فاطمة بنت سالم الحمحامية من مواليد ولاية مطرح، عاشت طفولتها بين حاراتها وحللها، وكبرت وهي تشاهد تفاصيل هذا المكان تتشكل في ذاكرتها من الأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة، والروائح التي تسبق الوجوه، والأصوات التي تصنع الإيقاع اليومي للمدينة. ورغم انتقال أسرتها لاحقًا من مطرح، فإن علاقتها بالمكان لم تنقطع، حيث ظلّت زياراتها المتكررة تعيد وصل ما انقطع وتغذي شعورها بالانتماء الدائم. تحول هذا الارتباط، كما تقول الحمحامية: مع الوقت إلى رغبة حقيقية في نشر المعرفة عن ولاية مطرح والاهتمام بها والعمل على تقديمها بصورة أكثر عمقًا، بعيدًا عن الصور النمطية المختزلة.
**media[3280481]**
من هنا تأتي مبادرة "جرّب تمشي في مطرح" بصفتها محاولة واعية لإبطاء الخطى وإعادة الإنصات إلى المكان واستحضار ذاكرته باعتباره كيانًا حيًا. تقودها الحمحامية، مديرة البرنامج وأخصائية التسويق وإدارة المجتمعات الرقمية، عاملة في قطاع الصناعات الإبداعية والثقافية، وتنطلق بهذا المشروع من شغف بالسفر وصناعة المحتوى، ومن علاقة شخصية قديمة ومتجذرة تربطها بمطرح.
وحول اختيار المشي مدخلًا لاكتشاف مطرح، تشير الحمحامية إلى أن هذا الخيار لم يكن متصلاً بحبها للمكان فقط؛ ففاطمة من هواة المشي السياحي وترى فيه أكثر من مجرد نشاط بدني. والمشي بالنسبة لها من أسهل الرياضات وأكثرها انسجامًا مع طبيعة الإنسان؛ فهو لا يتطلب تجهيزات خاصة ولا جهدًا قاسيًا، وإنما يُمارس على مهل، ما يسمح للعقل والحواس بأن تكون حاضرة. وفي الوقت ذاته، هو وسيلة مثالية لاستكشاف المكان والتمتع بجمالياته والتقاط روحه، ومن خلاله يلاحظ الناس القصص المخبأة خلف الأماكن والسكك والحارات والأسواق. فالمشي كما تصفه الحمحامية متعة وسياحة واستكشاف في آنٍ واحد.
قصص تُروى
خلال جولات "جرّب تمشي في مطرح"، تحاول فاطمة أن تتوقف عند نقاط تحمل قصصًا لتشاركها مع الآخرين؛ فعند كل نقطة توقف تروي لهم حكاية مبنى قديم أو شخصية عاشت في المكان، أو وجبة شعبية ارتبطت بالذاكرة، أو رائحة ما زالت عالقة في الهواء، أو صوت شكل جزءًا من المشهد اليومي لولاية مطرح، وتضيف أيضًا أنها تسعى إلى رواية قصة المكان فضلًا عن عرضه، ونقل تفاصيله وإعادة ربط الإنسان بما يمر بجانبه من مشاهد يومية.
وتشير فاطمة إلى أن الكثير من الناس يختصرون مطرح في السوق والكورنيش، وهما بلا شك معلمان مهمان، لكنهما لا يمثلان مطرح بأكملها. لذلك تحرص المبادرة على إبراز المساحة الجغرافية الأوسع للولاية وسرد قصصها الممتدة منذ قديم الأزل، وجعل مسار المشي يمر عبر المناطق الأقل شهرة، الغنية بالتفاصيل والقصص التي تترك أثرًا في ذاكرة كل عماني. وتهدف من خلالها إلى كسر الصورة النمطية وتقديم مطرح كمدينة متعددة الألوان تُرى من زوايا كثيرة.
وتوضّح الحمحامية أن تصميم مسارات المشي يعتمد على التجربة الفعلية والمعايشة الطويلة للمكان بحكم معرفتها المسبقة به، وفي ذات الوقت تترك المساحة لما يتخلل المسار من حكايات وتفاعلات إنسانية، فالتجربة في جوهرها حية تتشكل مع كل خطوة تخطوها مع المشاركين. وفيما يتعلق بتوثيق المشهد ونقل الصورة، فهو عفوي بالكامل، يعكس للناس لحظة اكتشاف المكان من خلال تقريب الصورة بحكم الارتباط الشخصي والمعرفة السابقة.
وترى فاطمة الحمحامية أن الصورة وحدها مهما كانت جميلة تبقى ناقصة دون قصة تدعمها؛ فإيصال المشاعر عبر الحكايات أعمق أثرًا من صورة صامتة تتداول عن المكان، وهو ما سعت الحمحامية لإيصاله من خلال "جرّب تمشي في مطرح"، حيث أضافت للأماكن بعدًا جديدًا، لأنها كشفت ما وراء الواجهات ومنحت المشاركين علاقة مختلفة مع المكان.
تفاعل كبير
وعن تفاعل المشاركين مع هذه التجربة، تؤكد فاطمة الحمحامية أن الاستجابة كانت أكبر مما توقعت، فقد تلقت المبادرة مطالبات متكررة من أفراد ومجموعات، وحتى شركات، لإعادة التجربة نفسها، إضافةً إلى طلبات لتطبيق هذه الفكرة في مناطق أخرى من سلطنة عمان، ويكشف هذا التفاعل عن تعطش حقيقي لمثل هذه المبادرات التي تعيد للإنسان علاقته بالمكان، وتمنحه فرصة للتأمل والتمعّن في تفاصيله، بعيدًا عن صخب الحياة اليومية.
وحول دور أبناء الولاية في تعزيز الترويج للأماكن السياحية، ترى فاطمة أن مشاركة أبناء المنطقة كمرشدين في هذه التجارب تضيف قيمة استثنائية لها؛ فالتعرف على قصص المكان من أهل المكان يمنح التجربة أصالة وصدقًا، ويترك أثرًا لا يُنسى في نفوس المشاركين، مؤكدًا قوة البعد الإنساني والثقافي في التعرف على البيئة المحلية.
وتقول فاطمة بنت سالم الحمحامية: "إن الرسالة التي يحملها برنامج «جرّب تمشي في مطرح» تتجاوز حدود المبادرة نفسها، فهو دعوة مفتوحة لإعادة اكتشاف عُمان والتعرّف على خيراتها وكنوزها، ونقل قصصها إلى العالم من زوايا إنسانية وثقافية، بحيث تصبح التجربة نافذة يطل منها المشاركون على روح المكان وتاريخه العميق".
ورغم التحديات التي واجهت المبادرة، لا سيما ما يتعلق بالوقت والمدة، فإن هذه الصعوبات لم تكن عائقًا، بل شكلت حافزًا للاستمرار والتطوير، حيث تؤكد فاطمة أن مثل هذه المبادرات تلعب دورًا محوريًا في تعزيز هوية المكان، ومنحه قيمة مضافة، وتقوية ارتباط الناس به، في زمن تكثر فيه المشتتات التي تهدد علاقة الإنسان بما حوله.
وتضيف الحمحامية: "برنامج «جرّب تمشي في مطرح» ليس نهاية الطريق، بل بداية لمبادرات مماثلة تهدف إلى نشر رسالة واضحة عن سلطنة عُمان، قبل أن يكون مشروعًا، وثمة نية واضحة للتوسع مستقبلاً لتشمل مناطق أخرى، مع العمل على تجارب متنوعة تتيح للناس استكشاف تفاصيل غنية ومتعددة في مدن وولايات مختلفة."
وترى فاطمة أن المشي البطيء لم يعد مجرد نشاط جسدي، بل أصبح ضرورة ثقافية؛ لأنه يعيد للإنسان انتباهه ويمنحه فرصة للإنصات والتأمل. أما على الصعيد الشخصي، فتقول الحمحامية: إن مشيها كسائحة في بلادها صار له تأثير أعمق، وأن أحلام الطفولة التي وُلدت في مطرح بدأت تتحقق خطوةً بعد خطوة، في مدينة لا تزال تحتفظ بالكثير لتبوح به، لتصبح كل جولة فيها رحلة لاكتشاف الذات والهوية معًا.