غزة " عمان " د.حكمت المصري:

رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم تعرف سماء غزة الهدوء. طائرات استطلاع لا تغادر، قصف جوي وبحري متكرر، وإطلاق نار متواصل من المناطق الشمالية والشرقية، حيث تتمركز دبابات الاحتلال. مشهد
يؤكد أن الحرب لم تنتهِ، بل تغيّر توصيفها فقط، فيما بقي المدنيون يدفعون الثمن.
يطلع فجر جديد على قطاع غزة محمّلًا بأصوات الطائرات، وخيام تُستهدف، وعائلات تُمحى من السجلات المدنية، في صورة تعكس تقويضًا متعمّدًا لاتفاق وقف إطلاق النار، وانتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وسط صمت دولي متواصل.
وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد ارتقى 524 شهيدًا وأُصيب 1,360 مواطنًا منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، جراء 1,450 خرقًا ارتكبها جيش الاحتلال، معظمها استهدافات مباشرة داخل الأحياء السكنية وبعيدًا عن "الخط الأصفر” الذي يُفترض أن يشكّل منطقة عازلة.
خيام النزوح تحت مرمى القصف
في خان يونس جنوب القطاع، تحوّلت خيمة تؤوي عائلة نازحة إلى ركام. سبعة أفراد من عائلة أبو حدايد، بينهم أطفال وامرأة ومسن، استشهدوا في غارة جوية مباشرة، لتنضم أسماؤهم إلى قائمة طويلة من ضحايا سقطوا في زمن يُفترض أنه زمن الهدنة.
هذا الاستهداف لم يكن حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة غارات طالت شققًا سكنية في مدينة غزة وجباليا، إضافة إلى قصف مناطق مصنّفة"صفراء”، ما يثير تساؤلات جدّية حول جدوى الاتفاق وحدود التزام الاحتلال به، في ظل غياب أي
مساءلة دولية.
شهادات :خوف معلّق ومستقبل غامض.
أم محمد حجازي (47 عامًا)، نازحة من بيت حانون، تقول:"قالوا لنا إن الحرب توقفت، لكننا لم نرَ سوى تغيير في اسمها. القصف لم يتوقف،وقافلة الشهداء ما زالت تمضي. كل ليلة أحتضن أطفالي لا خوفًا من البرد، بل خوفًا من أن نموت معًا. لا يسمحون لنا بالعودة إلى بيوتنا بحجة أنها مناطق صفراء، لكنهم يقصفوننا هنا وهناك. إلى أين نذهب؟”
أما أبو محمود أبو طير (55 عامًا)، نازح من بلدة خزاعة شرق خان يونس، فيقول:"بيتي دُمّر، وأرضي احتُلّت، واليوم حتى خيمتي لم تعد آمنة. التاريخ يعيد نفسه كما حدث مع أجدادنا عام 1948. الاتفاق بالنسبة لنا ورقة على طاولة المفاوضات، لا علاقة لها بواقعنا. نُقتل ببطء، ونُمنع من العودة، ونُجبر على انتظار مصير مجهول. يريدوننا بلا بيوت، بلا ذاكرة، بلا مستقبل.”
وتروي لمى سليم (21 عامًا)، طالبة طب ونازحة في دير البلح:"كنت أحلم بالعودة إلى جامعتي بعد وقف إطلاق النار، واليوم لا أحلم إلا أن أستيقظ فأجد عائلتي على قيد الحياة. الخيمة ليست حياة، والانتظار ليس أمانًا.
نحن جيل يعيش بين هدنتين: هدنة القصف، وهدنة الأمل. جامعتي قُصفت، وحلمي
بالتعليم يتلاشى، فيما العالم صامت.”
فيما يقول محمود جبر (27 عامًا)، نازح من مخيم البريج: "نسمع عن لجان وضمانات ووسطاء، لكننا لا نرى سوى الطائرات. الاحتلال لا يريد لهذا الاتفاق أن ينجح. يريدنا مرهقين، جائعين، خائفين. العودة إلى البيت حلم مؤجل، وربما ممنوع. أطفال يُحرقون داخل خيامهم، والعالم يشاهد.”
أرقام تكشف حجم الانتهاكات
تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن 92% من الشهداء هم من المدنيين، وأن 96% منهم استُهدفوا بعيدًا عن الخط الأصفر، فيما بلغت نسبة المصابين المدنيين 99.2%.
كما لم يلتزم الاحتلال ببروتوكول إدخال المساعدات الإنسانية، إذ لم تتجاوز نسبة الالتزام 43%، مع نقص حاد في الوقود والمعدات الطبية ومواد الإيواء.
حماس: خرق متعمّد وتصعيد خطير
من جهتها، قالت حركة المقاومة (حماس) إن استمرار قوات الاحتلال في استهداف خيام النازحين يُعدّ تصعيدًا خطيرًا وخرقًا متعمّدًا لاتفاق وقف إطلاق النار.
وأوضحت الحركة، في تصريح صحفي، أن القصف الجوي الأخير أسفر عن مجزرة جديدة باستهداف خيمة لعائلة نازحة في خان يونس، ما أدى إلى استشهاد سبعة أفراد، ورفع حصيلة الشهداء خلال الساعات الأخيرة إلى 12 شهيدًا، بينهم ستة أطفال.
وأكدت الحركة أن هذه الانتهاكات تعكس إصرار حكومة الاحتلال على مواصلة حرب الإبادة ضد سكان القطاع، وعدم اكتراثها بجهود الوسطاء والدول الضامنة، داعية إلى تحرّك دولي عاجل لإلزام الاحتلال بوقف المجازر وتنفيذ الاتفاق دون مماطلة.
بين الخذلان والصمود
في غزة، لا يبدو وقف إطلاق النار سوى هدنة هشّة تُستغل لإعادة ترتيب أدوات القتل، فيما يُترك المدنيون وحدهم في مواجهة الخوف والجوع والانتظار. ومع استمرار منع النازحين من العودة إلى منازلهم، واستهدافهم في خيامهم، تتصاعد المخاوف من مرحلة أكثر قسوة ما لم يتحوّل الضغط الدولي من بيانات قلق إلى أفعال ملزمة.
غزة لا تطلب المستحيل؛ تطلب فقط أن يُحترم الاتفاق، وأن تُصان حياة المدنيين، وأن يُسمح للناس بالعودة إلى بيوتهم... إن بقي منها شيء.