لا يغادرُ السائحُ سلطنة عُمان كما دخلها أول مرة، وفي كل خطوة يخطوها ينتابه شعورٌ بالألفة، وهو يعبرُ بين الحارات وطرقاتها التي تفوح برائحة اللبان.


في عُمان يكتشف الزوار أن السياحة ليست مجرد جولة في مكانٍ جميل، أو صور تذكارية وحقائب محمّلة بالهدايا، بل هي لقاءٌ دافئ مع ناسٍ جعلوا من الترحيبِ لغةً يومية، ومن الكرمِ طبعًا يمارسونهُ بعفويةٍ دون تكلّف. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الدهشة الحقيقية؛ فالهوية العُمانية لا تُحكى بل تُعاش، وتُلمس في طيبة الوجوه، وفي السكينة التي تجعل الغريب يشعرُ منذ لحظته الأولى أنه في بيته وبين أهله.
وفي محافظاتنا تتحول الجغرافيا إلى وطنٍ يحتضن كل غريب، وفي الاستقبال حفاوة تسبقُ الكلمات، يندهش الزوار بالعُماني الذي ظل متمسكًا بجذوره وفيًّا لهويته أمام زحف الحداثة، ليجدوا في فنجان القهوة والابتسامة العفوية التسامح والاحتواء.
عينٌ ترصدُ دهشة السائح
بحكم عملها وقربها المباشر من الزوار، تلمس الأخصائية في مجال السياحة المتحفية هيام القصابي لحظات انبهار السائح بثراء وتنوع الثقافة العُمانية. تروي هيام كيف يقف السائح مدهوشًا أمام تفاصيل نعدُّها نحن عادية، فتقول: "كثيرًا ما يندهش السياح من فكرة أنَّ القهوة والتمر يُقدّمان كضيافة بدون مقابل".
وتستذكر هيام قصصًا تكررت أمامها لسياحٍ يخبروها عن الكرم العُماني، وكيف أن البعض ضلوا طريقهم فانتهى بهم الأمر في بيوت عُمانية لا يعرفونها، ليخرجوا منها محمّلين بالتمر والكثير من الخيرات.
بين هيبة الجبل والكرم العُماني
ومن عمق المحافظات، حيث تعانق قمم الجبال السحاب، لم تكن رحلة الفلسطينية إيمان الجرجاي، الأم التي غادرت ضجيج الحياة لتصغي لصمت الجبل، مجرد سفرة عابرة، بل كانت رحلةَ استكشاف، بدأت بفضول وانتهت بانبهار في تفاصيل السلطنة.
تروي إيمان دهشتها الأولى التي لم تكن تتوقعها: "أتيتُ أظن الجبال صخورًا صمّاء، فإذا بي أكتشفُ أن للأرض لغةً لا يدركها إلا المتأملون؛ للجبل في سلطنة عُمان صوتٌ، ورائحة، وروحٌ تحاكي القادمين إليها، حقول ومسارات سرحت بي في ملكوت الرحمن، وجعلتني أستوعبُ معنى أن يكون الجمال حقيقيًا لدرجة الذهول".
لكنّ الدهشة الأكبر التي سكنت ذاكرة إيمان لم تأتِ من الطبيعة وحدها، بل من العُماني الذي يسكن تلك المرتفعات. تتوقف إيمان طويلًا عند مشاهد الكرم التي وصفتها باللوحة الإنسانية النادرة: "الكرم العُماني ليس غريبًا، لكن الحفاوة التي لمستها في القرى والحارات كانت تفوق الوصف؛ كأننا أهل الدار ولسنا ضيوف عابرين. لم يغب التمر والماء والعسل وماء الورد عن كل زاوية".
وتضيف: "أبهرتني عفوية الأطفال الذين يركضون نحونا بقطع التمر وجرعات الماء، بابتسامةٍ صادقة لا تجدها في أي بقعةٍ أخرى من العالم".
تختم إيمان تجربتها السياحية في التعرف على عظمة الشعب العُماني، ليس في كرمه فقط، بل في عبقريته الهندسية التي حفرت الأفلاج في قلب الصخر وظل شامخًا. تقول ختامًا: "سلطنة عُمان هي الجائزة؛ جمعتني بأصدقاءٍ صاروا أقرب من الأهل؛ لقد جئتُ لأكتشف الجبال، فاكتشفتُ قلوبًا نقية، تفتحُ لك ذراعيها قبل أبوابها".
الانتماء لقلب عُمان
بين حوراء الموسوي القادمة من الكويت، وسهول السلطنة وجبالها، حكايةُ عشقٍ قديمة لا تزيدها الأيام إلا رسوخًا؛ فهي الزائرة التي لا ترى عُمان مجرد وجهة سياحية، بل "أقرب الأماكن إلى قلبها". حوراء التي اعتادت تكرار الزيارة، وجدت في تفاصيل المحافظات العُمانية في رحلتها الأخيرة نوعًا مختلفًا من الدهشة؛ دهشةً تكمن في البساطة، وجمالًا يكمن في العفوية التي تلامسُ الوجدان.
تقول حوراء: "أزورُ عُمان كثيرًا، وفي كل مرة يغلبني سحرُ الطبيعة وبساطة الشعب؛ لكن التجربة الأخيرة جعلتني أدرك حقيقة عظمة التنوع الجغرافي حين يلتقي البحر بالجبل، والوادي بالسهل، والتراث بحداثة الحاضر".
لم تعد حوراء من رحلتها بذكريات عابرة، بل عادت بمفهومٍ جديد عن البيت الذي لا تغادره رغم عبورها الحدود؛ فهي ابنة الكويت التي لم تشعر يومًا بالغربة في عُمان، بل باحتواءٍ أحسته في بشاشة الوجوه وطيب المعشر. تروي الموسوي بامتنانٍ عن التفاصيل الإنسانية التي سبقت جمال المناظر: "ما زادني حبًا لعُمان هو ذلك التعامل الراقي الذي لا يعرف الكلل؛ لقد شعرتُ أنني في بيتي وبين أهلي، فحسنُ الاستقبال والبشاشة صفتان أصيلتان تجعلانك تذوب في تفاصيل عُمان".
وتضيف: "لقد عُدتُ إلى الكويت بحصيلةٍ غنية من الصداقات، وبإيمانٍ مطلق بأنَّ السلطنة بلدٌ لا يكتفي بإبهارك بجمال تنوعها الطبيعي وعمق تراثها وثقافتها وتاريخها وإرثها القديم، بل يأسرك بنبلِ أهلها وحسن استقبالهم وضيافتهم، يجعلونك تشعرُ أنك لم تغادر وطنك أبدًا".
تختتم حوراء رؤيتها للسياحة في عُمان بأنها تجربةٌ إنسانية متكاملة تتركُ أثرًا وجدانيًا لا يُنسى، وتؤكد بيقين: "الطبيعةُ هنا لا تزال على سجيتها، والشعبُ يمارسُ الكرم والسماحة كطبعٍ فطري". وتكمل بحب: "لقد أعادت عُمان صياغة حساباتي، ومنحتني صفاءً ذهنيًا لم أختبره من قبل؛ فالحبُّ الذي بدأت به رحلتي تضاعف أكثر حين لمستُ السكينة التي تسكنُ هذه الأرض الأصيلة، وهي سكينة تجعلُ العودة إليها وعدًا لا يمكنني التخلي عنه".
هدوء المكان وسماحة العُماني
لم يكن انطباع المقيمة المصرية نسمة أحمد أمين عن عُمان في بدايته سوى تساؤلٍ عن سر هذا الهدوء في نزوى التي استقرت فيها. كانت تظن أن السكون قد يخفي خلفه انطوائية الشعب، غير أن الواقع كشف لها وجهًا آخر يفيض بدفء القلوب العُمانية وسماحتها. تروي نسمة عن تجربتها التي تحولت من استكشاف بلدٍ إلى استكشاف الكرم النادر، قائلة: "اكتشفت شعبًا يتمتع بأخلاقٍ تفوق الوصف؛ طيبةً واحترامًا وودًّا يجعلونك تشعرُ بأنك واحدٌ منهم، يفتحون لك قلوبهم".
أكثر ما أدهش نسمة وجعلها تعيد صياغة مفهوم التعايش والتسامح الذي يسود تعاملات العُمانيين اليومية، وحتى في لحظات الخلاف؛ فتستذكر بذهول مشهدًا لا يُنسى لتعاملٍ هادئٍ بين طرفين في حادث سير، نزل الطرفان بوجوهٍ بشوشة وحديث غابت عنه نبرات الغضب وحضرت فيه عبارة: "الأمور طيبة"، الحدث الذي لخّص لها ثقافة الهدوء والوئام. وتقول: "العيشُ هنا يخلقُ في داخلك هدوءًا نفسيًا وراحة بالٍ غريبة، لا تدري أسببها إيقاع الحياة الهادئ أم سماحة أخلاق الناس؛ لكنني واثقةٌ تمامًا بأنني عاشرتُ أطيب شعوب الأرض في بلدٍ يمنحك الأمان".
ترى نسمة في عُمان نموذجًا يجمع بين الأصالة والحداثة؛ حيث لم يسرق التطور هوية البيوت ولا ملامح الزي التقليدي، بل ظل العُماني محافظًا على تراثه وثقافته. وتختم تجربتها برسالةٍ لكل زائر يبحث عن الجمال الحقيقي فتقول: "السلطنة ساحرة تملكُ تنوعًا جغرافيًا نادرًا". وتضيف: "تجربة العيش والاستقرار هنا تجعل الرحيل عنها أمرًا صعبًا على القلب".
عدسة بواجب وطني
رياض الهنائي صانع محتوى أثبت حضوره في توثيق تفاصيل المحافظات العُمانية والترويج للسياحة على مدار سنوات. لم يكن مجرد توثيقٍ عابر، بل كان انغماسًا كاملًا في التجربة، يراها كمهمة وطنية أعادت صياغة علاقته وانتمائه للجغرافيا العُمانية البكر، وتشكيل هويته كموثق ينقل بصدق سجية العُماني وكرمه وسماحته للعابرين.
يرى الهنائي في عدسته أمانةً تتجاوز مجرد التقاط صورٍ صامتة، بل يصنع المشاهد قصصًا حيّة (فيديو) تمتلئ بالتفاصيل، ليتحول إلى رحّالةٍ يطوفُ المسافات البعيدة، باحثًا عمّا لا يراه السائح العادي، موثقًا أسرار الجمال في عمق القرى العتيقة والبيوت القديمة. يقول الهنائي باعتزاز: "ما أرصدهُ ليس مجرد مناظر بكر، بل هي حكايات تعكس الهوية والثقافة العُمانية الأصيلة التي تستحق أن تُروى للعالم بكل أصالتها".
يوضح الهنائي أنه يجد نفسه في توثيق كل ما له علاقة بالترويج السياحي، ونقل الأحداث والفعاليات الثقافية والتراثية أو حتى الرياضية. وعن ضريبة هذا الشغف، ورغم العناء الجسدي؛ فقد يقضي ساعاتٍ طوالًا قد تمتد لتصل إلى 18 ساعة متواصلة من القيادة والتصوير والمونتاج الفوري، ليكون عينًا للمشاهد وينقل الحدث ليعيشه وكأنه في عمق التجربة.
لقد قادته الكاميرا إلى مناطق لم يطأها من قبل، ليؤمن بأن دور صانع المحتوى هو القوة الناعمة للترويج للسياحة العُمانية كوجهة عالمية، قائلًا: "من واجبنا كمؤثرين أن نسخر أدواتنا للترويج لهذه المقومات الفريدة". ويضيف: "التوثيق الحيّ هو الجسر والبوابة التي نفتحها لاستقطاب الزوار والسواح المغامرين من مختلف دول العالم ليعرفوا عظمة عُمان وليكتشفوا عمق التاريخ والتنوع الثقافي الذي نعتز به".
وعن اللحظات التي حُفرت في الذاكرة، يتحدث رياض بتأثرٍ بالغ عن المشاهد التي يراها خلف العدسة، حيث تتجلى معاني الكرم والضيافة. يروي بتأثر: "أرى في الكثير من القرى التي مررتُ عليها مشهدًا يفوق الوصف؛ بيوتًا يخرجُ أهلها الماء وقهوتهم وفاكهتهم، يضعون الضيافة للعابرين السواح بفطرةِ الجود، بينما تملأُ أصواتُ الأطفال الأرجاء ترحيبًا بالزائر ودعوته بعفوية للدخول إلى بيوتهم، فينمُّ عن ثقافةِ ترحابٍ متجذرة لا يغيرها زمن". ويكمل: "إننا لا نوثق مكانًا فحسب، بل نوثقُ أرواحًا تجعل من عُمان وطنًا لكل من يمرُّ بها، نوثق دهشة السائح بجمال الثقافة والكرم العُماني".
ومن شغف التوثيق وواجب الوطن، لم يكتفِ رياض الهنائي بجمع آلاف المقاطع ونشرها وتوثيقها بهدف الترويج لعُمان، بل يرى بأن صناعة المحتوى أمانة لخدمة الوطن؛ فنحن لا نروّج لوجهة سياحية بتضاريس مختلفة، بل نروّج لقيم وأخلاق يعيشها السائح والزائر والمقيم. أرضٌ تفيض بقيم السلام، وشعب كريم يُشعر الغريب بأنه بين أهله.