ترجمة: أحمد شافعي -

في الرابع من يناير 2026م، أقرت طالبان في هدوء قانونًا جديدًا للإجراءات الجناية وعممته، معتزمة أن تجعله القانون الحاكم للعدالة الجنائية في أفغانستان بعامة.

لم يجر الإعلان الرسمي عنه، ولم يتم شرحه للشعب الذي سيعيد القانون صياغة حياته، ولم يقم نقاش حوله، وصدر باللغتين الدارية والبشتوية ثم وصل رأسا إلى القضاة والمحاكم الإقليمية، وبدأ سريانه وكأنه محض تحديث إداري روتيني. وهو أبعد ما يكون عن ذلك.

على مدى أسابيع، لم ينل القانون اهتمامًا يذكر خارج أفغانستان. ولم يطفُ على السطح إلا بعمل مضن تصدى له محامون ومنظمات حقوق إنسان أفغانية في المنفى ممن حصلوا على نصه، وقرأوه بتمعن، وأدركوا أهميته، وعرفوا أنه ليس محض مرسوم من جملة المراسيم، وإنما هو ترسيح لنظام هيمنة تشريعية.

ومع تراجع أفغانستان عن صدارة المشهد العالمي في ظل أجندة تغص بالأزمات، تعلم الطالبان أن أقدر القمع على الدوام هو الذي يحدث في هدوء.

وهذا لا يعني الأفغان وحدهم، بل يعني أيضا صناع السياسة الأمريكيين الذين لا يزالون يتجادلون في ما إذا كانت طالبان تمثل حركة متطرفة جامدة أم أنها نظام حكم قادر على ممارسة الحكم على المدى البعيد. وقانون الإجراءات الجنائية الجديد يقدم الإجابة. فالطالبان لا يعتزمون الحكم من خلال الفوضى، وإنما من خلال القانون.

والتناقض مع تنظيم (داعش) دال؛ فعندما جفل العالم من حكم داعش في العراق وسوريا، بدا الدرس المستفاد واضحا، وهو أن الإرهاب الواضح يفضي إلى مقاومة واضحة.

لقد حكمت داعش بالعنف السافر ـ من إعدامات علنية وبتر للأطراف وعقاب جماعي واستعراض مقصود للقسوة. ونجحت في ذلك نجاحا عابرا، لكن ما كان له أن يدوم. إذ هرب الناس، واشتدت المقاومة، ثم أعقب ذلك التدخل الدولي. وانهارت داعش تحت وطأة ظهورها السافر.

أما الطالبان فقد خلصوا إلى نتيجة مختلفة. فهم يحكمون من أجل المدى البعيد. وقانونهم الجديد للإجراءات الجنائية يجعل الطغيان هو الوضع الطبيعي وليس الإعلان الصاخب عن الطغيان. وبدلا من الاعتماد على الاستعراض الدائم للعنف، يندمج الإكراه في الروتين القضائي. ومن خلال لغة التقنية، ومقدماته الاستدلالية، والاعتراف الانتقائي بالضرر، يصبح القمع وسيلة للإدارة.

ويكمن الخطر تحديدا في مظهر الوثيقة العادي. فهي طويلة، وإجرائية، ومكتوبة بلغة التشريع المحايدة. لكن يكمن بين بنودها تضييق فائق لمن يستحق الحماية، ولما يعد من قبيل الضرر، وللشروط التي يصبح بها وجود المعاناة نفسها مقبولا قانونيا. فالقانون لم يحظر العنف ضد المرأة بقدر ما أعاد تعريفه. والإصابات البالغة بدرجة تقنع قاضيا هي فقط التي تتجاوز عتبة التجريم، أما الإكراه والحبس والترهيب والإذعان القسري فتختفي إلى حد كبير من الاعتبار القانوني.

والمرأة التي تهرب من الانتهاكات لا تجد حماية في هذا النظام؛ بل إنها تخاطر بالتجريم هي نفسها، وكذلك من يوفرون لها الملاذ. والقانون يرغم على العودة لا على السلامة. وحتى لغة الحرية تأتي مشروطة. فالقانون يحافظ على التفرقة بين من يعدون «أحرارًا» ومن يوصفون بـ«العبيد»، وهذا تصنيف لا وجود له في أي نظام قضائي يزعم أنه ذو سلطة في القرن الحادي والعشرين. فهنا لا تكون التبعية خطأ اجتماعيًا وإنما وضع قانوني.

يجب أن يدرك القراء الأمريكيون هذا المنطق. ففي أولى سنوات حقبة ما بعد 11/9، قدم محامو الحكومة الأمريكية آراء قانونية أعادت تعريف التعذيب بشكل ضيق يجعل الألم المكافئ لفشل أحد الأعضاء أو للموت هو وحده الذي يعد غير قانوني. وكانت النتيجة تطهيرا قانونيا لانتهاكات حقوق الإنسان. وباتت ممارسات طالما حظرها القانون الدولي جائزة بحكم القانون.

وقد استنكرت هذه الآراء لاحقا، لكن الضرر الذي لحق بالضحايا، وبالأعراف القانونية، وبمصداقية الولايات المتحدة كان حقيقيا ودائما.

بعمل قانون طالبان الجديد وفقا للمبدأ نفسه، دون أي تظاهر بالإصلاح الداخلي. فبدلا من إنكار العنف، ينظم القانون متى يكون العنف مهمًا. وبدلا من حظر الإكراه، يصوره باعتباره شأنا خاصا، أو جائزا، أو لا يعني القانون.

ولهذا تداعيات مباشرة بالنسبة لصانعي السياسة الأمريكيين؛ فعادة ما يجري تأطير الطالبان باعتبارهم عاجزين عن الحكم المؤسسي، فهم حركة تعتمد على القوة الغاشمة لا على السيطرة النظامية.

ويظهر من قانون الإجراءات الجنائية عكس ذلك. إذ يقيم النظام هيكلا قانونيا مصمما بحيث يصمد أمام الدورات العقابية والعزلة الدبلوماسية وتحولات الاهتمام الدولي. واستراتيجيات التعامل مع الطالبان، التي تقوم على التدرج في التحول إلى الاعتدال، تسيء فهم طبيعة ما يتشكل حاليًا.

ومن جراء هذا تتعقَّد بعض افتراضات مكافحة الإرهاب الراسخة؛ ففي أفغانستان اليوم، لا تنتج المأسسة كوابح وقيودًا، بل إنها تنتج ثباتًا واستمرارًا.

والقانون، لا الشرعية، هو القائم بالعمل. والطالبان لا يحتاجون إلى اعتراف يرسخ لهم السيطرة وإنما يحتاجون فقط إلى الوقت والصمت.

لقد روعت داعش الناس وألجأتهم إلى الفرار، أما الطالبان فيهيئون الناس للإذعان.

وكلاهما يرمي إلى غاية واحدة: وهي مجتمع بلا تعددية، بلا استقلال ذاتي لنسائه، وبلا حماية لأقلياته أو للمعارضين فيه. ويكمن الفارق في الطريقة فقط؛ فقد كانت داعش ظاهرة ظهورًا لا يتيح لها أن تستمر، أما الطالبان فتعلموا أن القانون الهادئ أدوم من الإرهاب الصاخب.

ولهذا فإن قانون الإجراءات الجنائية أهم من كثير من مراسيم طالبان الأكثر مسرحية. فهو يشير إلى أن القمع لم يعد يتطلب قوة دائمة، إذ بات شرعيًا، مفوضًا به، طبيعيًا. وحينما تندمج القسوة في الإجراءات، تصبح المقاومة أصعب تخيلا، ناهيكم بأن تكون منظمة.

ويشير التاريخ إلى أن الأنظمة القائمة على هذا النحو نادرا ما تبقى محكومة خاضعة للسيطرة. وحينما تشرِّع الحكومات من الذي لألمه قيمة ومن الذي لا قيمة لألمه، يتسارع تآكل الحقوق في تعريف تلو تعريف. ومأساة أفغانستان اليوم لا تقتصر على أن هذا يحدث، بل على أنه يحدث في هدوء، بينما العالم ناظر في جهات أخرى.

والدرس المستفاد لواشنطن درس مزعج وحتمي. في حال استمرار سياسة الولايات المتحدة في التركيز الضيق على التنسيق الأمني أو ضبط العقوبات أو الإعفاءات الإنسانية المؤقتة، فإنها تخاطر بإساءة قراءة نظام الحكم الذي تواجهه.

فأفغانستان تتحول إلى نموذج لكيفية بقاء الأنظمة السلطوية دونما لجوء إلى إرهاب جماعي ودونما موافقة دولية ودونما إكراه مستمر.

وقد يكون هذا أخطر درس تعلمه الطالبان على الإطلاق، وهو درس لا تملك الولايات المتحدة رفاهية تجاهله.

فكتوريا فونتان باحثة زائرة في مركز جنوب آسيا بجامعة ستانفورد، والرئيسة المشاركة لتحالف تعليم المرأة في أفغانستان. شغلت من قبل منصب عميدة الجامعة الأمريكية في أفغانستان

الترجمة عن ذي ناشونال إنتريست