تحتفل سلطنة عُمان غدًا الأربعاء باليوم العالمي للسرطان، الموافق 4 فبراير من كل عام، لتسليط الضوء على المرض ورفع الوعي المجتمعي حوله، مع التركيز على الجوانب الإنسانية والتجارب الشخصية للمرضى وأسرهم، إلى جانب جهود الكوادر الطبية المتخصصة.
وأوضحت الدكتورة ديمة إسماعيل، اختصاصية أمراض الدم وأورام الأطفال، أن السرطان هو اضطراب خلوي يؤدي إلى نمو غير متحكم فيه للخلايا الشاذة، ما يحل محل الخلايا الطبيعية ويعيق أداء وظائفها الحيوية، مشيرةً إلى أن هذا المرض يُعد من أبرز التحديات الصحية العالمية.
وأشارت الدكتورة ديمة إلى أن أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين الأطفال تشمل أورام الدم (اللوكيميا)، تليها أورام الدماغ والجهاز العصبي، مع ملاحظة أن نسب الإصابة بين الذكور والإناث متقاربة، وأن بعض الأنواع تصيب الأطفال في أعمار محددة، مثل أورام الكلى والأرومة العصبية للأطفال تحت سن الخامسة، بينما تصيب أورام العظام والغدد اللمفاوية المراهقين أكثر.
وأوضحت أن أسباب سرطان الأطفال غالبًا غير واضحة، وقد يكون هناك في حالات نادرة سبب وراثي أو جيني، مشددة على أن الوقاية المباشرة غير ممكنة، لكن التغذية الجيدة والالتزام باللقاحات يعززان من مناعة الطفل ويساهمان في الوقاية من أمراض أخرى قد تؤثر على صحته العامة.
وحثت الاختصاصية أولياء الأمور على الانتباه للأعراض المبكرة، مثل التعب الشديد والمستمر، وفقدان الوزن غير المبرر، والكدمات المتكررة، والصداع المستمر مع القيء، أو التورم غير الطبيعي في أي جزء من الجسم، موضحة أن الاكتشاف المبكر يلعب دورًا حاسمًا في نجاح العلاج وتحسين فرص الشفاء. وأضافت أن أي شكوى ألم متكررة يجب التعامل معها بجدية، وعدم الاكتفاء بتبريرها بأن الطفل يبالغ أو يسعى لجذب الانتباه، خاصة إذا أثرت على النوم أو التغذية أو الأنشطة اليومية.
محاربو السرطان: قصة ألم وأمل
وجهت الدكتورة ديمة إسماعيل، اختصاصية أمراض الدم وأورام الأطفال، رسالة لمحاربي السرطان وأسرهم قائلة: «إلى كل طفل شجاع يحارب السرطان، أنت بطل حقيقي، لست وحدك، فنحن معك لنكمل الرحلة سويًا حتى الشفاء. وإلى كل أم وأب يسهرون خوفًا على أطفالهم، نحن نُقدّر ما تمرون به، فالصبر والدعاء والالتزام بالعلاج سيؤتي ثماره. كونوا أقوياء، فطفلكم يستمد منكم الأمل، والطب قد تطور، ونسب الشفاء عالية جدًا وتتجاوز 90%.»
رحلة إسحاق: تحدٍّ وأمل
تحكي رحمة الشيدية، أم الطفل إسحاق، عن رحلة ابنها الطويلة مع المرض بقولها: «بدأت معاناة طفلي منذ عامه الأول، حيث لاحظنا خمولًا وتعبًا غير طبيعي، بالإضافة إلى انتفاخ رأسه. أُرسل إلى مستشفى خولة، وتم إجراء عملية تصريف بالأنبوب وإزالة ورم في الدماغ. في ظل جائحة كوفيد-19، كان الوضع صعبًا وتم نقله إلى العناية المركزة قبل العودة إلى المنزل».
وأضافت: «لاحقًا ظهرت أعراض جديدة على إسحاق، منها الحمى الشديدة والتشنجات وتغير لون الجلد، فتم نقله إلى المستشفى السلطاني، حيث اكتشفنا تحرك مسار أنبوب التصريف إلى الكبد بدلًا من المعدة، وتم حل المشكلة. بعدها بدأ العلاج الكيميائي لمدة ستة أشهر، مع كل التعب والألم والسهر، وبفضل الله اكتمل العلاج وواصلنا رحلة العلاج في الهند، شملت سحب النخاع وزراعة ناجحة له، إضافة إلى متابعة العلاج الكيميائي والإشعاعي عند عودتنا إلى سلطنة عُمان».
واختتمت الشيدية حديثها قائلة: «على مدار أربع سنوات، استمرت رحلة العلاج الشاقة، تضمنت جلسات العلاج الطبيعي والتعامل مع مضاعفات مثل مرض الربو. والحمد لله، تماثل إسحاق للشفاء جزئيًا، وكل هذا لم يكن ممكنًا لولا جهود الكادر الطبي المبذولة والمتابعة الدقيقة التي تلقاها ابني».
هذه القصة الإنسانية تبرز صمود الأطفال وحرص الأهل، وتسلط الضوء على أهمية التشخيص المبكر، والالتزام بالعلاج، والدعم الطبي المستمر، لتجعل من رحلة المرض رحلة أمل وفرصًا للشفاء.
ملائكة الرحمة ورحلة العلاج
تروي الممرضة مريم الحارثية تجربتها في رعاية أطفال السرطان بالمستشفى السلطاني قائلة: «بين أروقة جناح أمراض الدم والأورام للأطفال، تجمعنا نحن طاقم التمريض علاقة دافئة أشبه بحضن العائلة. نقضي أيام العلاج مع المكافحين لأشهر وسنوات بصدر رحب وقلب مليء بالمشاعر، تتخللها دموع الفرح أحيانًا والحزن أحيانًا أخرى عند فقدان أحد أبطالنا الصغار. في لحظة التشخيص، نكون الحضن المطمئن للأم، نحتويها بالكلمات الإيجابية والتشجيع لإكمال رحلة العلاج، ونكون السند للأب التائه بأسئلته المليئة بالقلق مثل: كيف سيكون ابني؟ وهل سيتم علاجه؟ وما تأثير العلاج الكيميائي؟»
وأضافت الحارثية: «في زوايا هذا الجناح، تُكتب قصص مؤثرة للشجعان. قصص مثل قيس الذي يطمئن والده قائلًا: "أبي أنا قوي مثلك، سأتعافى قريبًا لأنك معي"، أو حين يتحمل الانتكاسة الثالثة بابتسامة مشرقة ويقول: "أنا بخير". وفي المقابل، هناك لحظات حزينة حين نفقد طفلًا لم يرَ ضوء الحياة بعد، أو عندما تصرخ طفلة صغيرة من ألم الأنيميا: "سستر ساعديني، أنا طفل ما أقدر أتحمل".»
وتابعت: «من أشد المواقف التي استوقفتني مؤخرًا، خلال مناوبتي الليلية في قسم الأورام، كانت مع الأم الشجاعة والصابرة لأطفالها توأم (أربع وخمس سنوات). طفلتها الأولى تتلقى العلاج الكيميائي، والثانية عادت مؤخرًا من الهند بعد إزالة ورم خبيث. وبأسلوب فكاهي، سألت كيف ستفرق بينهما عند إعطاء الدواء؟ أجابت: "الأولى بشعر، والثانية بدونه". شعرت بالقشعريرة من صبرها وقوة قلبها، ورغم شدة الموقف، لم تفقد ابتسامتها».
واختتمت الحارثية حديثها بتوجيه نصائح لممرضي الأطفال قائلة: «طبطبوا على الأطفال، فأنتم اليد الحانية لهم وقت الشدة. تحلوا بالصبر والقوة في تقبل أي سلوك نابع منهم، ولا تقارنوا بينهم، فلكل منهم طاقته الخاصة. نصف العلاج يكمن في تغيير نفسية الأطفال للأفضل. دعم مرضى السرطان، وتعزيز الوعي بالكشف المبكر، وتكاتف الجهود الصحية والمجتمعية، يمثل حجر الأساس لتقليل معاناة المرضى ورفع فرص الشفاء».