بعض المدن تزدان بالحصون والقصور، ولا تذكر إلا مع تلك الشوامخ المهيبة والجميلة، كـ«بركة الموز» بولاية نزوى، و«جبرين» بولاية بهلا، وإذا ذكرت «البركة»، يذكر معها حصنها الجميل «بيت الرديدة»، الواقع في ضفاف وادي «المعيدن»، وعند حواف نهر «الخَطْمَيْن»، وقريبا من مصب شلالات «الجبل الأخضر»، مدينة قديمة تقع عند منابت جذور الجبال، حيث حام كطائر بين تلك الرؤوس الذهبية، وثوى بين خمائل النخيل، تلف البركة الجميلة كخيمة أو غيمة، وحين يهطل المطر في مواسم الخصب، تبدو شعاب الوادي أشبه بشلال فضي، ينهمر من تلك السفوح العالية، كأنها موصولة بالسماء.
أما «جبرين»، فواحة خضراء في صحراء لينة الفراش، يظهر فيها الحصن من بعيد أشبه بمنحوتة ذهبية من الجص، ويزداد لمعانا كلما ابيضَّ وجه النهار، وفي الليل يكاد الحصن لا يرى، إلا خيالا لملاك يتوارى وراء قمم النخيل، وهو على هيئته هذه منذ ثلاثة قرون، يبوح بالسِحر، ويشرب كأس السهر مع ندامى الليل، من الكائنات التي أنِسَ لها الشعراء في قديم الزمان.
وبين حصن «بيت الرديدة»، و«حصن جبرين»، يمارس سحر العِمارة غوايته على عيون الزائرين، فهما تحفتان بديعتان، شُيدتا في زمنين متقاربين، لم تباعد الأيام بينهما، إلا بسنوات معدودة، بقدر ما تفصل بين الأب وابنه في الجلوس على كرسي الإمامة اليعربية، بين الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي (1649- 1679م)، وابنه بلعرب بن سلطان (1679- 1692م)، كان لا بد لحصن «بيت الرديدة» في بركة الموز أن يسابق الزمان بميلاده، إلى أن تباشر المكان في قرية «جبرين»، وأشعل شمعته الأولى لميلاد مفخرة جصية جديدة، تجمع بين أُبهة القصور وفخامة الحصون، ليصبح في تكوينه الهندسي الجديد صورة من الخارطة الأولى لحصن «بيت الرديدة»، فهما متشابهان حد التطابق والتعانق.
قبل ما يقرب من أربعة قرون، خلال تلك السنوات، مع بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي، لم تكن البركة كما هي عليه الآن، أو كما صارت إليه خلال فترة حكم الإمام سلطان بن سيف اليعربي، لعلها كنت بركة آسنة بمياه وادي «المعيدن»، أو واحة من الأشجار البرية كالسدر والغاف وغيرها، حتى لمَحت موقعها عين الإمام سلطان بن سيف، ولمعت الفكرة العبقرية في ذهن الإمام، ورأى أن يبني فيها قرية متكاملة، فخططت عبقرية الهندسة في عصره، إلى استغلال تلك المياه الدافقة من وادي «المعيدن» بحفر فلج «الخطمين»، وأمر بشق فلج يضاهي النهر في جريانه، حمل اسم: «الخَطْمَيْن»، لتحمل جداوله الماء عذبا إلى أبعد الضواحي، وعند مجرى ساقيته شيد الإمام حصنا من دور واحد، بيت فاخر يليق بمقام الحكم: «بيت الرديدة»، لم يشاكله مبنى آخر في زمانه ومكانه، اكتمل بناؤه بعد حين من الزمان، مع بدايات الدولة البوسعيدية، مضيفا لخريطته الهندسة الدور الثاني، ليشبه في تكوينه الهندسي حصن جبرين.
وبلا شك فإن هندسة «حصن جبرين» استفادت من هندسة «بيت الرديدة»، يظهر ذلك من المدخل الصغير للبيت والحصن معا، ويظهر أكثر في بهو الاستقبال لكليهما، المفضي إلى بهو داخلي مفتوح على السماء، فيما تبين الشرفات الداخلية من الجهات الأربع، مع حرص دقيق على توزيع الضوء والظلال، والأقواس الداخلية في الممرات، وارتفاع عال لجدران الغرف الداخلية، يشبع رئة البيت بالهواء النقي.
قبل أيام كنت في زيارة لبيت الرديدة، وهي الأولى لي بعد إعادة ترميمه، وتحويله إلى معرض دائم للأسلحة التاريخية، كنت شغوفا بزيارة هذا البيت الأثري الفخم، والوقوف على تلك البنادق العجيبة، والتجول داخل أقسام المعرض في كلا الطابقين، مسدسات بصناعات مختلفة، تشبه التي نراها في الأفلام الغربية الكلاسيكية، بعض هذه الأسلحة تعود إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، ترى كم روحا أزهقتها مواسير هذه الأسلحة الفتاكة؟ سؤال تحمل إجابته خوفا وهلعا، فقد أحسست وكأن الدماء تسيل من كل ماسورة.
أسلحة عجيبة قلما تجتمع في معرض واحد، كل منها يحمل اسما مختلفا، بنادق محشوة من المغلاق، تعود صناعتها إلى عام 1886م، بندقية «لي إنفيلد»، وهي واسعة الانتشار في عُمان، نراها كثيرا معلقة على أكتاف حراس الحصون، بندقية «مارتيني هنري» والمعروفة في عُمان باسم «الصَمعة» منذ أكثر من 150 عاما، وما تزال تستخدم حتى اليوم، وبنادق الفتائل التي تسمى في عمان «أبو فتيلة»، تعود إلى عهود قديمة، تؤرخ إلى زمن البرتغاليين، ونماذج من مسدسات نادرة احتشدت في المعرض، ابتداء من مسدس «فلينتلوك»، المصنوع في القرن السابع عشر، وانتهاء بمسدسات القرن العشرين، تستخدم لأغراض الحماية الشخصية، وبينها مسدسات ذو الطلقة الفردية، وثنائية الماسورة، وبعضها متعدد «الماسورات»، والدَوار والآلي متعدد الطلقات، وغيرها كثير من الأسلحة خفيفة الحمل.
يخرج الزائر للمتحف بمعلومات عن تلك المقذوفات الرصاصية، التي تنطلق بسرعة البرق من مواسير الأسلحة، رصاص مخروطي الشكل، وقفت أتأمل أشكال الرصاص القاتلة، والتي فتكت مثيلاتها بملايين البشر، في حروبهم الضروس مع بعضهم خلال القرون الماضية، حروب بين الدول، يشب ضرام نارها في جنون، راحت ضحيتها ملايين الأرواح من البشر والكائنات، مع انتشار طغيان الاستعمار، وبعضها بسبب رحلات الصيد الجائر، أو في لحظات الغضب بين بني البشر، تسفك الرصاصة ما تبقى من دم، وتسكب قطرته الأخيرة، في آخر لحظة من حياة القتيل، مثلما ينهي الرَاوي حكايته في آخر صفحة، بوضع نقطته الأخيرة في آخر السطر.
لم أكن بحاجة إلى دليل يعرفني بأجنحة المعرض المليئة بأنواع الأسلحة، إنما صرفت تفكيري إلى تلك الشرفات الجميلة، المطلة على بهو البيت المفتوح على السماء، بأقواسه وإطلالاته البهية، تزيده شمس النهار صفاء وإشراقا، كل شرفة تحدث عن تاريخ إنساني يثير في النفس خواطر الشجن، ورأيت أن المكوث لدقائق داخل تلك الساحة، قد يسمح برؤية طائر يحلق بفرح في السماء، وقد يرسل تغريدة تكسر وحشة المكان، أو تحوم سحابة تحمل هودجا من بياض وضباب، أو أن ينطلق البصر إلى أبعد مدى في السماء الزرقاء، وينطلق الخيال سخيا، في مثل هذا المكان المغلق من الداخل، والمفتوح من الأعلى، أليس هذا بأفضل من رؤية رصاص، ينطلق من «ماسورات» الأسلحة ولو بعين الخيال؟.
ومن أي الاتجاهات الأربع، كانت الشرفات تتكرر في كل ممر، داخل حصن «بيت الرديدة»، تطل على البهو الجميل، وهي الإطلالة ذاتها التي عليها «حصن جبرين»، مع اختلاف بسيط في المساحة وعدد المرافق، إذ لم يكن في «بيت الرديدة» غرفة تشابه «غرفة الشمس والقمر» كالتي في «جبرين»، وإن وجِد شبيه لها فلا تحمل هذا الاسم، ولا توجد أبيات شعرية مرسومة بزخرفة بديعة في أسقف غرف «الرديدة»، أو بين جانبي سلالمه الداخلية، كالتي توجد في «حصن جبرين»، لا يوجد شيء من هذا، لعل «بيت الرديدة» كان مليئا بالزخارف، فلم يبقها الزمان إلى اليوم، مثلما أبقى على زخارف «حصن جبرين»، فقد تعرض البيت للاندثار بسبب الحروب، حتى صار خربا، حد أن تهاوت أسقفه، إلى أن أعيد ترميمه من جديد، مثلما رمم «حصن جبرين» أيضا، وعادت هيبتهما وجمالهما المعماري الساحر.
واليوم فإن كل من يمر على الطريق المؤدي إلى «الجبل الأخضر»، يظهر له الحصن بسوره وشرفاته، مجاورا لفلج «الخطمين»، كما تظهر له البيوت القديمة لـ«حارة السيباني»، في سفح الجبل المحاذي للبركة من جهة الشمال، أشبه بالبيوت المعلقة، وتلوح أبراج صغيرة في رؤوس الجبال، أشبه بمجامر تفوح بخورا من سحب بيضاء، لتتشكل لوحة جميلة، تجمع بين جمال الطبيعة وعبقرية البناء.