كشفت التطورات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة عن ضعف أمريكي جوهري. فبعد تهديدات الرئيس دونالد ترامب ضد غرينلاند (التي تراجع عنها لاحقًا في دافوس)، أقرّ نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، من دون قصد، بحقيقة قاسية خلال ظهوره في منشأة صناعية للشحن في توليدو بولاية أوهايو.
وبينما كان يشيد بما سماه «العودة الأمريكية العظيمة»، حمّل إدارة الرئيس السابق جو بايدن مسؤولية تفاقم أزمة القدرة على تحمّل التكاليف، ثم تفوّه قائلًا: «لا يمكنك تدوير دفة التيتانيك بين عشية وضحاها».
بالطبع، لم تُدر التيتانيك دفتها أصلًا. لكن إذا كانت الولايات المتحدة متجهة للاصطدام بجبل جليدي مجازي والغرق، فإن الكارثة الوشيكة ستنبع من تفكير خاطئ وتفسير مضلل للتاريخ.
بالنسبة إلى ترامب وغيره من مروّجي الرسوم الجمركية في الولايات المتحدة، تكمن السوابق الأساسية في القرن التاسع عشر، حين كانت أميركا محمية بجدران حمائية مرتفعة، وفي ثلاثينيات القرن العشرين، في أعقاب الكساد الكبير.
والدرس الذي يستخلصونه من هاتين الفترتين هو أن الدول ذات السوق الكبيرة تستطيع استخدام الوصول إلى سوقها لانتزاع تنازلات من شركائها التجاريين. وهذا هو منطق ترامب حين يطلق تهديداته الجامحة بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على النبيذ الفرنسي، أو 100% على جميع السلع الكندية.
لكن هذا المنطق الاستخلاصي ينهار عندما يتعلق الأمر بالسلع الاستراتيجية الحيوية، مثل أشباه الموصلات، والعناصر الأرضية النادرة، والهيدروكربونات. فالصراعات الجيو ـ اقتصادية في عقد العشرينيات من القرن الحالي تدور إلى حد كبير حول مشكلات الإمداد، وهي لا تُعالج على نحو أمثل بفرض ضرائب أعلى على الواردات.
صحيح أن رسوماً جمركية بنسبة 100% على السلع القادمة من كندا ستضر بالمنتجين الكنديين، لكنها ستلحق أيضًا أضرارًا مدمّرة بولايتَي ميشيغان وإلينوي، حيث تحتاج الصناعات هناك إلى مكوّنات وأجزاء كندية.
ينظر ترامب إلى الرسوم الجمركية ليس فقط من منظور سياسة تجارية، بل أيضًا من زاوية سياسية وعاطفية مشحونة؛ فهو مدفوع بجمهوره الداخلي وبشياطينه النفسية الخاصة إلى إطلاق سيل متواصل من الإهانات، ما يجعل أي تفاوض كارثة، لأن أساس أي صفقة محتملة يُقوَّض على الدوام. انظر إلى أكثر هزائمه وضوحًا وإحراجًا حتى الآن. فقد كان هناك إجماع من الحزبين على أن التحدي الذي تمثله الصين هو الشاغل الأول للسياسة الخارجية الأمريكية. لكن ترامب خسر مواجهته مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، لأنه يبدو أنه لم يدرك أن الصين لا تزوّد العالم بالمنسوجات والألعاب فقط؛ فهي أيضًا المصدر الرئيسي للسلع مثل العناصر الأرضية النادرة والمعادن المستخدمة في الإلكترونيات وأشباه الموصلات وتقنيات الاندماج النووي، وهي جميعها قطاعات صناعية سريعة التطور وذات أهمية استراتيجية قصوى. هل يمكن لتهديدات الرسوم الجمركية أن تنجح ضد دول أو أسواق أخرى؟ تركّز «استراتيجية الأمن القومي» التي نشرتها إدارة ترامب مؤخرًا أقل على التهديدين الروسي والصيني، وأكثر على التحدي الأيديولوجي المنبعث من أوروبا، والذي يُقال إنه يدعو إلى «محو حضاري». ومع امتلاك الاتحاد الأوروبي فائضًا تجاريًا ثنائيًا كبيرًا مع الولايات المتحدة، هل هو عرضة لحملة رسوم جمركية على الطريقة الترامبية؟
لا شك أن الصناعات الأوروبية في أمسّ الحاجة إلى أسواق خارجية، وقد بدا أن السرعة التي استسلمت بها المفوضية الأوروبية لنظام الرسوم الجمركية بنسبة 15% الذي فرضه ترامب العام الماضي تشير إلى ضعف. بدت أوروبا هشّة لأنها لم تمتلك ورقة ضغط واضحة تعادل العناصر الأرضية النادرة الصينية، ولأن اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي ازداد.
كما أن كثيرًا من أبرز الصادرات الأوروبية ـ من السيارات الألمانية إلى النبيذ والشمبانيا الفرنسية ـ يستهلكها أمريكيون ميسورون فقط، لا ناخب «ماغا» النموذجي. وقد اعتقد مسؤولو إدارة ترامب أنهم يملكون أوراقًا قوية.
لكن الاتحاد الأوروبي بدأ الآن في تأكيد نفسه واستكشاف خياراته، بما في ذلك «أداة مكافحة الإكراه» ـ وهي «بازوكا التجارة» لدى التكتل، التي توفر آلية لفرض مجموعة واسعة من الرسوم الجمركية والقيود التجارية بسرعة ـ إضافة إلى إجراءات تمس حقوق الملكية الفكرية والاستثمار الأجنبي المباشر. كما بدأ الأوروبيون بتحديد نقاط الضغط الأمريكية.
فعلى سبيل المثال، تُعد المنتجات الصيدلانية أهم مجموعة صادرات منفردة من الاتحاد الأوروبي، إذ بلغت قيمتها نحو 140 مليار دولار في عام 2024، أي أكثر من ربع إجمالي صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة. وتشمل هذه المنتجات أدوية إنقاص الوزن التحويلية من فئة GLP-1، التي تُستخرج مكوّناتها الفعالة من مقاطعة كورك في أيرلندا. وهناك خيار آخر يتمثل في فرض ضرائب على استثمارات الأوروبيين في الولايات المتحدة، ما سيجعل تمويل الاقتراض الأمريكي أكثر كلفة، بما في ذلك الديون الصادرة لتغطية العجز الفيدرالي الأمريكي.
وقد تعززت استعدادات الأوروبيين لاستخدام مثل هذه الإجراءات القاسية ـ وللاستثمار بدرجة أكبر بكثير في المشتريات الدفاعية والأمنية المحلية ـ بفعل الهفوات الخطابية لإدارة ترامب.
فقد أثار اقتراح ترامب بأن الحلفاء الأوروبيين لم يقوموا بدورهم في التزامات حلف «الناتو» (وأنهم كانوا «بعيدين قليلًا عن الخطوط الأمامية» في أفغانستان) غضبًا مشروعًا. وسرعان ما تحولت الأرقام الحقيقية ـ مقتل 44 جنديًا دنماركيًا في أفغانستان، إضافة إلى 457 بريطانيًا و150 كنديًا و90 فرنسيًا ـ إلى لائحة اتهام مدمّرة ضد ترامب.
إن سلوك ترامب وكبار مستشاريه هو ما وضع الولايات المتحدة على مسار يشبه مسار التيتانيك.
فعلى الصعيد العالمي، هم مكروهون. وبينما يزمجر القبطان المختلّ عاجزًا من على الجسر، يندفع بقية العالم في هروب منظم نحو قوارب النجاة التي ستحملهم معًا إلى اليابسة الجافة.
هارولد جيمس أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون، ومؤلف كتاب «سبعة انهيارات: الأزمات الاقتصادية التي شكّلت العولمة»
خدمة بروجيكت سنديكيت