قبل سنوات عندما كان وعي يتشكل ولا أقول إنه غير مستمر في ذلك شُغفت بالقراءة عن العواطف. لطالما آلمتني التفرقة بين القلب والعقل، بين أن تكون منطقيًا وعقلانيًا أو أن تكون عاطفيًا. وشعرتُ أن ثمة خطأ في هذه المعادلة مع توجسي من استخدام مفهوم رياضي هنا- فأنا لا أفهم تمامًا ما الذي يعنيه أن تتصرف وفقًا لعقلك، لأنني ببساطة لا أرى صحة هذا الزعم ممن يدعون أنهم «عمليين.» هذا بالإضافة طبعًا لكون «براغميتاهم» هذه تعني تسويغ شرهم الجذري، واعتمادهم على وصفات جاهزة لاستبعاد الآخرين أو إيذائهم.
اهتمت أدبيات النسوية أيضًا بهذا الموضوع، كيف أن العاطفة سياسية هي أيضًا وفككت ادعاء العقلانية هذا، ثمة دراسات ثقافية اليوم تعيد موضوع «مركزة» العقل في التفكير إلى نوع من «المركزية الثقافية المهيمنة» إذ إن الشعوب والثقافات اختلفت دومًا في مسألة أهمية العقل، لا بل إن بعضها اعتبر الروح والقلب أو «النفس» كما عند المسلمين المركز الأهم في الإدراك. ثمة كتاب يتناول هذه المسائل وقد صدرت ترجمته حديثًا لكنني لم أقرأه بعد وهو «التاريخ العجيب للقلب: رحلة في الثقافة والعلم» لفنسنت إم. فيغريدو وصدر عن دار النشر السعودية صفحة سبعة بترجمة مدى شريقي. هذا الكتاب لا يعدنا بدراسة مسألة القلب هذه ثقافيًا، بل يخبرنا عن نوع جديد من التجارب العلمية التي تشكك في مسألة أن القلب عضلة تضخ الدماء فحسب.
سرعان ما يتسابقون لإخبارك بمجرد التعبير عن آلامك، خصوصًا العاطفية منها، في بدايات الشباب بمجرد قولك «قلبي يتمزق» أن القلب مجرد عضلة تضخ الدماء، لا يوجد شيء ما هناك فهذه خدعة. ربما يريدون بذلك مساعدتك، لكنك تعجز عن تفسير الألم الذي ليس في رأسك فحسب، بل في صدرك في المكان الذي فهمتَ أنه موقع القلب. ثم حتى ولو قلنا بأن ما قالوه لك صحيح، لا نفهم ما الذي يجعلنا مهووسين بتأكيد ذلك، وما الذي يجعلنا نظن أن مكان الألم هو الدماغ، هل لأنه من يتعامل مع الإشارات العصبية؟ لكن تلك مسألةٌ أخرى.
بطبيعة الحال يعود هذا الاستقطاب لمراحل فكرية مر بها التاريخ، عصر «التنوير» مثلا جاء ليعلي من مكانة العقل والعقلانيين، بغض النظر عما إذا كانوا جميعًا قد فرقوا بين العقل والعاطفة فعلا أم لا، وصحيح أن كثيرًا منهم باستخدام هذا «العقل» قد رأوا أن الرجل الأبيض هو الوحيد الذي يستحق الحياة، وأن فلسفتهم تمركزت حول وجودهم وحدهم فحسب، إلا أنها فلسفة راسخة حتى وإن أخذتنا لحرب أوربية طاحنة أسميناها حربًا «عالمية»، عمومًا ما زلتُ أستخدم الأمثلة بعجالة وهذا خطير لكنني أعرض أفكاري لأختبرها معكم، أنا أفكر الآن كما لو أن هذا العمود مساحة للعصف الذهني. حتى نحن في عُمان خضنا قبل نحو عقدين نقاشًا بين من أسموا أنفسهم «العقلانيين» والمؤسسة الدينية، وكان العقلانيون قد خرجوا من المؤسسة الدينية نفسها، لكنهم قرروا مراجعة وإعادة فهم وتفسير مسلماتهم، وأنهم بذلك يرجحون «العقل»!.
عندما كنتُ أدرسُ علم الكلام في قسم الفلسفة بجامعة الكويت، تناولنا مسألة مركزية العقل في الطوائف الإسلامية، أهميته بالنسبة للمعتزلة مثلًا، لكنني صُعقت حقًا عندما عرفتُ أن أحد المذاهب لا يستبعد العقل فحسب، ولا يقول إنه لا يحمل الإجابات بل إنه يُحرم اللجوء إليه؛ فالإنسان عاجز عن إدراك الأمور بعقله، ولهذا فإن أيا مما لا يبدو مفهومًا يعود لأن الله كلي المعرفة هو من يعرف بالضبط لماذا يحدث ما يحدث. المسألة هنا أيضًا مسألة عاطفية حسبما أرى فهي تدعو «للإيمان» بوصفه مستقلًا عما يُسمى «العقل» و «الفهم» أو أيًا من تنويعات هذا.
لم يتوقف اهتمامي عن دراسة العواطف، حتى النوع المتخصص منها، فقرأتُ عن عواطف «الشعبوية» مثلًا، وفصولًا من فلسفة التعاطف مرجع روتليدج تحرير: هايدي ل. مايبوم بترجمة : منى الشدي، ليس هذا فحسب بل إنني قبل سنوات كنت مهووسة بقراءة الكتب عن عواطف الحيوانات وفهمها فقرأت «العدالة في عالم الحيوان» لمارك بيكوف وأذكر بأنني قرأت فصولًا من كتاب داروين التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان» وأعترف بأن الأمر مازال مربكًا بالنسبة لي.
زاد شعوري بالمسؤولية في التفكير بهذا الموضوع خلال السنتين الأخيرتين، فمع كل ما حدث ولا يزال يحدث، ما انفككتُ أفكرُ في مسألة العواطف ودورها فيما يحدث، ودورها الذي يغيب عن إيقاف ما يحدث أيضا وتغيير هذا العالم الذي نعيش فيه. أنا في حيرة من أمري عندما أشاهد القدرة على تمزيق الأجساد أولاً ثم عرضها على الشاشات ثانيًا وربط ذلك بنوع من المصالح، وأشعر بأننا بحاجة للحديث عما تعنيه كلمة المصالح هذه، أفكر كيف يمكن أن أتناول طعامي بدون غصة وأنا أعرف أن أكثر من نصف الناس في العالم لا يمتلكون شربة ماء ناهيك عن الطعام. أسأل فيما إذا كانت الثورة التي ننتظرها دومًا ليست إلا ثورة عاطفية، أو لنتواضع قليلًا لنرى أن العقل والعاطفة شيء واحد، وأن المصلحة مثلًا نتيجة لعواطف معقدة جرت معالجتها على نحو ما.
أما عني فأنا غاضبة، ومجروحة، وحزينة، وخائفة، وآسفة لكوننا نعيش ما نعيشه.