ترجمة: أحمد شافعي
بلغني خبر الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير من عام 2022 وأنا في طشقند ضمن وفد برلماني أوروبي. بدا المسؤولون الأوزبكيون الذين قابلناهم في ذلك اليوم المشؤوم مذهولين تمامًا، غير أن كلامهم اتسم بالحذر الشديد، في تجل واضح للمشي على الحبل الجيوستراتيجي الذي بات سمة لآسيا الوسطى اليوم.
فقد كان مزيج الحذر والتخفظ نذيرًا برد الفعل الاستراتيجي الذي اتخذته المنطقة حيال ذلك الزلزال الجيوسياسي الكبير، وتمثل في التنويع الحازم لشراكاتها الخارجية.
وجاء قرار أوزباكتسان الأخير بالانضمام إلى «مجلس السلام» ليمثل أحدث خطوة في هذه اللعبة الخطرة، و»مجلس السلام» هذا هو مبادرة أطلقها الرئيس دونالد ترامب على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ويهدف أساسا إلى معالجة الوضع في غزة. لم تكن هذه الخطوة ارتجالية من طشقند. فالمنطق الرسمي، حسبما أوضحه المستشار الرئاسي رفيع المستوى ووزير الخارجية السابق عبدالعزيز كاملوف، ينم عن سياسة خارجية برجماتية: إذ يتماشى مع الأمن الوطني لأوزباكستان، وتصدق فيه مبادئ طشقند المعلنة في السياسة الخارجية، ويعالج «مصالح أساسية» أوزبكية في استقرار الشرق الأوسط.
ترتبط هذه المصالح بمكافحة التطرف العنيف. ولأوزباكستان خصومة قديمة مع حركة أوزباكستان التي صنفتها الأمم المتحدة ضمن الجماعات الإرهابية، والتي طالما عملت من ملاذات في أفغانستان المجاورة. غير أن استيراد الأيديولوجيات السلفية من الخليج العربي والشرق الأوسط بعامة، والأنشطة الدعوية لحزب التحرير المتطرف، وهو حركة ترمي إلى إقامة خلافة عالمية، اثنان من هموم كبيرة أخرى.
هذا التأثير الديني الأجنبي يضرب التوازن المحلي الدقيق في مقتل. ففي ظل حكم الرئيس شوكت ميرزيوييف خففت الدولة بعضا من قيودها الرهيبة على التعبير الديني التي فرضها سلفه الراحل إسلام كريموف.
غير أن هذا التحرر الليبرالي يدار بحرص؛ إذ تنشط الحكومة في ترويج ما يبدو أنه نسخة أوزبكية فريدة «وطنية» من الإسلام قائمة على تعاليم المذهب الحنفي السني التقليدي (وشبيه بالنموذج المتبع في تركيا)، والمقيد بشدة داخل إطار الدولة العلمانية. وفي هذا السياق، فإن الممارسات التي تعد «غريبة» من قبيل ارتداء النقاب (أي تغطية الوجه) المرتبط بالسلفية لا تعتبر محض اختلافات دينية وإنما تهديدات مباشرة للتماسك الاجتماعي وسيادة الدولة.
لكن النظر إلى انضمام أوزباكستان إلى «مجلس السلام» عبر عدسة وحيدة هي الشرق الأوسط أو غزة بصفة خاصة، يضيع المعاني الاستراتيجية الأعم. فخطوة طشقند هذه إشارة مقصودة في دبلوماسية آسيا الوسطى المعقدة «عديدة الأوجه»، وقائمة على قمة 2025 مع الولايات المتحدة في واشنطن. وهي رهان على المزيد من التنويع الدبلوماسي، وسعي إلى تعزيز المكانة العالمية، ومناورة في منطقة يتزايد تقرب القوى العظمى إليها.
إن مبدأ السياسة الخارجية الأوزبكية حسبما أعلنت وزارة الشئون الخارجية فيها هو «الانفتاح والمنفعة المتبادلة البناءة» بهدف إنشاء «حزام أمن واستقرار وجيرة طيبة». والأمر المهم أنها تعلن عدم الانحياز لتكتلات سياسية عسكرية.
ولقد تحول هذا المبدأ بالممارسة إلى استراتيجية توازن حذر في العلاقات مع موسكو وبكين وواشنطن.
فتاريخيا، شاركت أوباكستان في منظمات ذات قيادة روسية من قبيل «كومنولث الدول المستقلة»، وفي منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين، بل إنها تستضيف الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب. ولكن أوزباكستان لم تنضم إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا.
في الوقت نفسه، عملت على إقامة «شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد» مع الصين. والعلاقات مع الولايات المتحدة، المؤطرة بإعلان الشراكة الاستراتيجية سنة 2002 الذي وقعه وزير الخارجية كولين باول وعبد العزيز كاملوف وزير الخارجية الأوزبكي آنذاك، ترتكز على مجالات من قبيل دعم التحديث والأمن في أوزباكستان، وفي الخلفية من ذلك الحرب ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان.
والانضمام إلى مجلس السلام يرمي إلى ضخ طاقة جديدة في هذا المسار الأمريكي. ولقد أشارت المحللة كاثرين بوتز إلى أن أكبر دول آسيا الوسطى (فبعيدا عن أوزباكستان، انضمت جارتها كازاخستان أيضا) تسعى سعيا حثيثا إلى «التودد لرئيس الولايات المتحدة المشهور بتقلب مزاجه وميله إلى الصفقات) راجية نيل زيارة رئاسية تبرز تنامي أهمية المنطقة من الناحية الجيوسياسية.
ويتماشى مع الطموح إلى تعزيز المكانة، وصف كاملوف الدعوة في حد ذاتها بـ»الإشارة السياسية المهمة» فهي اعتراف بأوزباكستان باعتبارها «لاعبًا مهمًا ومسئولا». فالحصول على كرسي على طاولة جديدة برئاسة الولايات المتحدة مغنم دبلوماسي، يعيد تأكيد دور البلد بوصفه فاعلا معترفا به في قضية ذات أهمية عالمية من قبيل السلام في غزة.
لكن برغم كل منطقه الاستراتيجي، يبقى رهان طشقند على مجلس السلام في الوقت الراهن محض مقامرة محسوبة على آلية جديدة لم تختبر بعد.
فالسؤال المهم الآن هو ما لو أن هذا المنبر ذا القيادة الأمريكية قادر على تحقيق منافع ملموسة تتماشى مع جوهر المصالح الأوزبكية في إعلاء المكانة الدبلوماسية والأمن والاستثمار وتعزيز السيادة.
هل يتطور هذا الكيان ليتجاوز المنصة الرمزية لإعادة إعمار غزة فيعالح التهديدات الأمنية والأيديولوجية العابرة للحدود مما يشغل طشقند؟ في ذلك السياق، هل سيضمن السلام الدائم والعادل في فلسطين فيزيل دوافع تطرف المسلمين في العالم ومنهم مسلمو آسيا الوسطى؟ هل يمكن أن ييسر تعاونًا اقتصاديًا ملموسًا ونقلًا للتكنولوجيا إلى أوزباكستان بحسب وعد قمة واشنطن سنة 2025؟ والأهم قاطبة، هل سيوفر هذا المسار الجديد ذو المركزية الغربية ما يكفي من القيمة الاستراتيجية لتبرير التوازن الدبلوماسي الدقيق الذي يتطلبه مع موسكو وبكين؟
تمثل مشاركة أوزباكستان خطوة برجماتية في استراتيجية متعددة المسارات، تبين فعاليتها على المسرح العالمي.
لكن المقياس الحقيقي للنجاح هو هذا: هل سيترجم هذا المقعد الجديد على الطاولة إلى عائدات دبلوماسية وأمنية حقيقية، وفرص اقتصادية، وتعزيز لاستقلال طشقند الذاتي؟
إلدر ممديوف خبير في السياسة الخارجية مقيم في بروكسل. يشغل منذ عام 2009 منصب المستشار السياسي للحزب الاشتراكي الديمقراطي في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي.
الترجمة عن ذي ناشونال إنتريست