في مناسبة العشاء التي حضرتها مؤخرًا، لم يستحوذ موضوعٌ آخر اهتمام الحاضرين أكثر من منظومة «إجادة». حضر العشاء أشخاصٌ من مهن مختلفة وأماكن متباعدة، غير أنّ ما جمعهم جميعًا، تجلى في استظهار الشرارة الخفية نفسها. شرارة البُغض والكراهية، لا سيما مع ربط المنظومة بالترقيات والعلاوات وفرص إكمال الدراسات العليا.
جُعل كل موظفٍ كارهًا لمسؤوله، وكل مسؤولٍ في موقف لا يُحسد عليه. تلك الشرارة نفسها ستستعرُ نيرانها، ولن نستطيع إطفاءها مع مرور الوقت، فقد بُنيت على الزيف ونمت تحت سماء لا تُمطر إلا الارتياب ولا تُغذّي إلا شعورًا مُزمنًا بالخذلان!
ها نحن على أعتاب السنة الخامسة لهذا الكابوس المستشري، وكلّ ما صنعته هذه المنظومة: بيئة تستنهضُ الخصومة وتُحاكم النوايا. منظومة تغيب عنها العدالة، لأنّها في أصلها لم تُصمَّم لمتابعة طبيعة الوظائف على اختلافها، بل بُنيت على عموميات شاسعة وأُطرّ «مُجيدوها» بنسب مُحددة. والمفارقة في هذا كله أنّ ما أُعدّ في بدايته ليكون نظامًا إلكترونيًا يُنظر فيه إلى الأداء بعين الإحصاء والرصد، نراه اليوم يرتدّ ليغدو عملًا بشريًا محضًا، جالبًا للنزاع والعداوة والسخط. ولذا فحتى من يحظى بالامتياز قد لا يملأه فرح ولا فخر، لأنّه واقع في مستنقع من الإكراهات والكراهيات!
لقد ضُرب الجميع في خلاط واحد: الطبيب والمعلم والفني والإداري.. إلى آخر القائمة.. جُعل «الأكاديمي» أو «الإعلامي» على سبيل المثال في قياس واحد مع «العامل البسيط»، وبين طبيعة أعمالهم بونٌ شاسع من الاختلاف! فلا غرابة أن نجد بين الموظفين من ساوره الشك في نزاهة ما يحدث، فاختار ألّا يعمل أكثر من «نسخ-لصق» لأهدافه كل عام، ومنهم من بات يرفض أداء أعماله الأساسية لشعوره الفادح بالتمييز والظلم!
نُصدم بإحصائية شديدة السخرية، تشيرُ إلى نسبة «95٪» في مؤشر سلامة تطبيق منظومة إجادة. غير أنّ التزام الوحدات الحكومية بالتطبيق الشكلي لا يُعطي المنظومة شرعية، فقد يُمارس الموظفون الالتزام اضطرارًا، لأنّ المنظومة باتت تتلاعب بالموج تحت قواربهم الشراعية المهزومة. فلماذا تُرفع نسب مُضللة كهذه، بدلا من النزول إلى أرض الواقع لقياس ما تغذت عليه شجرة البُغض والحساسيات والتنازع المريض؟ لماذا لا يُصغى إلى صوت أولئك الذين يرضخون لسلطتها الغاشمة؟ فقبل أن يعتنوا بقياس نسب الاستجابة، كان يجب أن يُقاس الأثر الذي تركته في بيئاتنا: هل أفضت إلى تغيّر نوعي في مؤسساتنا؟ هل خلقت بيئات تنافسية جادة؟ ولنا أن نتصور أنّ كل هذا الصراع العبثي من أجل «نصف راتب» لا يُسمن ولا يُغني من جوع، ومن أجل ترقية تُحدد في علم الغيب!
وإن كان لا بد من استمرار الجريان في هذا الوحل، فعلى الأقل لينظر المسؤولون إلى الطرق التي يمكن أن تُؤنسن بها المنظومة لتقليل توحشها. ولكيلا نبقى ننوح طويلًا في المنطقة الرمادية، ينبغي تحديد نسبة من «الموظفين» للامتياز، ونسبة من «رؤساء الأقسام»، ونسبة من «المدراء»، فلا يُغفل المجتهد من أي فئة من الفئات، ويجب أن ينال «الجيد» و«الجيد جدًا» نصيبهم كما ينال «الممتاز».
أكاد أجزم أنّ أغلب المسؤولين اتخذوا من فكرة «موظف الشهر»، و«الموظف المبادر» و«الموظف المبتكر» وسيلة لتخفيف حدّة الاحتقان بين الموظفين، أكثر من النظر في جدواها العميقة والمعاني التي صُنعت من أجلها.
تلك الموجة العالية من السلبية تصنعُ بيئات تُبتر فيها القيمة والانتماء، وتُعيق حيوية التواصل بين الموظفين والمسؤولين. ولذا انقذوا قطاعاتنا الحكومية، انقذوا قطاعي الصحة والتعليم من دخول اللجج المظلمة، فبين أيديهم أرواح البشر وعقول أبنائنا!
عندما يُحجم الموظف عن الكلام، فغالبا ليس مرد الأمر عدم امتلاكه رأيًا، بل لأنّ الثقافة العامّة تُشيع أنّ صوته وتظلمه بلا جدوى! فإن كانت هذه المنظومة صُممت حقًا لإنتاج بيئة عمل خلاقة، فخذوا أصوات البشر على محمل الجد ولو لمرة واحدة!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»