كعادته دائمًا، جاء خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الشهر الماضي مزيجًا مترهلًا من الادعاءات والاستطرادات غير المترابطة، والأخطاء اللفظية. ومع ذلك، فقد تضمن خبرًا إيجابيًا واحدًا؛ فبعد أسابيع من التهديد بالاستيلاء على جرينلاند، بالقوة إذا اقتضى الأمر، بدا وكأنه تراجع عن ذلك.

ومن خلال موافقته على ما سماه «إطارًا لاتفاق مستقبلي» قال إنه سيمنح الولايات المتحدة «وصولًا كاملًا» إلى جرينلاند ـ وهو وصول تتمتع به فعليًا بالفعل ـ بدا ترامب، ولو لوهلة، وكأنه يقبل بمبدأ مفاده أن دولة ذات سيادة لا ينبغي أن تغزو أراضي دولة أخرى.

وبالنسبة لشخص سبق أن وصف غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا بأنه «عبقري»، فإن ذلك يوحي بدرجة من التطور، وإن كانت ناجمة بدرجة أقل عن مراجعة ذاتية، وبدرجة أكبر عن استعراض لافت للحزم من جانب القادة الأوروبيين.

ومع ذلك، فإن هذه البراجماتية المستجدة لم تُترجم إلى أي احترام للدنمارك، التي تحتفظ بالسيادة على جرينلاند.

فعلى الرغم من كونها حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة، ظلت الدنمارك منذ زمن هدفًا متكررًا لاستهزاء ترامب. وفي دافوس، زعم أن الولايات المتحدة «لم تحصل قط على أي شيء» من الدنمارك مقابل تحريرها من الاحتلال النازي عام 1945.

تقوم نسخة ترامب من التاريخ على محو انتقائي للدور الحيوي الذي لعبته دول وقادة آخرون، لا سيما ونستون تشرشل والقوات المسلحة البريطانية. ولو كان ترامب موجودًا آنذاك، لما شكّ أحد في أنه كان سيتبع سلفه من دعاة «أمريكا أولًا»، تشارلز ليندبرج، في معارضة دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية.

ولا شك أن العديد من الأمريكيين لقوا حتفهم ببطولة خلال تلك الحرب، ولا يمكن لأي شيء أن ينتقص من شجاعتهم أو من القيادة الاستراتيجية لقائد قوات الحلفاء الأعلى، دوايت د. أيزنهاور. ولكن زعم ترامب بأن الدنمارك لم تقدّم أي شيء لحلف الناتو هو ببساطة ادعاء خاطئ، لا سيما لأنه يتجاهل التضحيات غير المتناسبة التي قدمتها القوات الدنماركية في أفغانستان بعد تفعيل الحلف المادة الخامسة ردًا على الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001.

ولم تكن الدنمارك الهدف الوحيد لجهل ترامب وأكاذيبه في دافوس؛ إذ ادّعى أيضًا، زورًا، أن القوات البريطانية بقيت «بعيدة عن خطوط المواجهة» في أفغانستان. والحقيقة أن 457 فردًا من القوات المسلحة البريطانية قُتلوا هناك، فيما أُصيب المئات بجروح خطيرة

هل سيقدم أي مسؤول أمريكي اعتذارًا لعائلات الجنود البريطانيين الذين سقطوا في الحرب؟ من غير المرجح أن تعترف السفارة الأمريكية في لندن حتى برسائل الشكوى، ناهيك بتقديم اعتذار.

لقد ولّت الأيام التي كان يخدم فيها لندن سفراء مثل كينغمان بروستر ورايموند سايتس، وكلاهما دبلوماسيان بارزان عملت معهما عن كثب خلال فترة عملي كمفوض أوروبي للشؤون الخارجية. ورغم أن وزارة الخارجية الأمريكية لا تزال تضم العديد من الدبلوماسيين الأكفاء، فإنهم كثيرًا ما يُقوَّضون ويُحرَجون بسبب تصرفات رئيسهم.

وقد أُضفي على ازدراء ترامب لحلفائه التاريخيين مسحة فكرية زائفة على يد نائبه لرئيس ديوان الموظفين، ستيفن ميلر، الذي يعتقد أن القوة والقدرة العسكرية هما وحدهما ما يهم في الشؤون الدولية. ويبدو أن ميلر يتوق للعودة إلى أيام كانت فيها الدول القوية تُخضع الدول الأصغر، وفق المنطق الذي صاغه ثوسيديدس شهيرًا: «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما لا بد لهم من معاناته».

ومع أن ترامب استبعد أي عمل عسكري ضد جرينلاند (وكذلك ضد آيسلندا)، فإن «إطار الصفقة» الذي أعلنه في دافوس ـ والذي يُفترض أنه يهدف إلى تعزيز دفاعات جرينلاند ضد أي عدوان روسي أو صيني محتمل ـ يثير سؤالًا بديهيًا.

فإذا كان ترامب يميل عادةً إلى تنفيذ ما يريده بوتين، خاصة فيما يتعلق بأوكرانيا، فلماذا أصبح فجأة شديد القلق بشأن نوايا روسيا تجاه جرينلاند؟ سجله لا يترك سببًا كبيرًا لأخذ تأكيداته على محمل الجد.

وقد عبّر عن هذا الشك بوضوح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني. ففي خطاب مفصلي ألقاه في دافوس، رفض بحزم نهج ترامب القائم على مبدأ «القوة تصنع الحق»، وفضح القادة الذين اختاروا الاسترضاء على حساب المبدأ. وإدراكًا منه أن أي قدر من التودد لن يشبع حاجة ترامب النهمة للإطراء، دعا كارني الديمقراطيات متوسطة الحجم ـ مثل كندا وأستراليا ودول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ـ إلى العمل معًا للحفاظ على ما تبقى من النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية ومؤسساته الداعمة.

وبذلك قدّم كارني نموذجًا يُحتذى به للآخرين: مواجهة نزعة ترامب التدميرية ليس من خلال الاسترضاء، بل عبر تعميق التعاون في مجالات التجارة والدبلوماسية والدفاع والسياسات الاقتصادية. ومن المشجع أن دولًا مثل فرنسا وألمانيا وأستراليا تبدو مستعدة للسير في هذا الاتجاه.

وينبغي على المملكة المتحدة أن تحذو حذوها عبر إعادة بناء روابطها التجارية والاقتصادية والأمنية مع الاتحاد الأوروبي.

كما ينبغي على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن يركز على أولويتين أساسيتين في السياسة الخارجية. أولًا، يجب على حلفاء أوكرانيا تزويدها بالموارد التي تحتاجها لهزيمة روسيا. وثانيًا، ينبغي لبريطانيا وشركائها تجديد الالتزام بحل الدولتين، الذي يظل المسار الوحيد القابل للحياة لتحقيق سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وضمان الاستقرار في الشرق الأوسط.

ويجب أن تحظى هذه الأجندة بدعم العناصر الأكثر مسؤولية داخل حزب المحافظين. أما البديل فهو السماح لحزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المتطرف بقيادة نايجل فاراج، وحزب «حزبك» اليساري المتطرف بقيادة جيريمي كوربين، بالهيمنة على النقاش العام من خلال مقترحات اقتصادية متهورة وسياسات خارجية موالية لروسيا.

ولا تستطيع المملكة المتحدة، ولا أوروبا، تحمّل أي من هذين الخيارين.

كريس باتن آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ ومفوض سابق للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ومؤلف كتاب يوميات هونغ كونغ (ألين لين، 2022).

خدمة بروجيكت سنديكيت