لطالما راودني سؤال ممضّ وأنا أحكّم بعض المسابقات الأدبية المحلية التي يشارك فيها كتّاب شباب: هل مواجهة الكاتب المبتدئ برأيك الصريح حول كتابته هو الأمر الصواب؟ أم مجاملته وتشجيعه وغض الطرف عن عيوب هذه الكتابة باعتباره ما زال في بداياته، وفي أمسّ الحاجة إلى تشجيع حتى يقوى عوده؟

بين هذين الخيارين يتأرجح ضمير كل من وضعته الظروف في موقف المُدلي برأيه في كتابةِ كاتب يتلمس طريقه: أيكون صريحًا إلى حد القسوة، فيخاطر بإطفاء شعلة لا تزال في طور الاشتعال؟ أم يكون لطيفًا أكثر مما ينبغي فيسهم في تكريس وهم الكتابة لدى شاب لا يجيدها، في زمنٍ صارت فيه الكتابة مهنة مَن لا مهنة له، وباتت نصائح التحفيز السريعة للكتّاب المبتدئين أكثر من محلات شاي الكرك!

لهذا السبب تحديدًا يكتسب كتاب «كيف تبدأ الكتابة ومتى تتوقف: نصائح للكتاب» للشاعرة البولندية الفائزة بنوبل فيسوافا شيمبورسكا أهميته، وقد صدرت ترجمته العربية مؤخرًا عن دار أثر السعودية بإمضاء الشاعر المصري أحمد شافعي، الذي أدين له أنه كان سببا مباشرًا لتعرفي إلى هذه الشاعرة الكبيرة قبل نحو عشرين عاما من خلال القصائد الجميلة التي كان يختارها للبرنامج الإذاعي «أصوات من هناك».

يجمع كتاب «كيف تبدأ الكتابة ومتى تتوقف» ردود شيمبورسكا على رسائل كتّاب مبتدئين نُشِرتْ في مجلة «الحياة الأدبية» البولندية بين عامي 1968 و1981، عندما كانت تشرف، إلى جانب الروائي والناقد فوديمرش ماسياج، على عمود «صندوق البريد الأدبي»، مقدّمةً تعليقات صريحة تجمع بين السخرية والنقد والتأمل في شروط الموهبة والكتابة. جاءت هذه الردود أقرب إلى «صفعات» أدبية على وجه نصوص طموحة تبحث عن اعتراف، تكشف مكامن ضعفها وتضع أصحابها أمام أسئلة صعبة حول دوافعهم ومعرفتهم باللغة والعالم؛ فهي مثلًا تحذّر شاعرًا شابًّا من «غواية قول كل شيء في قصيدة واحدة»، وتوبّخ آخر لأن قصيدته عن النجوم تكشف جهله بأبسط المعارف الفلكية، وتعاتب ثالثًا على فوضى غامضة لا يُفهم منها سوى ادعاء العمق، وتشدِّد على رابع بأن «الشعر ليس استجمامًا أو راحة من الحياة، وإنما هو الحياة»، وأن افتراض أن «النشيج» هو النشاط الوحيد الملائم للشعر هو افتراض خاطئ، وتنصح محاوِلًا للشعر بأن يحتفظ بقصائده في درج مكتبه لأن الرغبة في الكتابة لم تتحول بعد إلى موهبة حقيقية، وتنتقد شاعرة مفرطة في الاستعارات حتى يختفي العالم خلف تراكم الصور، وتذكّر كاتبًا مولَعًا بالقوافي الرنانة بأن قافية لامعة لا تنقذ فكرة سطحية ولا تعالج فراغًا فكريًا، وأنه «ما من شاعر منذ فجر الزمان اضطر إلى عَدّ التفعيلات على أصابعه». ومن خلال هذا الاحتكاك الحاد بين المحرر ومُحاوِل الكتابة، تتبلور رؤية شيمبورسكا للكتابة باعتبارها مسؤولية تتطلب موهبة أصيلة ووعيًا يقِظًا وصبرًا طويل النفس. المثير للإعجاب هنا أن شيمبورسكا لا تختار الطريق الأسهل، ولا توزع عبارات التشجيع المجانية، بل على العكس تضع الكاتب المبتدئ أمام صراحة تصل إلى حد الوقاحة أحيانا، وتعلمنا أن قول «توقف» قد يكون أحيانًا أكثر نبلًا من قول «استمر».

تسخر الشاعرة البولندية من تصور شائع لدى بعض الشباب بأن الظهور الأول في مجلة أو كتاب يعني انفتاح أبواب الشهرة على مصاريعها، وانتشار صورهم في الجرائد، وتهافت الجمهور على طلب تواقيعهم. تذكّر هؤلاء بأن الأدباء الحقيقيين نادرًا ما يحققون نجاحات من هذا النوع، وأن المجد الأدبي، إن أتى، يأتي متأخرًا ومصحوبًا بخيبات متكررة، ولا يُستثنى من ذلك حتى الفائزون بجائزة نوبل للأدب. في ردودها يتراجع وهج صورة الكاتب المتفرد أمام دعوة صريحة إلى عمل شاق، وقراءة واسعة، ومراجعة متواصلة للنص. الكتابة عندها طريق طويل نحو الاعتراف، وامتحان دائم للنفس واللغة، يتطلب صبرًا وعزلةً واحتمالًا للرفض. وبهذا المعنى، تنزع شيمبورسكا عن الأدب أقنعته البراقة، وتعيده إلى جوهره: جهد يومي متواضع بعيدًا عن استعراضات الأضواء.

وفيما تسميها «خاتمة زائفة» ترسم شيمبورسكا صورة ساخرة لمحرر متخيَّل، شبه أسطوري، يُشار إليه بصيغة المذكر، وتُسند إليه صفات متناقضة تجمع بين اللطف والتعالي، والاهتمام بالحيوانات واللامبالاة بأعمال الزملاء، يستعد لإصدار الطبعة الثانية لكتابه «كيف تبدأ؟ ومتى تتوقف»، علاوة على كتاب آخر قيد الصدور يضم مختارات من مقالاته عنوانه «ما ينبغي لكل كاتب مبتدئ أن يعرفه». وكأنها تريد القول إن هذا المحرر كائنٌ مصنوع من مبالغات التلقي وأوهام المرجعية، وإن صورة «الخبير» الذي يملك مفاتيح الكتابة ليست سوى بناء ساخر، قابل للتفكيك مثل أي خرافة أدبية أخرى.

وإذا كانت شيمبورسكا قد أدلت بهذه التعليقات في الفترة من 1968 إلى 1981 كما سبقت الإشارة، فكيف سيكون منظورها لها بعد نحو عقدين؟ هل بدّلت أفكارها أو غيّرت قناعاتها؟ هذا ما يجيب عنه حوارها مع تيريزا وولز في أكتوبر 2000، الذي يجيء في ختام الكتاب وكأنه مراجعة هادئة لتلك التجربة النقدية. في هذا الحوار تتحدث الشاعرة عن رسائلها القديمة من موقع أكثر نضجًا، فتؤكد أن صراحتها وإن بدت وقحة إلا أنها كانت ضرورية، وتعكس موقفًا متماسكًا من طبيعة الكتابة وحدودها. تعترف بأنها هي نفسها لم تكن بداياتها الشخصية بأفضل حالًا، وأنها عرفت الرفض وخبرته، تقول: «أعرف من تجربتي الشخصية القوى العلاجية لصبّ الماء البارد على الرأس»، وما أجمل هذا التشبيه، الذي يصوّر الصراحة القاسية جزءا مهمّا من علاج الأوهام.

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني