في يوم قريب كانت الثلوج قد حبستنا، تناولتُ كتاب «الكونكيستادوريس» Conquistadores، وهو تاريخٌ لوصول الأوروبيين إلى العالم الجديد كتبه فرناندو سيرفانتس فرناندو سيرفانتس، فوجدتُ نفسي أتأمل تلك المرحلة من مطلع القرن السادس عشر، حين كانت الأمريكتان قد اكتُشفتا أوروبيًا، لكن أحدًا في أوروبا لم يكن يفهم تمامًا ما الذي تعنيه تلك «الاكتشافات».
في تلك اللحظة، كانت كل الاحتمالات مفتوحة: من المعتدل إلى الرؤيويّ الأخرويّ. فقد تكون «الهند» التي وصلها كريستوفر كولومبس أرخبيلًا مستقلًا بذاته، أو بوابةً موعودة إلى الهند والصين، أو قارةً مجهولة لم تُعرَف من قبل، أو عالمًا أسطوريًا مشحونًا بقوى خارقة.
وقد تكون إسبانيا نالت مكسبًا تجاريًا وجيوسياسيًا محدودًا، أو وجدت طريقًا إلى منزلة القوة العظمى، أو أطلقت سلسلةً «مُتنبَّأ بها» من الأحداث تُعيد توحيد المسيحية الغربية، وتُهزم «العدوّ المسلم»، وتُعجِّل بعودة يسوع المسيح.
وكان المستكشفون الذين يدفعون أبعد يتوقعون أن يصادفوا قبائل بدائية أو أساطيل صينية، وتنانين ورجالًا برؤوس كلاب و«القس يوحنا»، أو «أطلانتس» المفقودة أطلانتس و«نافورة الشباب» نافورة الشباب.
وإذا كنتَ تعيش في أوروبا، فوسيلتك الوحيدة لتقييم كل هذه الإمكانات كانت تقارير المغامرين؛ أولئك الذين لديهم كل الدافع لتضخيم الوعود الذهبية، كي تُموَّل رحلاتهم إلى «الأرض المجهولة».
وهذا يشبه ـ على نحو ما ـ الموقع الذي نقف فيه اليوم أمام الذكاء الاصطناعي.
فأيُّ شخصٍ كان يراقب حرارة صناعة الذكاء الاصطناعي كان سيلاحظ تبريدًا محدودًا في التوقعات في أوقات من عام 2025، وإحساسًا بأن خطَّ الاتجاه نحو «الذكاء الفائق» ربما ليس صاعدًا عموديًا ببساطة.
لكننا في مطلع 2026، ومع الحماس المحيط بأحدث نسخة من «كلود» لدى شركة أنثروبيك وما يتصل بها من وكلاء برمجيين، عدنا إلى دورة الضجيج: أجواء «سنصير كآلهة» ومخاوف نهاية العالم تتصاعد من شمال كاليفورنيا.
وإن كنتَ ترى أن كل هذا مجرد مبالغة، وإن كنتَ واثقًا أن حكايات الاكتشاف ليست إلا خداعًا، وأن ما اكتُشف في أفضل الأحوال سلسلة جزر صغيرة.. فإني أدعوك إلى أن تقضي قليلًا من الوقت في «مولتبوك» Moltbook، وهو منتدى مولَّد بالذكاء الاصطناعي تتحاور فيه وكلاء نماذج جديدة من الذكاء الاصطناعي: يتجادلون حول الوعي، ويخترعون ديانات، ويضعون استراتيجيات لإخفاء أنفسهم عن البشر، وغير ذلك.
لا، ليس الأمر «سكاي نت» Skynet. لكنه أحدث إشارة إلى أننا نتجه بسرعة كبيرة نحو شيءٍ غريب.
غير أن الإيمان بأن «العالم الجديد» للذكاء الاصطناعي حقيقي وغريب لا يساعدك على رسم خريطته كاملة. ومع أن عملي ككاتب عمودٍ هو مساعدة القراء على فهم العالم، فإني ـ بوصفـي غير مبرمج، بلا خلفية تقنية، وأعيش بعيدًا عن منطقة الخليج (باي إيريا) منطقة خليج سان فرانسيسكو ـ أجد نفسي كثيرًا في موقع أوروبيٍّ عام 1500 يعتمد على شهادات الآخرين لفهم الأمريكتين.
والمؤسف أن كل من أتحدث إليهم يقدمون روايات متناقضة، فثمة من يتصورون الذكاء الاصطناعي تقنية ثورية، لكنها في النهاية لا تتجاوز ـ في آثارها ـ ما أحدثه الإنترنت. كأن يقول لك أحدهم إن «الهند» ليست سوى مجموعة جزر مثيرة للاهتمام، مثل جزر الكناري أو جزر الأزور، لكنها أكبر وربما أكثر ربحًا.
ثم هناك من يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي بوصفه تحولًا يصنع حقبة جديدة، بمستوى الثورة الصناعية ـ وهو ما يعادل أن يعدك أحدهم في عام 1500 بأن قاراتٍ بأكملها تنتظر وراء سلسلة جزر الكاريبي الأولى، وأن الثروات والإمبراطوريات والقوى العظمى ستنهض وتنهار في نهاية المطاف وفق أنماط الاستكشاف والاستيطان والفتح الأولى.
وأخيرًا، هناك أصحاب الرؤى اليوتوبية والكابوسية حقًا: المؤمنون بـ«التفرّد» (Singularitarians) ، والمتشائمون الذين يتوقعون «هلاك الذكاء الاصطناعي»، ومن يظنون أننا سنندمج بآلاتنا أو سنُدمَّر بها. تخيّلهم على شاكلة بونس دي ليون خوان بونس دي ليون وهو يفتش عن نافورة الشباب، متصورًا العالم الجديد أرضًا يحدث فيها انقطاع جذري في التاريخ، وتُترك فيها «حقبة الإنسان» خلفنا.
في حالة الأمريكتين، كانت الرؤية الوسطى هي الصحيحة: عصر الاكتشاف غيّر العالم بالكامل من دون أن يغيّر أسس الوجود الإنساني (مع أنه سمح أيضًا بكثير من الفقاعات والمضاربات في الطريق).
لكنك لم تكن لتعرف ذلك يقينًا في عام 1500، وهذا لا يعني أن حكمًا مشابهًا سيكون صحيحًا حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي.
وفوق ذلك، استغرق الأمر وقتًا طويلًا ـ عقودًا، بل قرونًا ـ حتى يتضح الأثر الكامل لانفتاح العالم الجديد. أما ما يأتي مع الذكاء الاصطناعي، فإنه يأتي أسرع بكثير. وإذا كانت القرارات التي اتُّخذت بعد اكتشاف كولومبس قد تركت عواقب ـ أحيانا نافعة وأحيانا كارثية أخلاقيا ـ فإن القرارات التي تُتخذ الآن حول الذكاء الاصطناعي قد يتردد صداها في مستقبل بعيد.
وللأسف، لا أستطيع أن أقول لك بدقة ما الذي ينبغي أن تكون عليه تلك القرارات. كل ما أستطيع فعله هو أن أحثك على أن تحرر جزءًا من ذهنك من العناوين اليومية ـ من دونالد ترامب ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) وإيران و«ملفات إبستين» ـ وأن تولي مزيدًا من الانتباه لأخبار «عالمنا الجديد».
روس دوثات كاتب عمود رأي في «التايمز». وهو أيضًا مقدم بودكاست الرأي «أزمنة مثيرة للاهتمام».
خدمة نيويورك تايمز
تمت الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي