قبل عدة أسابيع، سألت مسؤولين بريطانيين في مجال السياسة الخارجية عن أكثر اللحظات إثارة للقلق حتى الآن في مستهل عام 2026 المضطرب الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأجاب الاثنان، رغم إحجام الحكومة البريطانية عن الإقرار بذلك علنا، بأن تلك اللحظة تمثلت في قيام الولايات المتحدة باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من كاراكاس في الساعات الأولى من الثالث من يناير. قال أحدهما إن ترامب «فاجأنا على نحو سلبي»، وأضاف الآخر: «لم يكن لدينا أي مؤشر على أن فنزويلا ستكون التالية».
أثار عنصر المفاجأة، وما يرجح أنه عدم قانونية العملية الأمريكية، قلقا بالغا، لأن الحكومة البريطانية أمضت العام الماضي وهي تحني مواقفها وتعيد تشكيلها من أجل البقاء في دائرة رضا ترامب، مع الاستمرار في التمسك علنا بمبادئ من قبيل ميثاق الأمم المتحدة وما كان يعرف بالنظام الدولي القائم على القواعد. علنا، اكتفى رئيس الوزراء كير ستارمر بالقول إنه «لا يذرف الدموع» على مادورو، وأنه يؤمن أيضا بالقانون الدولي. إنه مستعد لمواجهة المتنمرين، بشرط ألا يكون ذاك الساكن في المكتب البيضاوي. فما الجدوى من ذلك، في كل الأحوال؟ قال لي أحد المسؤولين: «إن التعامل مع هذه الإدارة يعني عمليا قطع الجسور معها، وفقدان قنوات الوصول والتأثير، بل وقد يؤدي إلى الإضرار بأسس قائمة في التعاون العسكري والاستخباراتي». أما المسؤول الآخر، فقال لي بصوت أكثر إنهاكا: «كل هذا صعب جدا، صعب جدا».
حتى الآن، كان التفاهم مع ترامب يعد من النجاحات القليلة في سجل ستارمر السياسي خلال ثمانية عشر شهرا مضنية في الحكم. منذ عام 2024، حرص مسؤولون في حزب العمال ودبلوماسيون بريطانيون على استمالة حملة ترامب، متبنين موقفا حذرا يتسم بالتودد المحسوب. قال ديفيد لامي، وزير الخارجية البريطاني، عندما قابلته قبل عام لمقال كتبته في هذه المجلة: «مهما قيل عن دونالد ترامب، فإن الأمريكيين من الطبقة العاملة، بيضا وسودا وملونين، صوتوا له بأعداد كبيرة، وهذا أمر ينبغي على أصدقائي الليبراليين الديمقراطيين أن يتعاملوا معه بجدية». وفي سبتمبر الماضي، أصبح لامي نائبا لرئيس الوزراء، بينما تولت إيفيت كوبر، وزيرة الداخلية السابقة، حقيبة الخارجية.
في الخريف، حظي ترامب بزيارة دولة ثانية إلى المملكة المتحدة، تناول خلالها العشاء مع الملك تشارلز إلى جانب زوجته ميلانيا، وشاهد عرضا للمظليين من على درج مقر تشيكرز، الملاذ الريفي لرئيس الوزراء في باكينغهامشير. ومقابل هذا القدر من التبجيل، نجت بريطانيا من معظم غضب إدارة ترامب تجاه أوروبا، والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص. فقد تفادت البلاد معظم الرسوم الجمركية التي فرضت على بقية القارة، ووقعت اتفاقا مبدئيا بقيمة واحد وثلاثين مليار جنيه إسترليني تحت مسمى «اتفاق الازدهار التكنولوجي»، لتشجيع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي محليا وفي الولايات المتحدة، وجنبنا الاتفاق الحديث عن «محو الحضارة». أما الجائزة الكبرى، فكانت الحفاظ على موقف ترامب داعما لأوكرانيا.
في اليوم التالي لتوجيه الاتهام إلى مادورو في نيويورك، وتصريح ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، لشبكة سي إن إن بأن غرينلاند «ينبغي بوضوح» أن تكون جزءا من الولايات المتحدة، كان ستارمر في باريس مع إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي، حيث اتفقوا على نشر قوات بريطانية وفرنسية في أوكرانيا في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وكان ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس، حاضرين لتأييد الفكرة، متحدثين عن «ضمانات أمنية دائمة» و«شبكات أمان حقيقية» مدعومة من الولايات المتحدة لردع أي عدوان روسي. دبلوماسيا على الأقل، بدا المشهد بعيدا كل البعد عن التوبيخ الذي تعرض له زيلينسكي في البيت الأبيض قبل أحد عشر شهرا. قال أحد المسؤولين البريطانيين: «هذا إنجاز هائل».
في اليوم التالي لاجتماع باريس، دعمت القوات البريطانية الجيش الأمريكي في اعتراض ناقلة نفط روسية ترفع علم روسيا، تدعى «بيلا 1»، في شمال المحيط الأطلسي، ثم أجرى ستارمر وترامب اتصالا هاتفيا. وقال المسؤول الآخر: «رئيس الوزراء تحدث إلى ترامب عدة مرات، وتبادلوا أحاديث جدية حول قضايا مختلفة. لذلك أشعر أننا ما زلنا في موقع يتيح لنا التأثير، وما زال لدينا شريك يرغب في المساعدة».
يصعب المبالغة في تقدير مدى اعتماد السياسة الخارجية والأمنية البريطانية على احتواء فلاديمير بوتين. ففي عام 2025، وقعت المملكة المتحدة اتفاق شراكة مع أوكرانيا يمتد لمائة عام. قال لي ريتشارد ويتمَن، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كِنت: «يبدو الأمر جنونيا تماما. من يوقع معاهدة بهذا الطول؟». وإذا أرسلت قوات بريطانية إلى أوكرانيا في نهاية المطاف، فسيشكل ذلك تحولا كبيرا في الدفاع عن القارة. وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، ستختزل الولايات المتحدة إلى دور الضامن للسلام، لا الجهة المسؤولة فعليا عن مراقبة حدود أوروبا. قال أحد المسؤولين: «إنها نسخة جديدة من الجيش البريطاني على نهر الراين»، في إشارة إلى القوة التي ضمت آلاف الجنود البريطانيين وتمركزت في ألمانيا من أربعينيات القرن الماضي حتى الثمانينيات. وأضاف: «إنها بنية أمنية أوروبية جديدة آخذة في التشكل، مع اندماج أوكرانيا في الغرب، وفي حلف شمال الأطلسي، عمليا وإن لم يكن رسميا».
غير أن الخشية تكمن في أن دعم ترامب قد يتلاشى في أي لحظة. قالت برونوين مادوكس، مديرة معهد تشاتام هاوس، أبرز مركز أبحاث للسياسة الخارجية في بريطانيا، في خطاب ألقته في لندن قبل أسابيع: «لقد استخف ترامب بالقانون الدولي وبمصالح الحلفاء القدامى. وليس من المبالغة وصف ما يجري بأنه نهاية التحالف الغربي». وعندما سألتها عما كان أكثر ما أقلقها في عام 2026، قالت إن ذلك تمثل في «نزعة التملك العابرة» التي أبداها الرئيس تجاه غرينلاند. وأضافت: «هذا لا يقلل من فداحة ما يعنيه العيش في إيران أو شمال غرب نيجيريا أو فنزويلا تحت القصف الأمريكي. لكن كلمات ترامب عن غرينلاند، ورد فعل الدنماركيين وغيرهم حين قالوا: خذوا استكشاف المعادن، وخذوا مزيدا من القواعد، ماذا تريدون؟ ... هذا هو ما يثير القلق». وتابعت: «إنه غياب القانون في نزعة الاستحواذ داخل الإدارة، وعدم القدرة على التنبؤ».
وسردت مادوكس قائمة متنامية من الإجراءات الأمريكية التي باتت إشكالية بالنسبة إلى المملكة المتحدة، من بينها دعوى ترامب القضائية بقيمة خمسة مليارات دولار ضد هيئة الإذاعة البريطانية، والخلافات المستمرة حول تنظيم قطاع التكنولوجيا، مثل حظر تأشيرات أمريكية على مسؤولين في المفوضية الأوروبية، واستفزازات إيلون ماسك المتكررة لحكومة ستارمر، إضافة إلى النزاعات التجارية، إذ جرى تعليق اتفاق الازدهار التكنولوجي الموقع العام الماضي. كما أشارت إلى الهجمات اللفظية، حتى الآن على الأقل، ضد حلفاء حلف شمال الأطلسي. وقالت: «هذه تعديات جوهرية تماما على المصالح البريطانية، وقد تجد الحكومة نفسها مضطرة في نهاية المطاف إلى قول ذلك صراحة».
على مدى خمسة وسبعين عاما، عبرت بريطانيا عن دورها في العالم، في الغالب، من خلال علاقتين متداخلتين: مع الاتحاد الأوروبي عبر القنال الإنجليزي، ومع الولايات المتحدة عبر الأطلسي. قال لي جون كاسون، الذي عمل مستشارا لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون ثم سفيرا لبريطانيا في مصر: «كان الأمر أشبه بالمحيط الذي تسبح فيه السياسة الخارجية البريطانية. كانت تحاول الجمع بين أفضل ما في العالمين، أن تحصل على أكبر قدر ممكن من النجاح الاقتصادي والأمني من أوروبا، وعلى أكبر قدر ممكن من النجاح الاقتصادي والأمني من أمريكا في الوقت نفسه». بالنسبة إلى بريطانيا، لم يكن العمل من خلال شركاء موثوقين ومؤسسات دولية مجرد استعراض، بل كان هو القوة نفسها. وأضاف كاسون «أن هذا النهج ضاعف من نفوذ بريطانيا في العالم بما يتجاوز حجمها الفعلي، وأسهم في إطالة حضورها الدولي أكثر مما كان يبرره وزنها الحقيقي».
خلال عقد واحد، فقدت المملكة المتحدة موقعها داخل الاتحاد الأوروبي، بفعل إيذاء ذاتي تمثل في الخروج من الاتحاد، وهي تواجه اليوم حقيقة شريك أمريكي لم يعد بالإمكان الاعتماد عليه أو توقع سلوكه. قال جون كاسون: «أعتقد أننا جميعا كنا نأمل أن يكون ترامب ظاهرة سطحية عابرة. لكن ما يحدث الآن يجعلني أدرك أنه، حتى لو كان سطحيا ولم يحقق أيٌ من هذا نجاحا دائما، فإنه سيلحق ضررا بأسس جوهرية شكلت طريقة تموضع بريطانيا في العالم على مدى جيلين أو ثلاثة». وعبرت برونوين مادوكس عن الفكرة نفسها في خطابها، قائلة: «على العالم أن يفترض أن كثيرا مما فعله ترامب سيستمر. لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، لأن هذا ما يريده عدد كبير من الأمريكيين، أو لأن الثقة قد تلاشت».
هذا، في جوهره، لحظة تعلم. قال ريتشارد ويتمَن، أستاذ العلاقات الدولية: «ربما سمعت خلال الشهر الماضي اقتباسات من ثوسيديدس أكثر مما سمعتها في العشرين أو الثلاثين عاما السابقة مجتمعة. الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحملون ما يفرض عليهم». والسؤال المطروح أمام بريطانيا، وسائر الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، هو إلى أي حد يقبلون بالرؤية التي يطرحها ستيفن ميلر للعالم، أو ما إذا كان لديهم، في الأصل، خيار آخر. وقال ويتمَن: «لا يمكننا التخلي تماما عن العالم الذي اعتقدنا أننا أسهمنا في بنائه. هل نتمسك به على أمل أن تعود الولايات المتحدة إليه؟ أم نخطو خطوة لبناء شيء جديد مع دول أخرى تشاركنا القيم نفسها؟».
على المدى القصير، يتمثل الجزء الأصعب، والأكثر إيلاما، في تقبل حجم التغيير الذي طرأ على بريطانيا والولايات المتحدة، كلٌ على حدة وكشريكين معا، وفي رؤية الاستثناء يخضع لقوانين العالم الصارمة. ومن المنظور البريطاني، عقد كاسون مقارنة بين التعامل مع أمريكا في عهد ترامب والتعامل مع الصين في عهد شي جينبينغ. فالانفصال ليس خيارا حين يتعلق الأمر بقوة عظمى. غير أن السعي إلى امتلاك أوراق ضغط، حيثما أمكن، والتعامل بحذر وخشية حين يقتضي الأمر، ليسا نقطة بداية سيئة. وقال كاسون: «علينا أن نستعد للتعامل مع أمريكا بوصفها دولة أجنبية، على نحو مهني وصريح، وأن نكون واضحين تماما مع أنفسنا بشأن: أين تكمن خطورتها؟ وأين يمكننا العمل معها؟ وماذا نستطيع أن نقدمه لها؟ فقط افعلوا ما نفعله مع الدول الكبرى الأخرى».