شاهدت أمس رفقة صديقي الشاعر وليد الشيخ، عرضا لفيلم المخرجة الفلسطينية الأمريكية ماري جاسر: (فلسطين 36،) في المسرح البلدي التابع لبلدية رام الله، الفيلم ممول من محطة بي بي سي البريطانية وأطراف أخرى، كانت التوقعات من الفيلم كبيرة جدا، فخبرة المخرجة واسعة وهي ذات انتماء كبير للقضية، ولديها تراث سينمائي مشرف، والموضوع جريء ومهم يتناول حقبة نضالية لم يدخلها أحد من المخرجين بعد بهذا الزخم، هناك ممثلون كبار في الفيلم ككامل الباشا وحسام أبو عيشة وصالح بكري، الفيلم يتحدث عموما عن تجربة ثورة عام 1936 التي خاض فيها الفلسطينيون إضرابا شهيرا استمر ستة اشهر لم يقف إلا على يد الرجعيات العربية الموالية للاستعمار، خلال نصف ساعة استطعنا وليد وأنا أن نعد أخطاء، من السهل اكتشافها، أولا فلاح القرية صاحب الشقار الكبير والعينين الزرقاوين، كان يمكن استبداله بشاب اسمر يشبه الفلاحين ملوّحة بشرته بالشمس بحكم فلاحيته، هذا الفلاح المزيف يحكي باللهجة الفلاحية في القرية وفي المدينة يخاطب الرجل الغني الذي يعمل عنده باللهجة المدينية، كما أن المرأة الفلسطينية الفلاحة لا تنشغل في القرية بتنقيب حواجبها، هذه المرأة الفقيرة لديها الكثير من الأعباء ما يشغلها عن ذلك مثل الحصاد وإعداد الطعام وتربية الأولاد وإطعام الجاموس والبقرة والجمل، وهذه المرأة لا تزغرد حين يعتقل الإنجليز ابنها، أما الثوار فلم يكونوا يغصبون أحدا على التبرع لصالح الثورة، مشهد القطار الذي يجبر فيه ثائر امرأة على خلع حلق أذنها لم يكن يعبّر عما يحدث، كما أن مشهد صعود مخاتير ووجهاء أهل القرية إلى سفح الجبل للتفاهم مع المستوطنين ومقتل بعضهم برصاص حراس المستوطنة لم يكن واقعيا، بمعنى انهم من الذكاء بحيث يتوقعون قتلا في الطريق.


الفيلم ذو نوايا حسنة بالطبع، والمخرجة فوق الشبهات، ولكن وفي الطريق إلى البيت تساءلنا بمرارة: لماذا لا يكون هناك كتّاب سينما، محترفون، يقرؤون تاريخنا جيدا؟ مشهد زغرودة المرأة الفلاحة حين اعتقال ابنها أغضبت وليد الذي يعيش مع جدته التسعينية، اتصل بها في نفس اللحظة ليسألها فاتحا ميكروفون الموبايل لأسمع: هل كنتن تزغردن يا جدتي حين اعتقال الأبناء، من قبل البريطانيين؟ ضحكت جدته طويلا، وقالت: لماذا نزغرد،؟ كنا نلطم ونخاف ونبكي.


يحيرني مخرجو المسرح والسينما في فلسطين، متمسكون بكتابة نصوص أفلامهم ومسرحياتهم،(ليس هناك للأسف كتّاب مسرح وسينما،) هذا ما يقولونه، ربما معهم حق، لست ناقدا مسرحيا أو سينمائيا، أكتب بشكل انطباعي كمتفرج ومتابع للحركة المسرحية والسينمائية في فلسطين، وحتى عروض الرقص المعاصر، أنا كاتب قصة أعشق السينما وأهيم بالمسرح، لا أضيّع فرص العروض هنا وهناك، وباستمرار داخل في حمى الجدل حول الأفلام والمسرحيات الفلسطينية مع المخرجين والجمهور والممثلين، دعونا نتخيل إجابات المخرجين على هذا السؤال، بالتأكيد إجاباتهم لن تخرج عن هذه الأمور: أولا ضعف التمويل وتكاليف الإنتاج، فالمخرج يريد أن يقلل تكاليف الفيلم عبر توفير ثمن أجرة الكاتب، وثانيا الرغبة في الهيمنة المتكاملة على الفيلم، المخرج يشعر أن الفكرة فكرته والرؤيا رؤيته، ومن حقه أن يكون له المشهد كله، وثالثا حساسية التجربة الفنية في فلسطين، إذ يشعر المخرج الفلسطيني تحت الاحتلال أو في المنفى أن وجود وسيط بينه وبين فكرته الإخراجية لن تكون في صالح هذه الفكرة، رابعا، ندرة كتّاب المسرح والسينما، وهذا السبب عليه نقاش كبير، خامسا، يقول بعض المخرجين إن الكتابة للمسرح تولد من البروفات والنقاشات أثناء التدريب، لا من نص مكتوب صارم يتحكم بالمشاهد.


كل هذه الأسباب مطروحة وهناك جدل كبير، فمتابعو عروض السينما والمسرح يتساءلون باستمرار: لماذا لا يوجد كتّاب مسرح وسينما في فلسطين؟ والواقع أنه يوجد، وأستطيع هنا أن أذكر بعضا منهم :علاء حليحل، غسان زقطان، محمود شقير وغيرهم.


استطلعنا آراء بعض أبطال الفيلم الكبار، وهم حسام أبو عيشة وصالح بكري وكامل الباشا، يقول صالح: إن قصة كتابة المخرج لنص فيلمه ظاهرة عالمية ولا ضير في ذلك إذا كنا منفتحين على آراء وأفكار الآخرين، أما الفنان كامل الباشا فيقول: في فلسطين لا كتّاب سيناريو على الإطلاق وهذا ما يدفع المخرجين لكتابة أفلامهم بالنسبة لي شخصيا بدأت الكتابة في المسرح لأن ما أريد قوله غير موجود في النصوص المحلية، ويفصّل الفنان حسام أبو عيشة بين الكتابة للمسرح وبين السينما في فلسطين، فيقول: المسرح نصوصه المكتوبة قليلة جدا، مما يدفع المخرج للكتابة بنفسه أو أن يقوم بإعداد وتطويع نص عربي يلمس قضايا بلاده، أما في السينما فالموضوع مختلف، لا يوجد كاتب سينمائي فلسطيني، فالمخرج غالبا أو على الإطلاق هو الذي يكتب النص، وأحيانا يستعين ببعض المستشارين إذا كانت هناك قضايا تاريخية تحتاج التدقيق.


قضية أخرى تثار هو متى سنتخلص من إرث الاعتماد على ممول أجنبي؟ هناك طبعا أجوبة ربما تبدو مقنعة وربما لا، لكن دعونا ننظر إلى أعدائنا الذين ينتجون يوميا أفلام (الهولوكست) دون الاستعانة بممولين غربيين، بقي أن أقول كلمة حق، إن تراجع واستعداد رغبة رأس المال الفلسطيني الوطني بتمويل أفلام ومسرحيات فلسطين، يكاد يكون سببا رئيسيا في توجه المخرج الفلسطيني إلى ممول غربي، يتحكم بالمشهد كله، ويوجهه كما تريد أجنداته.


لكن ذلك لا يبرر كل تبعات أثر التمويل الغربي على صناعة السينما والمسرح في فلسطين، فهناك الكثير من العروض الموسيقية والمسرحية والسينمائية مولتها مؤسسات وطنية فلسطينية وعربية.
في النهاية يبقى الفيلم محاولة شجاعة لاقتحام منطقة تاريخية معقدة في تاريخ فلسطين.