يقف المسرح في محافظة مسندم بوصفه فنًا ظل طويلًا يحاول أن يجد موطئ قدم له، بين شح الإمكانات وغياب البنية المؤسسية، وحضور شغوف لشباب آمنوا بالمسرح بوصفه أداة للتعبير ومساحة لطرح القضايا المحلية بوعي فني وإنساني.

**media[3280403]**


لا يمكن قراءة الحراك المسرحي بمعزل عن خصوصية المكان؛ فالمحافظة التي تتميز بتعدد بيئاتها الجغرافية بين الجبل والبحر والمدينة، تحمل في داخلها تنوعًا اجتماعيًا وثقافيًا انعكس على النصوص والموضوعات، وحتى على طبيعة التلقي الجماهيري. غير أن هذا الحراك ظل متقطعًا وموسميًا في كثير من الأحيان، تحركه المبادرات الفردية أكثر مما تسنده منظومة ثقافية متكاملة.
في هذا الحوار، نقترب من واقع المسرح في محافظة مسندم مع الكاتب والممثل والمخرج المسرحي نجم بن عبد الله الشحي، أحد الأسماء التي ارتبطت بالتجربة المسرحية في المحافظة منذ أواخر التسعينيات، ليحكي من خلاله واقع التجربة المسرحية في المحافظة.
التجربة المسرحية
عن وصفه لواقع الحراك المسرحي في محافظة مسندم اليوم، يرى نجم الشحي أن المشهد المسرحي يعيش محاولات إنعاش بعد فترة طويلة من التوقف، حيث يقول: "إن الحراك المسرحي في محافظة مسندم في الوقت الراهن يعيش محاولات لإنعاش الحركة المسرحية بعد فترة التوقف التي طالت؛ نظرًا لشح الأعمال المسرحية المقدمة من قبل الفرق المسرحية المحلية، والتي تأتي أحيانًا من خلال استضافة العديد من العروض المسرحية لفرق من خارج المحافظة، سواء كانت فرقًا من داخل سلطنة عمان أو من خارجها، والتي تُقام أحيانًا ضمن فعاليات 'الشتاء مسندم'. وبالتالي، هي محاولات لإعادة الروح للحركة المسرحية في المحافظة في الوقت الحالي".
وعند الحديث عن ملامح التجربة المسرحية في مسندم، يشير الشحي إلى عنصر أساسي شكّل هوية هذا المسرح، يتمثل في اللهجة المحلية والبيئة الخاصة بالمحافظة، مؤكدًا أن هذه الخصوصية كانت وسيلة للتواصل مع الجمهور، لا حاجزًا أمامه، حيث يضيف: "لعل من أبرز ملامح التجربة المسرحية في مسندم التي تميزها عن بقية محافظات سلطنة عمان هو اعتماد الفرق المسرحية التي تقدم عروضها في المحافظة بشكل كبير على اللهجة المحلية، وهي اللهجة الشحية التي تتميز بها محافظة مسندم دون غيرها من محافظات سلطنة عمان، ويأتي ذلك بهدف محاولة إيصال الرسائل بشكل أسهل وأقرب إلى الجمهور المتلقي من داخل المحافظة، وأيضًا لنقل اللهجة الشحية إلى خارج المحافظة للجمهور الذي يحضر هذه العروض، سواء كان من السائحين الزائرين أو المقيمين في المحافظة، ليعايشوا هذه اللهجة ويتعرفوا عليها، بالإضافة إلى التطرق لأبرز القضايا الخاصة بالمحافظة وتنوع بيئاتها، سواء البيئة الجبلية أو الحضرية أو البحرية."
وحول تأثير الجغرافيا والخصوصية الاجتماعية على النصوص المسرحية، يؤكد الشحي أن هذا التأثير كان واضحًا، لكنه لم يعزل المسرح في مسندم عن السياق الوطني العام، حيث يقول: "أثرت خصوصية المحافظة جغرافيًا وحتى اجتماعيًا، أو حتى من جانب اللهجة الخاصة بأبناء المحافظة، بشكل كبير في نوعية النصوص وطبيعة الأعمال المقدمة، لكنها لا تنسلخ عن عموم النسيج الاجتماعي لسلطنة عمان".
ترسيخ حضور الفرق المسرحية
على الرغم من غنى وعمق التجربة المسرحية التي تميز محافظة مسندم، فإن هذا الحراك لم يجد ما يوازيه على مستوى التنظيم المؤسسي؛ إذ يكشف نجم الشحي عن واقع يعاني من غياب الفرق المسرحية الأهلية، ما يضعف الاستمرارية ويجعل التجارب المسرحية رهينة الجهود الفردية والمبادرات الشخصية. ويقول الشحي: "من المؤسف حقًا أن نعلم بأن محافظة مسندم لا تضم أي فرق أهلية مسرحية منظمة، وإنما تعتمد على محاولات فردية لبعض الشباب المحبين للمسرح لتقديم أعمال مختلفة، بروح من الشغف والإبداع الشخصي، وعلى الرغم من أن فرقة مسرح الشباب بمحافظة مسندم مثلت سلطنة عمان في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 2004، فإن كل الجهود التي سعت لتشكيل فرقة أهلية كنواة أولى في ولاية خصب، بهدف أن تصبح نموذجًا محفزًا لبقية ولايات المحافظة لتكوين فرق مسرحية مشابهة، لم تُكلل بالنجاح، مما يعكس فجوة كبيرة بين الطموح والإمكانات المؤسسية المتاحة".
ويمتد هذا الفراغ إلى جانب الدعم المؤسسي والمجتمعي، الذي يصفه الشحي بأنه شبه غائب، مما ينعكس بشكل مباشر على حجم الإنتاج المسرحي في المحافظة. ويقول: "لا يحظى المسرح في مسندم بأي دعم يُذكر، سواء من الجهات المعنية أو من المجتمع المحلي، وهو ما يضع محبي المسرح في المحافظة في حالة إحباط ويجعلهم يفتقدون الحافز للمبادرة، سواء كتاب النصوص المسرحية أو الممثلين والمخرجين. ولهذا السبب، لم يتجاوز الإنتاج المسرحي في المحافظة خلال السنوات العشر الماضية عملًا أو عملين فقط، ما يعكس التحديات الكبيرة التي تواجه الحركة المسرحية ويؤكد الحاجة الماسة إلى دعم مؤسسي ومنهجي يضمن استدامتها وتطويرها".
التحديات
وفيما يتعلق بالتحديات، يوضح نجم الشحي قائلاً: "هناك العديد من التحديات التي تواجه المسرح في محافظة مسندم، منها ما يرتبط بالجانب الإداري والفني، وكذلك بالجانب المادي، وصولًا إلى البنية الأساسية، إضافة إلى ضعف واضح في جانب التدريب الذي يكاد يكون معدومًا، ولم يظهر إلا من خلال جهود بذلتها الجمعية العمانية للمسرح عبر تقديم دورة لإعداد الممثل والمسرح بشكل عام".
ويضيف الشحي: "غياب الجهة التي ترعى المسرحيين في المحافظة يؤدي إلى تشتت المواهب والطاقات الإبداعية المسرحية، فضلاً عن افتقار المحافظة لمخرج أكاديمي متمكن يشرف على المسرحيات، ما ينعكس سلبًا على تقديم أعمال مسرحية مميزة تنافس نظيراتها في محافظات سلطنة عمان الأخرى، وتمكّن أبناء المحافظة من النهوض بالفن المسرحي، كما أن غياب الجهات التي تنتج وترعى الأعمال المسرحية يجعل مسيرة الحركة المسرحية أكثر تعقيدًا وصعوبة، ويحد من إمكانيتها على الصعيدين الفني والتنظيمي".
المسرح فن ثقافي تنويري
ورغم هذا الواقع، يشير الشحي إلى مفارقة لافتة تتعلق بالجمهور المسرحي، الذي يظهر تعطشًا واضحًا عند توفر العروض: "ما شهدناه من حضور جماهيري كبير للأعمال المسرحية التي تم تقديمها في مهرجان "الشتاء مسندم" في دورتين متتاليتين عبر استضافة أعمال مسرحية من خارج المحافظة جعل الصورة واضحة وجلية حول مدى تعطش الجمهور في المحافظة لحضور ومشاهدة الأعمال المسرحية المختلفة، بالإضافة إلى ما نراه من تجاوب وتفاعل وآراء ناقدة من قبل الجمهور مع ما يقدم من أعمال، يعطي مؤشرًا واضحًا عن مدى وعيهم بما يُعرض لهم".
وعن قدرة المسرح في محافظة مسندم على التعبير عن قضايا المجتمع المحلي، يؤكد نجم الشحي أن التجارب السابقة نجحت في ذلك حين أُتيحت لها الفرصة، حيث يقول: "من خلال التجارب المسرحية السابقة خلال الأعوام الماضية، نجح المسرح في محافظة مسندم في طرح العديد من القضايا التي تهم المواطن والمقيم على حد سواء، وناقش الكثير من التحديات الموجودة في المحافظة، كما تطرق إلى العديد من الإنجازات التي تحققت على أرض المحافظة. وبالتالي، أدى المسرح رسالة قيّمة ولامس هموم المواطن وتلمس احتياجاته وقدمها في قوالب مسرحية مختلفة من الكوميديا والتراجيديا والدراما".
تأهيل الكوادر المسرحية
وفيما يخص تأهيل الكوادر الشابة، لا يخفي الشحي خيبة أمله من محدودية المحاولات السابقة، بالقول: "المحاولات التي سبقت في الأعوام الماضية كانت خجولة وعلى استحياء، من خلال تنظيم بعض الدورات التدريبية المقرونة ببعض العروض والاسكتشات المسرحية البسيطة، تلك الدورات التي لم تكن تتجاوز اليومين أو الثلاثة، ولم تكن ذات جدوى كبيرة لتحقق نجاحًا في صناعة ممثلين ومخرجين وكتاب في المحافظة بالشكل الذي يلبي الطموحات ويقدم لنا حلولًا مستقبلية في مجال المسرح".
أما عن دور المهرجانات والفعاليات الثقافية في تحريك المشهد المسرحي بالمحافظة، فيرى الشحي أنه كان حاضرًا ثم غاب، ما أفقد المسرح في مسندم فرص الاحتكاك والتطوير، ويضيف: "كانت هناك مشاركات في السابق لمسرح الشباب بمسندم في مهرجانات مسرح الشباب التي كانت تقام في العاصمة مسقط، ولكن مع توقف هذا المهرجان، لم تعد هناك مشاركات تذكر للفرق المسرحية بالمحافظة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي. حيث سبق أن شاركت فرقة مسرح الشباب بمسندم في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ولكن بعدها لم تعد هناك أي مشاركات في أي مهرجان حتى هذا اليوم".
مستقبل الحراك المسرحي
وحول مستقبل الحراك المسرحي في محافظة مسندم، يرى نجم الشحي أن الطريق أمام المسرح لا يزال محفوفًا بالتحديات، قائلاً: "بالنظر إلى غياب الجهات الراعية والداعمة للحركة المسرحية في المحافظة، سواء على مستوى الأندية أو الجهات الرسمية والأهلية، يبدو مستقبل المسرح العماني في مسندم غير واضح المعالم، على الرغم من وجود جيل من الشباب العاشقين للمسرح، المفعم بالحماس والرغبة في مواصلة مسيرتهم الفنية والإبداعية".
ويضيف الشحي: "الصورة المستقبلية قد لا تبدو متفائلة كثيرًا في الوقت الراهن، إلا أن الأمل يظل حاضرًا، وطموحنا أن يحظى الحراك المسرحي والثقافي في المحافظة بمكانة ضمن الخطط التنموية القادمة، خصوصًا في ظل الرعاية والاهتمام الكبيرين الذي يوليهما معالي السيد محافظ مسندم للشباب واهتماماتهم، مما قد يشكّل أرضية خصبة لدعم المبادرات المسرحية، وإطلاق برامج تأهيلية وورش فنية تُمكّن المواهب الشابة من التعبير عن طاقاتها، وتحويل شغفها إلى إبداع ملموس يُثري المشهد الثقافي في المحافظة".
ويختتم الشحي حديثه برسالة واضحة ومباشرة للجهات المعنية، يضع من خلالها خارطة طريق أولية للنهوض بالمسرح في محافظة مسندم، قائلاً: "أتمنى أن تحظى الحركة المسرحية والفنية في المحافظة باهتمام أكبر من الجهات الرسمية والأهلية، وأن نرى مخرجين أكاديميين متخصصين يساهمون في تطوير المسرح المحلي، وتأهيل مجموعة من الممثلين والكتاب الطموحين، وتنظيم المزيد من حلقات العمل والدورات التدريبية المتخصصة لإعداد الممثل والكاتب، سواء داخل سلطنة عمان أو خارجها. كما نأمل أن يكون للقطاع الأهلي والخاص بصمة واضحة ودعم فعّال للحركة المسرحية في مسندم، بما يسهم في تحويل الشغف الفردي إلى منظومة متكاملة تعزز الإبداع وتبني قاعدة مستدامة للفن المسرحي في المحافظة".