فتح ملف الجريمة التي يرعاها كيان الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين في الداخل الفلسطيني المحتل.

أثار اهتمامي أيضاً مؤتمر الادعاء العام السنوي هنا في عُمان، تحديدًا ملف الانتهاكات التي يواجهها الأطفال، ورغم ما أشير إليه في مسألة أن رعاية الأبوين في غاية الأهمية لتجنيب أطفالهم هذا المصير، إلا أن ما خطفني أكثر كان التصريح بأن النسبة الأعلى لهذه الجرائم تقع خارج المنزل وهذا ينطوي على أمرين لم يتم التشديد عليهما، أن بعضها يحدث في المنزل أولاً أليس كذلك؟ ونعلم جميعاً أنها قد تكون من الأب نفسه، أو من الأخ أو العم أو الخال أو أي قريب كان، أليس كذلك؟

كما أننا نعلم أيضاً أننا وإن سلمنا برعاية «مهووسة» من الأب والأم بسلامة أبنائهم من هذه الجريمة، فإن الاعتداءات إذا حدثت خارج البيت، ولم تكن في الشارع بسبب إهمالهما فهي غالباً ما تحدث في المدرسة، أخرى تحدث في المسجد، أليس كذلك؟

ألم يحن الوقت لطرح منهاج مدرسي عن الصحة والثقافة الجنسية في المدارس؟ ألم يحن الوقت لإطلاق حملة وطنية ضخمة جداً عن الإبلاغ المباشر عن التحرش الجنسي بالأطفال على غرار حملات الاحتيال والابتزاز الإلكتروني التي أطلقتها سلطنة عمان بنجاح؟ لأنني واثقة أن عدد من لم يبلغوا عن الاعتداء على أطفالهم وعدد الأطفال الذين لم يبلغوا آباؤهم وأمهاتهم عن تعرضهم للتعدي كبير جداً أيضاً.

حتى الاستطراد بعيداً عن ملفات ابستين شاهدٌ على ضياعي في مواقع أخرى من هذا العالم الذي يُعذبنا بهذه الأخبار التي تتدفق على رؤوسنا وأفئدتنا بلا توقف فنجد أنفسنا مضطرين للتورط بها خصوصًا إذا كنت تعملُ في الإعلام ومن المهم أن تبقى على اطلاع بما يحدث.

نشرتُ قبل أسبوعين مقالاً عن العمى الإدراكي معتمدة على بحث للكاتب السوري دارار عبدالله، والعمى الإدراكي هو الإغراق المتطرّف للمعلومات الذي يُنتج تخمة بصرية ومعرفية، تضرب ملكة الإقناع عند الجماهير وتنهكهم بتراكم البيانات الهائل مما يُسبب تراجعاً في الاهتمام بالقضية يصل مع مرور الوقت لنفور شامل. العمى الإدراكي هو انهيار داخلي في القدرة على التفكير والترجيح، لا يتمخض عنه تضليل معلوماتي فحسب بل شلل ذهني جماعي بسبب سيل الإغراق المتعمد من الروايات المتناقضة. فما علاقة هذا بقضية ملفات ابستين؟ إنها تجسيد مباشر لسلطة هذه «الدعاية الجديدة» التي استبدلت احتكار الأخبار وروجت أن ما يُنشر شائعات، بنشرها الأخبار حد التخمة أو ما يزيد عليها.

فعلى الرغم من فظاعة ملفات ابستين والصور الموجودة هناك، إلا أن الإنترنت مليء من اللحظات الأولى بسيل من الصور المفبركة عبر الذكاء الاصطناعي، ألم ترَ صديقي القارئ صورة زهران ممداني طفلاً وهو يقف بجانب ابستين وأصدقائه، يبدو بأن ممداني الأمل الجديد، الذي شكل فوزه بمنصب عمدة نيويورك لخلفيته كمهاجر ومسلم بالإضافة لعمره هو جزء من المؤامرة أيضا.

إذا تساءلت عن سر هذا التلفيق الممنهج، على الرغم مما أسلفت من عدم الحاجة إليه لتصوير بشاعة محتويات هذا الملف فالإجابة تكمن ببساطة في ضرب ملكة الإقناع لدينا، والتسبب في انسحابنا التدريجي من الاكتراث لفضيحة لا تصور مأزقاً شخصياً، بل تمثل رمزاً أيقونياً للعالم الذي نعيش فيه، القائم على النفوذ والثروة والذي يستغل الاتجار الجنسي للحصول عليهما وتثبيتهما. لكن نفورنا من هذه المسألة قد بدأ بتوجيهنا لا للابتعاد عن القضية وإنكارها فحسب بل إلى مسارات أخرى فما هي؟

تداول العالم كله مقاطع لمقابلات لابستين خصوصاً ذلك المقطع الذي تحدث فيه عن الروح، رأى الجمهور أنه ليس ذكياً فحسب بل عبقري أيضاً وهو فيلسوف، ويمتلك لغةً عالية، ومنطقاً فكرياً جذاباً، إنه ليس رجلاً عادياً بالمرة. فلنلاحظ هنا نبرة الإعجاب والدهشة بابستين؟

من ناحية أخرى تداول الناس صوراً لابستين مع شريكته التي رتبت له من بين أشياء كثيرة الفتيات الصغيرات اللاتي اغتصبن على جزيرته، يظهران في الصور وديعين جداً، رجل وامرأة عاديين، ابتسامتها عادية لا يبدو أنهما سيتسبان بالرعب الذي قيل بأنهما تسببا فيه. طبعاً يتجاهل الناس أن الشر عادي ومن يرتكبه أناس عاديون كما تقول حنة أرندت.

الطيف الثالث من الجمهور الذي تمت «أسلبته/ من سلبي» يبتعد عن الموضوع الأساسي؛ فالقصة بالنسبة له ليست ابستين بالمرة ولا علاقاته بمن نستطيع معرفة أسمائهم ودورهم فيما حدث لأن كل شيء موثق أصلاً في الملفات، لا ليس في ذلك مطلقاً، بل في التفكير المؤامراتي الذي لم يعد هنالك ما ينفيه بعد الآن. هنالك ماسونيون مثلاً، هنالك طغمة شريرة تتآمر علينا، بعد قليل سيكون هنالك زواحف بشرية، وأعداء من المريخ، لذلك علينا أن نفتح أعيننا على أولئك «المختلفين» عنا، المهاجرين، أو المتدينين أو العلمانيين أو الاشتراكيين أو اليهود أو المسلمين أو الملونين، فلنبقَ يقظين.

المجموعة الرابعة تسأل من الذي نشر هذه الملفات ولماذا الآن؟ إن مصادرها ليست «بطولية» ولا خارج المنظومة، بل جزء من النظام نفسه الذي أنتج الجرائم الذي يدعي فظاعتها، وكشفها الآن ليس براءة متأخرة بل وظيفة مرحلية داخل النظام، فلا يمكن تصديق القضاء فهو الذي حكم بسجن سياحي على ابستين، وهو الذي عندما انتحر بينما يعرف الجميع أنه مات مقتولاً تعطلت كاميرات السجن «سبحان الله». لا يمكن تصديق أن ترامب لم يستطع هو والمتورطون مثل بيل غيتس أحد أثرى ثلاثة رجال في العالم الوقوف دون حذف أسمائهم ونشر الملفات. إنهم يضربون بعضهم هذا كل ما في الموضوع، ربما ليس هنالك صغيرات اغتصبن، ولا عمليات اغتيال تمت رعايتها، ولا أموال مجمدة بسبب ثورة بعيدة في الشرق الأوسط سطي عليها.

يجرى هذا بينما لا نتحدث عن شبكة المجرمين الذين يحكمون العالم وضرورة ثورتنا على العالم الذي يدعون أنه الصورة الوحيدة الممكنة لشكل المكان الذي نعيش فيه، فضرورة ثورتنا عليهم هم أنفسهم. وأنت هل أكملت هذه المقالة أم أنك نفرت َبالفعل ومللت من قصة ابستين هذه كلها؟ «وتراكم أذيتونا».