ستيسي جودارد - أبراهام نيومان -
أدت المفاوضات بشأن مطالبة الرئيس ترامب بملكية الولايات المتحدة لجرينلاند إلى حيرة وارتباك لدى مسؤولين من الدنمارك وجرينلاند وبلاد كثيرة أخرى.
فبعث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسالة نصية إلى الرئيس ترامب يقول فيها «إنني لا أفهم ما تحاول القيام به في جرينلاند».
والحق أن كثيرين في الولايات المتحدة وخارجها يرون سياسة ترامب الخارجية مفتقرة إلى التماسك وربما العقلانية. لكن ذلك لأن الناس ينظرون إليها عبر عدسات تاريخية خاطئة؛ فالنهج الذي يتبعه الرئيس ترامب ليس الفوضى فقط، أو حسبما يقول كثير من الناس إنه نسخة محدثة من منافسة القوى العظمى في القرن التاسع عشر، إنما هو أكثر اتباعًا لشيء من القرن السادس عشر نطلق عليه السياسة الدولية الملكية.
لقد أصبحت السياسة الخارجية أداة لجني الأموال والمكانة بالنسبة للرئيس ترامب ومساعديه المقربين. فاختفت المصالح الوطنية وراء مصالح تلك النخب. وبدلا من التنافس مع الخصوم يتواطأ معهم الرئيس ترامب من أجل تعزيز مصالح بلاطه الضيقة.
وإذا لم تتحرك البلاد الأخرى بسرعة لكبح دوافع الرئيس ترامب، فسوف تيسر على الأرجح إقامة نظام عالمي قائم على القسر والهيمنة.
تناصر الولايات المتحدة على مدى عقود النظام الدولي القائم على القواعد. ولم يضيع الرئيس ترامب وقتًا كبيرًا في هدم هذا النظام وكان صريحا كعادته في إعلانه «إنني لست بحاجة إلى قانون دولي».
لتفسير نهج الرئيس ترامب، سارعت الإدارة والخبراء إلى الرجوع إلى نماذج الشؤون الدولية في القرن التاسع عشر. ويسعى مبدأ دونرو (المستنسخ من مبدأ مونرو سنة 1823) إلى ضمان مجال نفوذ في نصف الكرة الأرضية الغربي لمجابهة نفوذ روسيا والصين. وقال ستيفن ميلر، نائب رئيس أركان الرئيس، إننا رجعنا إلى عالم «تحكمه القوة، ويحكه القسر، وتحكمه السلطة».
لكن ما نشهده ليس منافسة قوى عظمى بأي معنى تقليدي؛ فبدلًا من تأمين المنطفة من تهريب المخدرات مضى الرئيس ترامب وراء طاغية فنزويلا وأصدر عفوا عن رئيس سابق لهندوراس صرح بأنه يريد أن «يغرق الأمريكان بالمخدرات حتى أنوفهم».
يزعم الرئيس ترامب أن الاستيلاء على جرينلاند «مطلوب سيكولوجيا»، برغم أن للولايات المتحدة حضورا عسكريا في الجزيرة ودعوة مفتوحة لتوسيع قواعدها. وقد أبرم صفقات مع خصوم من القوى العظمى تقوض نفوذ الولايات المتحدة، إذ وعد فلاديمير بوتين حسبما يتردد بأراض من أوكرانيا ووافق على عرض شركة إنفيديا ببيع رقائق أشباه موصلات متطورة للصين.
اليوم، تحولت مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية من مجموعة بيروقراطيات رصينة إلى عائلة ملكية، شأن تيودور أو هابسبورج. فالسياسة الخارجية تصاغ بأيدي عصبة البلاط، وهم شبكة صغيرة مغلقة. بعضهم في مجلس ترامب الوزاري من أمثال ماركو روبيو الذي يشغل منصب وزير الخارجية وفي الوقت نفسه مستشار الأمن الوطني المؤقت والقائم بأعمال كبير أمناء الأرشيف وربما نائب الملك على فنزويلا.
وترتكز عصبة ترامب أيضا على أفراد في أسرته ومتبرعين لحملته الانتخابية سنة 2024 (من أمثال إيلون ماسك وبول سنجر الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي المشارك لصندوق التحوط إليوت لإدارة الاستثمار). وتظل مفاوضات السلام الأوكراني تجري بقيادة ستيف ويتكوف، زميل ترامب العملاق في عالم العقارات، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب.
في حين يتباهى الرئيس ترامب بأن تدخل فنزويلا سوف يزيد الرخاء الأمريكي، ففي الحقيقة لا وجود لوعد ذي شأن بتحقق منفعة وطنية؛ بل إن المكتسبات تبدو متدفقة إلى الرئيس ترامب وخاصته. فقد فازت شركة «أمبر إنرجي»، التابعة لشركة صناديق التحوط المملوكة لسينجر، بمزاد على شركة «سيتجو»، وهي الفرع الأمريكي لشركة النفط الفنزويلية المملوكة للدولة، قبل بضعة أشهر، وهي الآن في وضع استراتيجي يؤهلها للعب دور محوري في تكرير وتوزيع هذا النفط. وكدفعة أولى، أعلن الرئيس ترامب أنه سيتم بيع ما يصل إلى خمسين مليون برميل، وأن «هذه الأموال ستكون تحت سيطرتي».
وقد تمت عملية البيع الأولى عبر شركة تابعة لمانح كبير آخر، مما دفع السيناتور كريس مورفي إلى استنتاج أن «ترامب استولى على نفط فنزويلا تحت تهديد السلاح ومنحه لأحد أكبر ممولي حملته الانتخابية»، وتمثل الخمسون مليون برميل يومين ونصفا من الاستهلاك المحلي لا أكثر، لكنها ستفوق كثيرا ما أنفقه الرئيس ترامب على حملته الانتخابية عام 2024، وهذا ما محسوبية وليس استثمارا وطنيا.
وتتبع سياسة الرئيس ترامب التجارية النهج نفسه؛ ففي حين أن الرسوم الجمركية لا تسهم في إنعاش وظائف التصنيع في الولايات المتحدة، فقد مثلت أداة جاهزة لحمل الدول والشركات على تقديم الهبات. إذ تعهدت كوريا الجنوبية واليابان معًا بمئات المليارات من الدولارات في صناديق استثمارية تدار وفق قواعد حوكمة غامضة. وسارعت فيتنام إلى الموافقة على ملعب جولف لعائلة ترامب بتكلفة مليار ونصف مليار دولار في الوقت الذي سعت فيه إلى خفض رسومها الجمركية.
وتقدم الشركات الخاصة هي الأخرى هباتها للملك. فقد قدم تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة آبل، لوحة ذهبية وتبرعًا لقاعة ترامب الاحتفالية المخطط لإنشائها.
وقد أثمر نظام المحسوبية لأفراد عائلة ترامب، حيث تشير التقارير إلى أن ثروتهم الشخصية زادت بما لا يقل عن أربعة مليارات دولار منذ الانتخابات.
بالنظر عبر عدسة الملكية الجديدة، يصبح غير العقلاني عقلانيا. فمن الممكن قراءة تحول سياسة الولايات المتحدة تجاه أشباه الموصلات باعتبار أنها محاولة من الرئيس ترامب وخاصته لوضع أنفسهم في قلب أنشطة اقتصادية ضخمة.
فعلى مدى عقد تقريبًا، سعت السياسة الأمريكية إلى الحد من بيع الرقائق المتطورة لبلاد أو شركات قد تسرب التكنولوجيا الأمريكية إلى الصين. فأنشأ هذا مجموعة جاهزة من اللاعبين المستعدين لدفع الرشاوى للحصول على تلك الرقائق، وبخاصة في الشرق الأوسط.
بعد أشهر قليلة من توليه منصبه، سافر الرئيس ترامب إلى الإمارات العربية المتحدة، منقلبًا على السياسة الأمريكية ومرتبًا صفقة مبدئية من شأنها أن تفتح تدفق نصف مليون رقاقة من شركة إنفيديا إلى ذلك البلد. وقبل الإعلان عن الصفقة النهائية بوقت قصير، ضخ مستثمرون مدعومون من الإماراتيين ملياري دولار في شركة وورلد ليبرتي فاينانشال، وهي شركة ناشئة في مجال العملات المشفرة أسستها عائلتا ترامب وويتكووف.
وشأن جميع البيوت الملكية، لا يقتصر الهدف على المال فحسب، بل يشمل المكانة أيضا. فيبدو أن الرئيس ترامب يعتقد أن تصورات القوة هي القوة الحقيقية.
وقد تكيف البعض سريعا مع هذه اللعبة؛ فليس من المصادفة أن الحكومة الكورية الجنوبية منحته تاجًا ذهبيا عند وصوله في زيارته الرسمية، أو أن الملك تشارلز ملك بريطانيا رتب له زيارة ملكية فخمة برفقة عمالقة التكنولوجيا.
وليست لعبة المكانة هذه بلا ثمن. وحسبكم أن تسألوا رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي. ففي عام 2025، ومع استمرار المفاوضات التجارية بين الهند والولايات المتحدة، وبعد رفضه الاعتراف بدور ترامب المحوري في وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، ورفضه ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام، فوجئت الهند برسوم جمركية غير مسبوقة. ويسري المنطق نفسه على جرينلاند؛ فقد طغت تهديدات الرئيس ترامب المتكررة ورغبته في الحصول على جائزة نوبل على مطالبه بشأن هذه الجزيرة شبه المستقلة.
وكان رد فعل معظم دول العالم على نزعة ترامب الملكية الجديدة مكتوما. ففي الأسبوع الماضي، في دافوس، دفعت تهديدات ترامب القادة الأوروبيين أخيرًا إلى رفض مزاعمه بشأن جرينلاند علنًا. لكن أوروبا لم تعلق كثيرا على التدخل الأمريكي في فنزويلا. وحتى في ما يتعلق بأوكرانيا، يبدو أن قادة من أمثال ماكرون وفريدريش ميرز، رئيس الوزراء الألماني، يميلون إلى تملق ترامب بدلا من معارضته معارضة صريحة.
فقد يزعم ماكرون أن أوروبا «تفضل الاحترام على المتنمرين»، لكنه ذهب إلى حد الدفاع عن طلب ترامب للمعادن الأوكرانية، معتبرا إياه وسيلة لشراء دعم الولايات المتحدة لكييف. لعل الجميع يرجون ألا يكون من بأس في تصوير ترامب نفسه باعتباره إمبراطور هابسبورج، طالما أن العالم سيعود في نهاية المطاف إلى الوضع الطبيعي القائم على القواعد. وهذا رهان خطير.
فقد جاء مجموعة مليارديرات سويسريين بسبيكة ذهبية وساعة رولكس مكتبية إلى المكتب البيضاوي، ثم حصلت سويسرا على بعض الإعفاءات الجمركية، ولكن بأي ثمن؟ وماذا عن المرة القادمة؟ كلما زاد استرضاء القادة الأجانب، سواء أهم من القطاع العام أم الخاص، لترامب، أصبحت هذه السلوكيات هي القاعدة في السياسة الدولية.
الخطوة الأولى لمقاومة هذه النزعة الملكية الجديدة هي «تسمية الواقع» كما نبه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس. فقد أشار إلى أن من «يتنافسون في ما بينهم ليكونوا الأكثر تساهلا، بتخلون عن السيادة. يرضون بممارسة السيادة مع قبول التبعية». وكارني محق.
وليس من المحتم أن يسود عالم الملكية الجديدة؛ فبلاد العالم الآن، بما فيها أقرب شركاء أمريكا، بحاجة إلى تقديم بديل متماسك، وتعبئة مواردها الجماعية الضخمة لمواجهة الرئيس ترامب ودعم نظام قائم على قواعد عادلة ودبلوماسية يمكن التنبؤ بها.
من شأن اتفاق محتمل بين الاتحاد الأوروبي ودول التكتل التجاري لأمريكا الجنوبية (ميركوسور) أن يمثل بداية جيدة، إذ سينشئ إحدى أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم وحصنا منيعا من التنمر الاقتصادي الأمريكي.
ويجب أن يواصل الاتحاد الأوروبي تسريع التكامل التجاري في آسيا وأفريقيا، طارحًا بديلا واضحًا لنظام قائم على الهبات والتهديدات. ويجب أن تكون الدول الأوروبية مستعدة لضخ تمويل منسق في صناعاتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
وعلى الصعيد المحلي، يجب على رجال الأعمال أن يدركوا أن مكاسب المحسوبية قصيرة الأجل أقل قيمة من سيادة القانون المستقرة طويلة الأجل؛ فشركات النفط الأمريكية الكبرى لا تغامر بالعودة إلى النفط الفنزويلي، ولن يروق لرأس المال أن ينتهي به المطاف في نفس وضع الأوليجارشية الروسية في ظل حكم بوتين، إذ يخشى باستمرار العقاب التعسفي وسياسة التجسس. فضلا عن أن العالم الملكي الجديد ليس في مصلحة الولايات المتحدة، ولا في مصلحة البشرية جمعاء. فهدفه الأساسي هو الانتزاع تحقيقًا لمصالح القلة بدلًا من توفير الأمن والازدهار للأغلبية.