يقدم فصل الشتاء فرصا غير مسبوقة للحراك السياحي والاقتصادي، وفي وقت تكتسب الوجهات الشتوية شهرة متزايدة، تبرز محافظة شمال الشرقية كواحدة من أبرز الوجهات المتجددة التي تحكي قصة تنوع وثراء في الفعاليات والمقومات الطبيعّية، حيث شهدت انطلاق مجموعة من الفعاليات الشتوية المتميزة، التي أسهمت في إضفاء حياة جديدة وجذبت السيّاح من مختلف الأرجاء، لتصبح المحافظة وجهة سياحية تمتد من أكتوبر الماضي حتى نهاية أبريل المقبل.
كرنفال بدية
تبدأ فعاليات الشتاء بشمال الشرقية في قلب ولاية بدية ووسط رمالها الذهبية، بفعاليات كرنفال بدية الذي يشكل ملتقى يجمع بين الرياضة والتراث والمغامرة والترفيه ويعزز الحراك السياحي والاقتصادي على حد سواء، وهدف "كرنفال بدية" إلى إبراز المقومات السياحية والطبيعية لرمال الشرقية وتشجيع الشباب العُماني على ممارسة الأنشطة الرياضية الصحراوية في أجواء من التنظيم والاحترافية، باعتبار الكرنفال يساهم في حركة سياحية واقتصادية وتجارية نشطة للعائلات والزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها بفضل ما تتمتع به المحافظة من وجهات سياحية نوعية وتنوع جغرافي مميز.
وفي إحصائيات للجانب الاقتصادي، فإن عدد المنشآت الفندقية بالمحافظة بلغ 100 منشأة، منها 16 فندقًا وشققًا فندقية و27 نزلاً أخضر و37 بيت ضيافة و17 مخيمًا سياحيًا و3 استراحات، توفر جميعها 1298 غرفة فندقية جميعها لبت احتياجات السياح، وساهمت الجهات والمؤسسات الحكومية والخاصة في إنجاح فعاليات "كرنفال بدية" مثل المديرية العامة للثروة الزراعية وموارد المياه، هيئة البيئة، ودائرة التراث والسياحة، إضافة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال.
ونظم الكرنفال من قبل نادي بدية لسباقات السيارات والجمعية العُمانية للسيارات بإشراف مكتب محافظ شمال الشرقية وبشراكة مع مؤسسات من القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، ليصبح حدثا يُعزز مكانة ولاية بدية كوجهة سياحية ورياضية متميزة في فصل الشتاء ورافدًا مهمًا للحراك الاقتصادي في المحافظة.
شتوية الوادي
وفي خطة لتنوع أماكن إقامة الفعاليات الشتوية بمحافظة شمال الشرقية، جاءت فعاليات مهرجان دماء والطائيين بنسخته الأولى ويحمل اسم "شتوية الوادي" ليؤكد على ضرورة استغلال ولايات شمال الشرقية في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والحراك السياحي في الموسم الشتوي، حيث لاقى المهرجان إقبالا كبيرا من الزوار والسياح ونال استحسان الحضور والجمهور، وهذا ما عكس نجاح التنظيم، وتنوع البرامج، وقدرة المهرجان على الجمع بين المقومات السياحية والطبيعية والموروث الثقافي والأنشطة الترفيهية الحديثة. كما قدم المهرجان برنامجا متكاملا يستثمر ما تزخر به الولاية من أودية فسيحة ومواقع طبيعية، وحصون تاريخية، ومزارع نخيل؛ حيث تحولت مواقع الفعاليات إلى فضاءات مفتوحة تعيش فيها الأسر والزوار تجربة سياحية متكاملة تتجاوز الإطار التقليدي للمهرجانات الموسمية.
وكان في المهرجان استغلال كبير لطبيعة ولاية دماء والطائيين لإقامة فقرات متنوعة مثل مسارات المشي في الأودية والمرتفعات الجبلية واكتشاف الكهوف وعروض الطيران الشراعي التي أضفت مشاهد بصرية لافتة على سماء الوادي إلى جانب الفعاليات الرياضية والمسابقات المجتمعية الموجهة لمختلف الفئات العمرية. وعززت فعاليات " شتوية الوادي" الجانب الاقتصادي من خلال مشاركة الأسر المنتجة والحرفيين ودورهم في تنشيط الحركة التجارية المصاحبة للمهرجان من خلال عرض منتجات محلية ومشغولات حرفية وأكلات شعبية بما يعزز مفهوم السياحة المجتمعية، ويدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وأتى الهدف الأسمى من مهرجان دماء والطائيين ضمن الجهود الرامية إلى تنشيط السياحة الداخلية، وتعزيز حضور الولايات العُمانية كمقاصد سياحية جاذبة عبر فعاليات نوعية تبرز الخصوصية الثقافية والطبيعية، وتسهم في تحقيق حراك اقتصادي واجتماعي مستدام.
سناو مقصدنا
ولفعاليات "سناو مقصدنا" أثر واضح وصدى واسع في تعزيز السياحة والاقتصاد، فقد جمع المهرجان بين التراث والثقافة والفنون. حيث أصبح مهرجان "سناو مقصدنا" وجهة جذبت محبي الأصالة والتراث ومحبي الفعاليات الترفيهية والتعليمية بتعزيزه الهُوية الثقافية العُمانية، وامتزجت فيه الفعاليات التراثية والثقافية والفنية التي لاقت إقبالا واسعا من الزوار والمشاركين. وتنوعت فعاليات المهرجان في أكثر من مجال وشملت سباق الفطامين في ميدان الأبيض وهي إحدى الفعاليات التي استقطبت اهتمامًا كبيرًا ومشاركة واسعة من ملاك الإبل ومحبي رياضة الهجن.
وحول ذلك قال سعادة الشيخ خالد بن السيد المهري، والي سناو: “سباقات الهجن جزء أصيل من التراث العُماني، ونحن سعداء بمكانة ميدان الأبيض كأحد المحافل المهمة لهذه الرياضة، التنظيم الجيد والمشاركة الواسعة، يؤكدان على مدى حرص المجتمع على صون هذا الإرث الحضاري، كما جاءت الندوة العلمية حول تنمية الثروة الحيوانية وذلك في إطار اهتمام المهرجان بالجانب العلمي، حيث استعرضت أوراق بحثية متخصصة تناولت أحدث الممارسات العلمية لتحسين السلالات وتطوير طرق تغذية الماشية".
وفي الجانب الأدبي، كانت هناك أمسية شعرية جمعت بين التراث والإبداع الأدبي حضرها جمهور كبير من عشاق الكلمة الراقية والشعر والأدب، بمشاركة نخبة من الشعراء العُمانيين البارزين الذين أبدعوا في إلقاء قصائدهم وسط تفاعل كبير من الحضور. ومن أبرز المشاركين في الأمسية الشعراء: حمود بن وهقة ومصبح الكعبي وكامل البطحري.
وعلى الجانب الفني، أقيمت أمسية إنشادية تبعث الروح وتبهر الحضور والمستمعين. وقد شهدت الأمسية تفاعلًا واسعًا من الجمهور الذي انسجم مع الأجواء الروحانية والإبداع الإنشادي، كما تضمن مهرجان "سناو مقصدنا" منصة لإحياء التراث وتعزيز السياحة الثقافية التي أوضح عنها مهنا بن محمد الفزاري، نائب رئيس المجلس البلدي بمحافظة شمال الشرقية ورئيس اللجنة المنظمة للمهرجان أن مهرجان "سناو مقصدنا" جاء ليجسد رؤية المحافظة في توظيف التراث لتعزيز التنمية السياحية والثقافية في ولايات المحافظة.
وحجم الإقبال الكبير يدل على نجاح جهود التنظيم، ونعمل على أن يكون المهرجان منصة مستدامة تحتضن إبداعات أبناء المحافظة وتلبي تطلعات مختلف فئات المجتمع".
وفي ختام المهرجان أكدّ سعادة الشيخ خالد بن السيد المهري والي سناو أن مهرجان "سناو مقصدنا " وفعالية "سيف المحافظة للهجن" يمثلان رافدا مهما في دعم الاقتصاد المحلي وتنشيط الحركة السياحية والحرص على تعزيز المحافظة على الموروث الثقافي العُماني، مشيرا إلى أن هذه الفعاليات أسهمت في دعم ملاك الهجن ومربي الثروة الحيوانية ووفرت فرصاً اقتصادية للأسر المنتجة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كما أكد مهنا بن محمد الفزاري نائب رئيس المجلس البلدي رئيس اللجنة الاقتصادية المشتركة أن المهرجان حقق أهدافه الاقتصادية والسياحية والترفيهية وشهد حضوراً كبيراً من المواطنين والزوار وأسهم في تحريك النشاط التجاري بالولاية مشيدا بتكامل الجهود بين الجهات الحكومية والخاصة في تنظيم هذه الفعاليات.
ماراثون عُمان الصحراوي
واحتضنت ولاية بدية ماراثون عُمان الصحراوي وسط أجواء مليئة بالتنافس والإثارة والتشويق والحماس، واستقطب هذا السباق عدداً كبيراً من الرياضيين من مختلف الفئات العمرية، وأتاح للمتسابقين والمشاركين فرصة الاستمتاع بالمناظر الطبيعية في صحراء سلطنة عُمان خلال مسار السباق عبر الكثبان التي تحيط بالواحات الصحراوية الجميلة والتلال الرملية الشاهقة، موفرًا للعدائين والراكضين تجربة صحراوية متكاملة من خلال محطات متنوعة وفريدة تتميز بجمال الحياة البرية ومشاهد غروب وشروق الشمس الآسر في الرمال الذهبية لولاية بدية، مما يمثل تجربة سياحية ورياضية متكاملة.
ويشكل "ماراثون عُمان الصحراوي" أهمية بالغة لسلطنة عُمان ولمحافظة شمال الشرقية على وجه الخصوص، حيث ساهم في التعريف بالتراث العُماني العريق، والترويج للسياحة المحلية باعتبار أن محافظة شمال الشرقية تزخر بالعديد من المقومات السياحية المتنوعة بين الأودية والرمال الذهبية والجبال العالية في مختلف ولاياتها، وكان لوزارة التراث والسياحة دور في استقطاب الزوار والمشاركين من داخل سلطنة عُمان وخارجها واستغلال الميزة النسبية لولاية بدية.
وبهذا فإن محافظة شمال الشرقية ما زالت تواصل فعالياتها الشتوية في مختلف الولايات حتى أبريل القادم، لتعمل على ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية واقتصادية واعدة مستثمرةً بذلك مقوماتها الطبيعية وتنوعها الجغرافي، بما يسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتنشيط السياحة الداخلية لجذب الاستثمارات والتنمية المستدامة
وتحقيق رؤى وأهداف "رؤية عُمان 2040".