ترجمة: أحمد شافعي -

لوهلة جعل مارك كارني الأمر يبدو شديد السهولة، فحينما وقف رئيس الوزراء الكندي في دافوس يوم العشرين من يناير، ألقى خطبة كاشفة فكك فيها «وهمًا» ظل راسخًا في النظام الدولي القائم على القواعد منذ عقود، وطرح رؤية لكيفية الإفلات من دونالد ترامب.

مشيرًا إلى مقالة بعنوان «قوة من لا قوة لهم» لفاكلاف هافل المعارض الذي تحول إلى رئيس للتشيك، شبَّه كارني شيوعية العصر السوفييتي بهيمنة النظام الليبرالي اليوم، وهو النظام الذي علم الجميع دائما أنه «زائف جزئيا». فقد علمنا دائما على سبيل المثال أن «الأقوى سوف يحصل على استثناء وقتما يشاء، وأن قواعد التجارة لا تطبَّق تطبيقًا متكافئًا، وعلمنا أن تطبيق القانون الدولي يتم بصرامة متفاوتة بحسب هوية المتهم أو الضحية. وكان هذا الوهم نافعا».

ودونما إشارة إلى ترامب باسمه، تحدث كارني عن «قطيعة» تجري؛ إذ أصبحت الصفقات التي أبرمت يومًا في ظل هيمنة الولايات المتحدة باهظة التكلفة بالنسبة لكندا وغيرها من «القوى المتوسطة» التي تجد نفسها الآن ضحايا للتكامل الاقتصادي العالمي، أي للنظام الذي أسهمت في إقامته. قال «لا يمكنكم العيش بكذبة المنفعة المتبادلة الناجمة عن التكامل حينما يكون التكامل نفسه هو مصدر إخضاعكم».

وبالطبع ليس كارني أول من يقول بمشكلات الباكس أمريكا [Pax Americana] أو بنفاق قادة الغرب. (فلو تكلمت مع أحد في اليسار خلال الأعوام الخمسين الماضية أو نحو ذلك، لسمعت بذور هذه الحجة عنده). لكن في وقت تستعرض فيه الولايات المتحدة عضلاتها العسكرية والاقتصادية، جاء رئيس الوزراء الكندي نقيضًا صارخًا لكثير من الساسة الذين أحجموا عن قول الصدق مؤثرين التودد لترامب أو التزام الصمت خشية أن يثيروا غضبه.

بطريقة ما، كان كراني هو الشخص الملائم لإبلاغ تلك الرسالة وإعلان ذلك التشخيص. هو مصرفي سابق، وغريب على عالم السياسة، وقد اضطر بالفعل من قبل إلى مواجهة الخيارات الصعبة التي يقف أمامها الآن قادة بريطانيا وأوروبا.

فالولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري لكندا، بنصيب من التجارة يقدر بـ62.2% (تليها الصين بـ8%). وأمن كندا أيضا يرتبط ارتباطا وثيقا بالولايات المتحدة، مع اعتماد كبير على كل من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية. فحينما أعلن ترامب رسوما جمركية بنسبة 35% على أوثق حلفائه وهدد سيادتها على أراضيها بتعليقات عن تحولها إلى «الولاية الحادية والخمسين»، لم يكن أمام الكنديين من خيارات عدا بدء التفكير في عالم ينفك عن الولايات المتحدة.

في دافوس أشار كارني إلى قول رئيس الوزراء الفنلندي ألكسندر ستاب بـ«الواقعية القائمة على القيم» وهدفها أن تكون «مبدئية» و«برجماتية» معا. (ويبدو أن قادة الغرب قد نسوا تماما مصطلح وثيقا الصلة هو «الواقعية التقدمية» سكَّه ديفيد لامي). فكيف تبدو «المبدئية» و«البرجماتية» في نظر كراني؟ لقد هبطت طائرة رئيس الوزراء في دافوس قادمة من رحلتين قريبتين إلى الصين وقطر أبرم فيهما اتفاقيات تجارية مهمة. والبرجماتية هنا تعني العالم «على ما هو عليه» لا «كما نتمنى أن يكون»، حيث تسعى الدول الصغيرة إلى إبرام صفقات مع قوى عظمى برغم ما هي عليه من ولع بالحرب. لكنها تتخلى وه تبرمها عن التظاهر بأن هذه الصفقات تقوم على مُثُل ليبرالية، لا على مصالح ذاتية.

والشق المبدئي في معادلة كارني يقتضي من قوى العالم المتوسطة ـ في أوروبا وآسيا وفي عموم دول الكومنولث ـ أن تعمل معا، وتبرم اتفاقات «تكون في عملها مثلما هي في وصفها». وقد يكون للولايات المتحدة وغيرها من القوى العظمى نفوذ اقتصادي وعسكري، لكن القوى المتوسطة قد تعمل معا على «إقامة شيء أكبر، وأفضل، وأقوى، وأعدل».

ولقد كان يبدو أن ذلك هو ما كان ينتظره الغرب. فقد حظي كارني بتصفيق واقف نادر في ديفوس وفي الأيام التالية حظيت كلمته بثناء يوشك أن يكون إجماعيا. نجحت الكلمة. ولكنها لم تكن خالية من المخاطر.

ركزت الولايات المتحدة نظرها مع استمرار انعقاد دافوس. وفي الثاني والعشرين من يناير، أجرى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت حوارًا مع الناشط اليميني المتطرف جاك بوسوبيك وتطرق إلى الحركة الانفصالية الناشئة في ألبرتا فقال إنه «يشاع أن لديهم استفتاء على رغبتهم في البقاء ضمن كندا.

أعتقد أننا ينبغي أن نسمح لهم بالقدوم إلى الولايات المتحدة، وألبرتا شريكة طبيعية للولايات المتحدة، ولديهم موارد عظيمة».

والشائعات حقيقية؛ فهناك جماعة اسمها «مشروع رخاء ألبرتا» تقوم بحملة من أجل إجراء استفتاء على الانفصال عن كندا، ولديها مهلة حتى مايو لجمع ما لا يقل عن 177 ألف توقيع ـ أي 10% ممن لهم حق التصويت ـ لكي ينالوا حق الاستفتاء.

وهي حركة حقيقية لكنها هامشية بلا شك، فمعدلات الرضا عن كارني في كندا تصل إلى 60%. وقد التقى قادة الجماعة بمسؤولين من إدارة ترامب لمناقشة دعم أمريكا بل ولمناقشة تمويلهم.

وليس بيسنت بالشخص الوحيد في حركة ماجا الذي يتخيل تفكيك كندا. فقد كانت تصريحاته لبوسوبيك صدى لستيف بانون الذي تردد أنه أعرب عن تأييده لانفصال ألبرتا. كما أن لبانون أيضا تركيزًا قديمًا على الخطر الذي تشكله الصين للولايات المتحدة من خلال كندا، سواء عبر بودكاست «غرفة الحرب» أو في حوارات خاصة. فقد قال بانون في حلقة 17 يناير إن «كندا جزء من مصلحة الأمن الوطني الأمريكي الحيوي، ولهذا أقول إنها قد تكون أوكرانيا القادمة».

ليست الإشارة إلى أوكرانيا مصادفة. فمثلما زعم فلاديمير بوتين أن الناتو قوة معادية عازمة على التقرب من جارتها، يرى بانون أن الصين عازمة على التغلغل في كندا للوصول إلى هدفها الحقيقي وهو الولايات المتحدة. وشأن الحملة الدعائية التي يرعاها الكرملين لترويج سخط السكان المحليين في شرق أوكرانيا الذي استعمل ذريعة لضم روسيا للقرم وغزو منطقة الدونباس، يتزايد الخوف من إمكانية استعمال البيت الأبيض حركة ألبرتا الهامشية ذريعة لتدخل عسكري.

(وقد لا يكون مفاجئا أن شخصيات في ماجا تتحالف مع جماعة ثانوية في ألبرتا وليس مع حركة انفصالية راسخة وأكثر شعبية في كويبيك. برغم أن الولاية الناطقة بالفرنسية تدعم منذ أمد بعيد الأحزاب المحلية الكبيرة الداعية إما إلى القومية أو إلى السيادة الكويبيكية، إلا أن عداءها الكامن لكندا الناطقة بالإنجليزية سيمتد بصورة شبه مؤكدة إلى أمريكا بشكل أوسع).

كيف سيكون تعامل القوات المسلحة الكندية في حال قيام الولايات المتحدة بغزو عسكري؟ لن يكون جيدا. ففي العشرين من يناير كشفت افتتاحية في صحيفة جلوب آند ميل الكندية أن الجيش وضع نموذجا لغزو افتراضي من الولايات المتحدة.

وبرغم زيادة عدد المجندين الجدد في الجيش الكندي بنسبة 55% خلال العام الماضي، خلص النموذج إلى أن القوات المسلحة الكندية تفتقر إلى «الأفراد أو المعدات المتطورة اللازمة لصد هجوم أمريكي تقليدي»، وأنها ستضطر إلى الاعتماد على «حرب غير تقليدية تلجأ فيها مجموعات صغيرة من العسكريين غير النظاميين أو المدنيين المسلحين إلى الكمائن والتخريب وحرب الطائرات المسيرة أو تكتيكات الكر والفر».

غير أنه لا أحد يتوهم أن ترامب بحاجة إلى استعمال العدوان العسكري لتدمير حليفه. ففيما كان كارني يشير في دافوس إلى سياسة الصفقات transactionalism الأمريكية، كان ترامب يهدد أوروبا بالرسوم الجمركية بسبب رفضها تسليمه جرينلاند. ولم يطل الوقت قبل أن يعاد توجيه سياسة الصفقات.

ففي منشور على موقع تروث سوشيال في الخامس والعشرين من يناير هدد ترامب برسوم جمركية تبلغ 100% على السلع الكندية «إذا أبرمت كندا صفقة مع الصين». (أشار ترامب أيضا إلى رئيس الوزراء باعتباره «الحاكم» كارني، وهو لقب أطلقه من قبل على جاستن ترودو لكنه ظل يحجم حتى الآن عن استعماله في حق كارني).

ولا يوجد ما يشي بأن كندا والصين كانتا تناقشان اتفاقية تجارة حرة، فقد شهدت رحلة كراني الأخيرة إلى بكين اتفاقا على صفقة محدودة نسبيا تقلل بها كندا الرسوم الجمركية على عدد من المركبات الكهربائية الصينية في مقابل تقليل الصين الرسوم الجمركية على زيت الكانولا الكندي.

ومع ذلك ها هو ترامب كما وصفه كارني في خطبته: «يستعمل التكامل الاقتصادي سلاحا، والرسوم الجمركية ورق ضغط، والبنية الأساسية المالية أداة إكراه، وسلاسل التوريد نقاط ضعف يساء استغلالها». وكانت رسالة ترامب الضمنية واضحة، لكندا ولغيرها من القوى المتوسطة التي قد تكون متابعة لما يجري: لعل النظام القديم انهار، لكن الولايات المتحدة لا تزال مهيمنة.

كان رد ترامب على خطبة كارني هو الأيسر تنبؤا من مواقفه خلال العالم الحالي. أما رد الفعل المحتمل من حلفاء كندا الآخرين فغير متوقع. وحينما يخفت وهج شهر عسل دافوس، هل ستكون لندن وباريس وبروكسل وغيرها مستعدة لإعادة النظر في مواقفها؟

ثمة نذر بأن المقاومة تزداد في مواجهة ترامب. فبرغم أن خطاب إيمانويل ماكرون في دافوس لم يكن بقوة خطاب كارني، وبرغم تأثره بعض الشيء بارتدائه نظارة شمسية داخل المبنى لإخفاء مشكلة في عينيه، إلا أنه أكد بوضوح: «إننا نفضل الاحترام على الاستئساد، ونفضل سيادة القانون على الوحشية». وعندما كشف ترامب النقاب في دافوس في الثاني والعشرين من يناير عن «مجلس السلام»، اتضح أن الديمقراطيات الليبرالية الكبرى قد تجنبت الانضمام إليه. وبدلا من ذلك، كان بديل الأمم المتحدة الذي شكله الرئيس الأمريكي عبارة عن مجموعة من الدول الاستبدادية.

لكن خيبة الأمل ليست بجديدة على الكنديين. ففي الصيف الماضي، عندما بدأ السياسيون الأوروبيون يرفضون فكرة انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي، أشار موظفون في بروكسل إلى أن معاهدة الاتحاد الأوروبي تمنع أي دولة غير أوروبية من الانضمام. وبعد أن سلم كير ستارمر رسالة من الملك تشارلز إلى ترامب، يدعوه فيها إلى زيارة رسمية ثانية بعد فترة طويلة من بدء الرئيس الأمريكي تهديد السيادة الكندية، شعر الكثيرون في كندا بخيانة التاج لهم (وكانت غالبية الكنديين قد فقدت حماسها بالفعل لفكرة الحكم بنظام ملكي دستوري، فازدادت هذه النسبة منذ ذلك الحين).

برغم التأييد الكبير لمارك كارني في الأيام التالية لدافوس، لا يصعب أن نتخيل خيبة أمل جديدة.

ويبقى دونالد ترامب هو تهديد كندا الأكبر. لكن الخطر الأعمق والأبعد مدى يكمن في أن كندا ستضطر إلى مواجهة الولايات المتحدة المعادية بمفردها، حينما يقرر حلفاؤها، واحدا تلو الآخر، أن التخلي عن النظام القديم ليس بالأمر الهين، وأن علاقة خاصة متداعية خير من لا شيء، وأن الاسترضاء قد يكون الخيار الأكثر برجماتية. وسوف يبقى الوهم النافع على حاله، وستنتصر القوة العظمى، وسيعاني الكنديون مما يجب عليهم أن يعانوا منه.

ـ ميجان جيبسون المحررة التنفيذية لقسم المقالات في مجلة نيو ستيتسمان.