في توجيه سامٍ يعكس عمق الرؤية وصدق العناية بالإنسان قبل المكان، وجّه جلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله - مجلس الوزراء بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، والعمل على وضع سياسات وآليات واضحة ومحوكمة، تعزز القيم المجتمعية والسلوكيات الإيجابية، وتحد من التأثيرات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، في إطار اهتمام أصيل بالشأن الاجتماعي والثقافي، وتعزيز قوة المجتمع العماني وحماية جميع شرائحه.
إن هذا التوجيه لا يقرأ بوصفه إجراء إداريا عابرا، بل هو تشخيص صريح لمرحلة اجتماعية دقيقة، أفرزتها التحولات التقنية المتسارعة، حيث كشفت الساحة الاجتماعية عن ظواهر سلبية لدى بعض فئات الشباب، تمثلت في ضعف العلاقات المجتمعية، وتراجع تأثير القدوات الحسنة، وغياب التواصل البنّاء بين الأجيال، حتى غدا بعض الأبناء أكثر اتصالا بالعالم الافتراضي من اتصالهم بقيم مجتمعهم وهويتهم.
وليس جديدا أن تعالج المجتمعات اختلال السلوك عبر الأنظمة والضبط القانوني، فذلك ضرورة لا غنى عنها، ويصدق عليه قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»،أي أن للسلطة دورا حاسما في ردع الانحراف حين تضعف الوازعات الذاتية.
غير أن السلطان - مهما بلغ عدله وقوته - لا يصنع وحده إنسانا فاضلا، وإنما يحمي المجتمع من الفوضى، أما بناء الضمير، وترسيخ القيم، وصناعة السلوك الراسخ، فذلك عمل طويل النفس، يبدأ من التربية، ويتشكل في التعليم، ويترسخ في الممارسة اليومية.
ومن هنا، فإن معالجة الظواهر السلوكية لا ينبغي أن تقف عند حدود التشريع والرقابة، بل لا بد أن تمتد إلى مشروع وطني لإعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية، بوصفها استثمارا استراتيجيا في استقرار المجتمع وأمنه الثقافي. ويأتي في مقدمة ذلك إدراج مادة مستقلة ومتكاملة للقيم والأخلاق في المناهج الدراسية، تدرّس بصورة منهجية في جميع المراحل، من الحضانة ورياض الأطفال، مرورا بالتعليم الأساسي، وصولا إلى المرحلة الجامعية.
إن غرس القيم في الطفولة المبكرة ليس ترفا تربويا، بل هو تأسيس للإنسان قبل أن يكون تأهيلا للطالب، فالقيم حين تغرس في الصغر، وتمارَس في البيئة المدرسية، تتحول إلى سلوك تلقائي، لا يحتاج إلى رقيب خارجي ولا إلى سلطة زاجرة.
ولعل من التجارب الملهمة في هذا السياق تجربة اليابان، حيث تدرّس القيم والأخلاق كمادة أساسية قائمة على الممارسة اليومية لا على التنظير المجرد؛ فيتعلم الطالب احترام الوقت، والنظام، والعمل الجماعي، والنظافة، وتحمل المسؤولية، وخدمة المجتمع، حتى أصبحت هذه القيم جزءا من السلوك العام، لا شعارات ترفع عند الحاجة.
ومع أهمية الاستفادة من التجارب العالمية، فإن من الواجب التأكيد على أن المجتمع العماني ليس فقيرا في قيمه ولا محتاجا لاستيراد منظومة أخلاقية جديدة، بل يملك تراثا أخلاقيا رحبا، تشكل عبر قرون من الدين، والعرف، والتكافل الاجتماعي، واحترام الكبير، وصون الجار، وحفظ العهد، وإغاثة الملهوف.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب القيم، بل في خمولها عن الفعل اليومي، وفي انتقالها من كونها ممارسة حية إلى مجرد موروث يحتفى به في الخطب والذاكرة، لا في السلوك والواقع. نحن لا نحتاج إلى اختراع قيم جديدة، بقدر ما نحتاج إلى إحياء ما لدينا، والنفث في روحه، وتجسيده واقعا معاصرا، بلغة يفهمها الجيل الجديد، وأدوات تلامس حياته، ومناهج تربط القيمة بسلوكه اليومي لا بشعارات مجردة فالقيم حين لا تمارَس تذبل وحين لا تجسَّد تضعف،
وحين لا تنقل للأبناء في صورتها العملية، تذوب أمام ضجيج المنصات وتسارع العالم الرقمي.
ومن هنا، فإن إدراج القيم والأخلاق في المناهج لا ينبغي أن يكون قطيعة مع التراث، بل جسر واعٍ بين أصالة الموروث ومتطلبات العصر، بحيث يتخرج الطالب وهو يدرك أن ما يطالَب به اليوم من احترام، وانضباط، ومسؤولية، هو ذات ما عاش عليه أجداده، لكن بلغة زمنه وأدوات عصره.
إن توجيه جلالة السلطان - حفظه الله - هو دعوة صادقة لإعادة صياغة المشروع القيمي للمجتمع، تشترك فيه الدولة، والمؤسسات التعليمية، والأسرة، والإعلام، والمسجد، ليبقى المجتمع العماني قويا بقيمه، متماسكا بأخلاقه، قادرا على مواكبة العصر دون أن يفقد روحه.
فبالسلطان يحمى النظام
وبالتربية تبنى الأوطان
وبالقيم يحيا الإنسان.