ما أكثر الناس الذين أحبوا سوى أنهم ينكرون تسمية ما عاشوه أو يعيشونه «حبًا». لا يريدون تصديق أن ما يُدعى بالحب حدث يحدث بهذه البساطة، وأنه ممكن بسهولة تقبل تكرار التجربة بصور مختلفة مع أشخاص آخرين، والأهم من ذلك أنه قصير وسريع الزوال في حالات كثيرة، وليس أبديًا بالمرة كما تصوره كلاسيكيات الشعراء العذريين. في البداية، لا أحد يريد أن يصدق حقيقةَ أن الحب حدث عاديٌّ في حياتنا، وأنه هو نفسه (المُحب) شخص عادي في الحب إلى هذه الدرجة، عارٍ من أي هالة أو استثناء؛ إذ إن جزءًا من دوافع بحثنا عن الحب يكمن في رغبتنا في الاستثناء، استثناء أنفسنا فيه. وكعادة الحب وفعله منذ الأزل، فهو إما أن يحطم النرجسيات أو يضخمها. وهكذا يُنكر الناس قصص حب سابقة في حياتهم؛ فإما أن يكونوا عُشاقًا أسطوريين على قدر أحلامهم وتوقعهم لما يستحقون ومع من يستحقون، وإلا فإن تجاربهم لا تعدو كونها مغامرةً عابرةً أخرى، أو تسلية جانبية في حياة تأخذ طابعها من العبور المستمر للأشخاص والأماكن والمشاعر. بينما يقتضي إنصاف الحب إعادة النظر في التجربة العاطفية السابقة وأرشفتها خارج تلك التصنيفات، إن كان لا بدَّ حقًا من إعادة النظر فيها.

يستمد الحب نشاطه من كونه «تجربة» مفتوحة الاحتمالات، ويتشكل من مواهبنا وقدرتنا على التجريب فيه بلا ضمانات ولا تعويضات. وعليه أن يشرد دائمًا من الواقع إلى الحلم كي يحافظ على نفسه، عليه أن يبقي حذره متيقظًا من تمدد الواقع في مساحات حلمه. كل حب حُلم، كل حب تمرين على الحلم. كل حب يُعاش يمكن أن يكون تمرينًا على «الحب الحقيقي/ النهائي» الذي ينتظرنا في المستقبل، مسوَّدة أولى فثانية... قبل بلوغ النص النهائي. لا يسعني أن أتخيل أحدًا معافى تمامًا من هذا الانتظار الهاجس لحبٍ قادم، لحب منتظر في الغد. حتى وهو في سرير حبه الحاضر، فإن ذلك الهاجس الدخيل، المتمثل في الشعور العميق بالانتظار، يعرف كيف يتسرب من فرجة الباب إلى أكثر غرف العشاق أمانًا.

ولأن الماضي يتطور باستمرار، تتغير هوية الحب السابق بمرور الوقت. وقد تنقضي العلاقة دون أن يعرف (يعترف) الرجل والمرأة بهوية ذاك المس الغامض بينهما، إذ من الصعب أن نحدد هوية ما نحن في طور اكتشافه، رغم أن سؤال هوية العلاقة أو تعريفها هو أحد أهم مصادر القلق في الحب، وأكثر الأسئلة التي تدفع العلاقات العاطفية إما للزواج أو الانفصال.

ماذا عن الذكريات وقد انتهت التجربة؟ كيف يمكن اقتسام ملكيتها بين شخصين لم يعد من الممكن أن يبقيا معًا، وسيغادر كل منهما الآخر بتركة من الذكريات التي أصبحت هي كل شيء، أصبحت هي الحب الذي كان في الواقع، بما فيها الماديُّ من الذكريات، كالهدايا والصور؟ كيف يمكن التصرف بالصور في ذاكرة الهاتف؟ ولمن تعود ملكية صورة تجمع عاشقين؟ سأستشهد هنا بزيجمونت باومن الذي يرى بأن «الحب في أشكاله كافة يسعى لنزع الملكية».

بعد الانفصال تصبح قصة الحب ملكًا لشخصين لن يتفقا غالبًا على نفس السردية عن بداية العلاقة ونهايتها، وعن حقيقة ما كانت عليه وطبيعة المشاعر التي اكتنفتها. وسيعيد كل منهما كتابة القصة بما يتوافق مع «مصالحه» النفسية. أيهما أحبَّ الآخر أكثر؟ هذا أحد أسئلة المراجعات الشهيرة. أغنية محمد عبده «اختلفنا من يحب الثاني أكثر» تجيب بسخاء رومانسي مفرط: «اتفقنا إنك أكثر وأنا أكثر». لكن الواقع لا يحتمل هذه المبالغة بعد نهاية العلاقة. غير أننا يمكن أن نقترح سؤالًا بديلًا: أيهما استمتع أكثر؟

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني