باريس"وكالات": في ظل تصاعد التوتر مع واشنطن التي تهدد باللجوء إلى القوة، اتخذت إيران اليوم قرارا بفتح مسار تفاوضي حول برنامجها النووي مع الولايات المتحدة، وذلك بعدما أعرب الرئيس دونالد ترامب عن أمله بإمكان التوصل إلى اتفاق.
وكان ترامب قد لوّح باستخدام القوة وأرسل حاملة طائرات إلى الشرق الأوسط، عقب حملة القمع العنيف للاحتجاجات التي بلغت ذروتها في إيران الشهر الماضي.
ويتصاعد التوتر وسط حشد عسكري للبحرية الأمريكية قرب إيران، وذلك في أعقاب المظاهرات المناهضة للحكومة الشهر الماضي، وهي أعنف اضطرابات داخلية في إيران منذ ثورة عام 1979.
ويطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم ينفذ تهديداته بالتدخل خلال التظاهرات، إيران منذئذ بتقديم تنازلات نووية وأرسل أسطولا إلى سواحلها. وقال مؤخرا إن إيران "تتحدث بجدية"، في حين قال علي لاريجاني الأمين العام لمجلس الأمن القومي في إيران عبر منصة إكس إن ترتيبات المفاوضات جارية.
ورغم مواصلة الضغط على طهران، يؤكد ترامب تمسكه بالخيار التفاوضي، فيما شددت إيران بدورها على رغبتها في المسار الدبلوماسي، مع التهديد برد غير محدود على أي اعتداء.
وأعرب الرئيس الأمريكي الأحد عن أمله في التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد أن حذّر المرشد الأعلى علي خامنئي من أن أي هجوم على الجمهورية الإسلامية سيؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية.
وردا على سؤال وجهه له صحفيون حول تحذير خامنئي، أجاب ترامب "بالطبع سيقول ذلك".
وأضاف "نأمل أن نتوصل إلى اتفاق. إذا لم نتوصل إلى اتفاق، فسنكتشف حينها ما إذا كان محقا أم لا".
ونقلت وكالة فارس للأنباء اليوم عن مصدر حكومي قوله إن "الرئيس مسعود بزشكيان أمر ببدء محادثات مع الولايات المتحدة".
وأضافت أن "إيران والولايات المتحدة ستجريان مباحثات حول الملف النووي"، من دون تحديد موعد. وأوردت صحيفتا "إيران" الحكومية اليومية و"شرق" الإصلاحية، الخبر نفسه.
وقالت طهران في وقت سابق اليوم إنها تعمل على وضع آلية وإطار للمفاوضات، على أن يصبحا جاهزين خلال الأيام المقبلة، مع تبادل الرسائل بين الجانبين عبر أطراف إقليمية.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي "نوقشت نقاط عدة، ونحن ندرس ونضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل كل مرحلة من العملية الدبلوماسية التي نأمل في أن نتفق عليها في الأيام المقبلة"، من دون الخوض في مضمون أي مفاوضات.
وذكرت مصادر إيرانية الأسبوع الماضي أن ترامب طالب بثلاثة شروط مسبقة لاستئناف المحادثات، وهي عدم تخصيب اليورانيوم في إيران، وفرض قيود على برنامج طهران للصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها لحلفائها في المنطقة.
ولطالما رفضت إيران هذه الشروط الثلاثة باعتبارها انتهاكات غير مقبولة لسيادتها، لكن مسؤولين إيرانيين قالا إن حكامها من رجال الدين يرون أن برنامج الصواريخ الباليستية، لا تخصيب اليورانيوم، هو العقبة الأكبر. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران تدرس "الأبعاد والجوانب المختلفة للمحادثات"، مضيفا أن "الوقت عامل مهم لإيران لأنها تريد رفع العقوبات الجائرة في أقرب وقت ممكن".
وذكر مسؤول إيراني كبير ودبلوماسي غربي أن المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد يلتقيان في تركيا قريبا.
وقال مسؤول في الحزب الحاكم التركي إن طهران وواشنطن اتفقتا على أن تركز محادثات هذا الأسبوع على الجهود الدبلوماسية، وهو ما قد يؤجل أي هجمات أمريكية محتملة.
وذكر المسؤول الإيراني "الجهود الدبلوماسية مستمرة. تقول إيران إنه من أجل استئناف المحادثات ينبغي عدم وجود شروط مسبقة، وإنها مستعدة لإظهار المرونة بشأن تخصيب اليورانيوم، بما في ذلك تسليم 400 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب، وقبول وقف التخصيب تماما في إطار آلية مشتركة كأحد الحلول".
لكنه أضاف أن إيران تريد ابتعاد الأصول العسكرية الأمريكية عنها من أجل بدء المحادثات.
وتابع "الكرة الآن في ملعب ترامب".
وكان ترامب قد حذر من أن "الوقت ينفد" أمام إيران للتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، الذي تعتقد دول غربية أنه يهدف إلى تطوير سلاح نووي، وهو ما تنفيه طهران.
لكن بقائي أكد أن إيران "لا تقبل أبدا بالإنذارات"، وأنه لا يمكنه تأكيد تلقي رسائل عن تحديد مهلة لطهران.
ودفعت أطراف إقليمية باتجاه الدبلوماسية لخفض التوتر. وأفاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر تلغرام بأنه أجرى اتصالات مع نظرائه المصري والسعودي والتركي، بعد زيارته تركيا الأسبوع الماضي.
وقال عراقجي لشبكة "سي إن إن" الأحد إن "الرئيس ترامب قال لا أسلحة نووية، ونحن نتفق تماما. يمكن أن يكون ذلك اتفاقا جيدا جدا"، مضيفا أن رفع العقوبات هو المقابل الذي تتوقعه طهران.
ورأى بقائي أن التفاف دول الجوار حول حل دبلوماسي يعكس خشيتها من أن يجر أي هجوم أميركي المنطقة إلى نزاع، مكررا تحذير المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي من أن هجوما أميركيا سيشعل "حربا إقليمية".
- استدعاء السفراء -
ووصف خامنئي الاحتجاجات الأخيرة بمحاولة "انقلاب". وتقول السلطات إن التحركات، التي اندلعت احتجاجا على الأوضاع المعيشية واتسعت مطلع يناير لترفع شعارات سياسية مناهضة للسلطة، كانت "أعمال شغب" أججتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأقرت طهران بسقوط آلاف القتلى خلال الاحتجاجات، ونشرت الرئاسة الأحد أسماء 2986 قتيلا من أصل 3117 قالت السلطات إنهم سقطوا في التظاهرات.
وتؤكد السلطات أن معظم الضحايا من عناصر الأمن أو مدنيين، وتنسب أعمال العنف إلى "أعمال إرهابية".
في المقابل، تقول وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) ومقرها في الولايات المتحدة إنها وثقت مقتل 6842 شخصا غالبيتهم من المتظاهرين، وإنها ما زالت تحقق في أكثر من 17 ألف حالة أخرى، مع تحذيرات من أن الحصيلة قد تكون أعلى بكثير.
وأدرج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإيراني على قائمة "المنظمات الإرهابية"، ما دفع البرلمان الإيراني الأحد إلى إدراج الجيوش الأوروبية في القائمة نفسها.
وقال بقائي إن وزارة الخارجية استدعت سفراء دول الاتحاد الأوروبي في طهران على خلفية هذا التصنيف، مضيفا أن اجراءات أخرى ستتخذ لاحقا.
كما أعلن التلفزيون الرسمي توقيف أربعة أجانب في طهران بتهمة "المشاركة في أعمال شغب"، من دون تحديد جنسياتهم. وتشير تقديرات منظمات حقوقية إلى توقيف 40 ألف شخص على الأقل خلال الاحتجاجات.