حارة كاملة من الرمل وإليه، حارة أثرية اختارت البقاء والخلود رغم أنها لم تختر الوجود، مجموعة بيوت متلاحمة متراصة كأن ذلك التلاحم بينها وسيلتها الآسرة لرفض الفناء وتحدي الأزمنة، حارة كاملة أمّنت لموقعها بين جبال حانية فاختارت السكنى على سفح جبل الشحشاح متشبثة به ثباتا وظلا، وكأنها تعبت من تعاقب الأزمنة فغفت على ذات السفح بانتظار بعثها من مرقدها عبر عشاق جدد بعد غياب عشاقها من سكانها الأوائل، حارة الرمل بولاية عبري في محافظة الظاهرة إحدى الحارات الأثرية، بنيت على سفح جبل الرمل لأكثر من ثلاثة قرون، ومنه أخذت اسمها الأثير "حارة الرمل"، على أنه رمل يبقى لذاكرة لا تفنى، تمتاز بيوتها بالتجاور والتلاحم رغم اختلاف طوابق البيوت على كثافتها، ولأن الرمل ثروة لا يمكن أن تغيب، كيف ذلك وهي جارة الربع الخالي صحراء سخية ومدى رحبا؟! ضمت حارة الرمل بين جنبيها أروقة لممرات وطرق صغيرة سبيلا لتواصل أهلها واتصالهم بينهم داخلها وبينهم وبين العالم خارجها، ولأنها جارة البيد فلا بد لنظامها الهندسي المعماري من شرفات ونوافذ وأقواس مستوحاة من فن العمارة الشرقية، بين الرمل والخشب منافذ دائمة للتهوية وللتغذية البصرية توثيقا للفن حضارة موروثة، وتأكيدا لذكاء التأقلم والبيئة.
طراز عمراني يعيدنا إلى الماضي البعيد مع أسقف من جذوع النخيل، منقوشة وملونة تمازجا بين الأبيض والأحمر، وكما يروي الباحثون من زوارها فإن طريقة بناء البيوت بهذه الحارة تشبه إلى حد ما طريقة البيوت المبنية في الحارات القديمة بمدينة الأندلس بإسبانيا، ومدينة دمشق بسوريا، ومدينة القاهرة بمصر وذلك من حيث ترابط وتلاحم البيوت مع بعضها البعض مع وجود الممرات والشوارع الصغيرة بين البيوت تأكيدا للقربين المادي والمعنوي ورفضا لمسافات الفصل والبعد، أحياء مؤنسنة تحفظ للإنسان علاقاته وطاقته قبل التنظير لفكرة "أنسنة المكان"، وسمة التلاحم تلك ليست بين بيوتها وسكانها وحسب، بل بينها وبين حارات أخرى تداخلت حتى صعب معها الفصل والتمييز، كذلك وجود الأسقف المزخرفة والأقواس والمشربيات توافقا والعمارة العربية والإسلامية، لم تكن حارة الرمل محل إقامة فقط بل كانت معبرا تجاريا لكثير من القوافل والزوار، تشهد على ذلك مرويات أهالي عبري عن سدرتها التاريخية الشهيرة "سدرة الرمل" حكايات تروى وذكريات لا تموت؛ ظلّلت السدرة العظيمة كثيرا من اللقاءات حيث كانت محطة تجارية واجتماعية وترفيهية، اعتبرها الأهالي آنذاك "سبلة" مفتوحة نهضت بأدوار كثيرة في حياة أفراد المجتمع حيث التآلف والتكاتف والتعاون والقيم الأصيلة والعادات العريقة، حالها في ذلك حال سدر كثير اتخذ دور النادي منبرا اجتماعيا تربويا اقتصاديا في زمن عرف أهله معنى الوحدة ومعنى التكافل بعيدا عن مغريات الواقع وملهيات العقل، ولعل العابر يتحسس مكان السدرة كما يتحسس أطياف عابريها وأصواتهم بين غاد ورائح كما روي عن حاتم الطائي "أَماوي إن المال غادٍ ورائح...ويبقى من المال الأحاديث والذكر"، وقد ذهبت مآلات السدرة بالمال (عقود البيع والشراء، عرض وطلب السلع، لقاءات التجار بعضهم ببعض وبعضهم بالناس) وبقيت الحكاية ذاكرة لا تنضب لحارة لا تموت، وفي ذلك كثير من المروي الذي يستحضره العابر بالحارة وأصداء سكانها من الراحلين.
ولما اعتنقت حارة الرمل كل تلك الحمولة من الإرث التاريخي والموروث الجمعي استحقت بعثا رائعا بعد سبات طويل، أملا لأهالي المحافظة بعد صدور المرسوم السلطاني رقم (25 /2004) بتقرير صفة المنفعة العامة لمشروع حارة الرمل، واليوم بعد ما يزيد عن عقدين من تاريخ المرسوم يأتي الاهتمام بالحارة في إطار جهود وزارة التراث والسياحة الهادفة إلى صون التراث العماني وتعزيز دوره في التنمية الاقتصادية المستدامة حين أعلنت الوزارة عن مشروع تطوير واستثمار حارة الرمل الأثرية بولاية عبري كأحد أقدم الأحياء التاريخية في سلطنة عمان، والتي يعود تاريخ إنشائها إلى أكثر من 300 عام، ينفذ المشروع بواسطة شركة الظاهرة الدولية للتنمية والاستثمار، على مساحة إجمالية تبلغ (6,350) مترا مربعا، وبتكلفة تقديرية تصل إلى مليون ريال عماني، على أن تستكمل أعمال التنفيذ خلال مدة زمنية تصل إلى عامين من بدء التنفيذ الفعلي، ويتضمن المشروع إنشاء متحف تراثي، ونزلين تراثيين، ومطعم رئيسي، ومقهى رئيسي، و(28) محلا مخصصا لأصحاب الأعمال والحرفيين والأسر المنتجة، إلى جانب جلسات خارجية على سفح الجبل توفر تجربة سياحية متكاملة تمزج بين الأصالة والضيافة والطبيعة.
ستحتفي عمان بعد أمد قريب بعودة الرمل للحياة، عودة نشاطها وأصوات ساكنيها وعابريها، تحتفي كل مسارات وأفلاج وطرق حارات عبري بأختها العائدة من غفوة الخلود ليقظة الحياة مرة أخرى: حارات "قلة الصقر" و"الجمار" و"الشناديد" و"حارة ورى" و"الجامع" و"السوق" كلها بانتظار انبعاث الرمل (بعد عامين من مدة المشروع وبعد عقدين من مرسوم المنفعة العامة) خلقا جديدا محتفظا بأصالته مع انعكاسات عصرية تراهن على القدرة على البقاء مع قيمة المكان تاريخيا عبر ممكنات معاصرة تصيره حضورا مكثفا وتفاعلا إنتاجيا مستداما، كل ذلك قليل من كثير جديرة به الرمل وجديرة به عبري، ومع كل هذا الانتظار بشوق يحملنا قلق عظيم على هوية المكان التاريخية، أمنيات صادقة للشركة المنفذة في أن تحسن الموازنة بين الحفاظ على القيمة التاريخية للحارة بتأكيد معطيات الموقع مضمونا ومسميات، وتفعيل إنتاجية المكان عصريا بشكل سياحي فاعل بعد طول انتظار على شوق.
ستعود حارة الرمل من صفحات التاريخ لنعيشها ونعيش معها وبها تاريخا معاصرا من جديد، وكأني بين بيتي عمر أبو ريشة في الاحتفاء بأوغاريت؛ أطلال المدينة السورية التي اكتشفت فيها أول أبجدية في التاريخ: "أتعبـت مـن حلـم الخلـود فشـئـت ألا تحلـمـي؟!" وقوله "الــرَبــع ربــعــك فـانـحـنــي عطفــا عليــه و سـلَـمــي" ونحن هنا ندعو الرمل لليقظة من حلم الخلود لتنحني على ربعها من جديد رافضين معها فكرتي الفناء و النسيان، مؤكدين أنه رمل رؤوم وأنها حارة لا تموت.