وأنا أتابع اليوم بدهشة وسؤال ما يحدث في الكون، أفكّر في الرواية الممكنة التي يمكن أن تعبّر عن هذه المرحلة من عمر الإنسانيّة، مرحلة تَسقط فيها السرديّات الكبرى التي طالما سادت وصنعت أذهانا ورؤى وآمالا ومشاريع، سرديّات كبرى تبدّدت بفعل انهيار الاعتقاد في الإنسانية والفكر والعلم، وتحوّلِ مصادر المعرفة وأشكالها ومنابتها، والأهمّ من كلّ ذلك، تغيّر النماذج العليا التي يمكن أن تقتدي بها أجيال.

كأنّ التاريخ، بعد أن وعد ببلوغ المعنى من الوجود وبتحقيق العدالة وبلوغ الحقيقة، تخلّى فجأة عن كلّ ذلك، وترك الإنسان وحيدا في فراغ القيم، لا يبحث عن الحقيقة، بل عن احتمال الاحتمال. مرحلة ينظَّر فيها قولا وفعلا للإنسان الأقوى الذي صنعته فلسفات نازية صفويّة تدميرية، تسير عكس إرادة الإنسان، فكرة الأنا الأعلى، الأنا الفرعوني الطاغي، الذي يسخِّر كل العلوم والمعارف والثقافات والفنون والأموال لمساره، الأنا الترمبيّة التي يمكن أن تبيد شعبا في غزّة وأن تجوّز هذه الإبادة، التي يمكن أن تختطف رئيسا لدولة وتلقيه في غيابات السجون، الأنا التي يمكن أن تمدّ يدها دون حرج أو وجل لتأخذ مدينة من أهلها، وأن تشتري دولة بمالها، وأن تقايض أمن الدول والشعوبَ. ليست هذه الأنا وليدة السياسة وحدها، بل هي نتاج عالم لم يعد يحتمل الفراغ، فاخترع قوة بلا أخلاق كي لا يواجه العدم. لا يعنيني سرديّا إن كان هذا صوابا أو خطأ في كون السياسة، ولكن يعنيني أن حكايات جمّة بصدد التشكّل والتكوّن، لأنّ التاريخ، حين يعجز عن أن يكون عادلا، يتحوّل إلى مادة خام للسرد، لا يدان فيه الحدث بقدر ما تختبر آثاره على الإنسان. الإنسان اليوم لا يحكي العالم ليعظ أو ليمثّل أو ليحلم، بل يحكي كي لا ينهار في ظلّ هذا الدمار وممكن الجوع الكوني وممكن الضمأ الكوني وممكن الإبادة الكونية. فالحكاية لم تعد خطابا أخلاقيا، بل آلية بقاء، بها فقط يحتفظ الإنسان بحدّ أدنى من تماسكه الداخلي. في ظلّ كلّ هذا تحوّل الرواية من دورها وموقعها وأدواتها، وعليها المعوَّل في حماية الإنسان من السقوط في قاع اليأس والانهيار. انهيار السرديات الكبرى التي بقيت أزمنة تظلّ الإنسان، وتقدّم له قصّة عن الماضي، وعن المقبل، عن الحياة وعن الممات، عن الوجود وعن العدم، لم يبق الإنسان -باعتباره كائنا حكّاء- دون قصّة تحميه من تغوّل الواقع.

القصّة التي حملتها الرواية وهْنا على وهن، دون ادّعاء صدق أو حقّ، ودون وعد بالخلاص أو تصدّر لاحتواء المعنى وامتلاكه، أو تبشير بسير التاريخ في مساره الطبيعي، وإنّما هي عارضة حيرة الإنسان إذ يحيا عالما خاليا من اليقين.

حملت الرواية همّ الإنسان لتحلّ محلّ السرديّات الكبرى السّاقطة، دون أن تدّعي أنّها تقدّم سرديّة بديلة، بل تنحو منحى الإشعار بتلبّس الإنسان وتردّده وهشاشته، وبزمنه المكسور وذاكرته المثقوبة، وأخلاقه الخالية من الضمانات. أدركت الرواية أنّ الإنسان لا يحتاج إلى تفسير العالم ولا إلى شرحه، بل هو محتاج أن يعي ذاته وهو داخل هذا العالم، أن يدرك كيف يستَنزف بحثا عن المعنى، أن يعيش الخير والشرّ دون حدّ أو تعريف. كأنّها أدركت أخيرا أنّ الحقيقة أثقل من أن تحتمل، وأنّ الإنسان لا يحتاج إلى جواب بقدر ما يحتاج إلى صيغة يعيش بها سؤاله. لقد نقّلت التجربة السرديّة الأسئلة الوجوديّة من حيّز التجريد إلى حيّز الكون، ومن نطاق البحث عن الحلّ إلى نطاق الانفتاح على التجربة دون أمل في حلّ ممكن.

أضحت الرواية أفق فكر في كون فارق النسقيّة فاحتضنته التجربة الروائية، ليست الرواية اليوم أدبا خالصا، بل حياة، فيها الزمن المرن، مفكك، متناقض، غامض، قد تمّحي فيه الحدود الفاصلة بين برهه الثلاث، وقد يتكسّر التراتب المنطقي الوائم بين الماضي والحاضر والمستقبل. الذاكرة ليست سجلّا، بل لوحة مشوشة، تتلاشى فيها التفاصيل وتتصادم فيها الحقائق مع الأحلام والهواجس. هكذا يتحوّل القارئ إلى شاهد على تجربة الإنسان الكامل، لكنه لا يلتقط معنى واحدا، ولا يخرج من القراءة بأجوبة جاهزة. فالتجربة السردية اليوم ليست انتصارا على الأحداث، بل صراعا مع استحالة السيطرة على الزمن، ومع تضارب الذكريات، ومع فهم الذات في لحظة عابرة. في هذا العالم، لم يعد بطل الرواية نموذجا، ولا صوتا فردا للحقيقة، بل أصبح كائنا هشّا يخطو وسط الفوضى، يتعثّر ويعيد ترتيب نفسه مع كل فصل ومع كل صفحة.

البطولة لم تعد ممكنة، لأنّ الزمن نفسه فقد وظيفته قادحا للسرد الخيالي التقليدي؛ الشخصية لم تعد تتغلب على الشرّ أو الظلم، بل هي تصارع البقاء النفسي والمعنوي في واقع تفتّت فيه القيم. الرواية إذا، بدل أن تقدّم إجابات، تحصر القارئ داخل مشهد التجربة الإنسانية المتكسرة، وتفرض عليه أن يعايش ما لم يعد قابلا للهيكلة أو الاختصار في نموذج بطولي.

هي ذي ثورة السرد، إلغاء الحكاية الكاملة، والاعتراف بأنّ الإنسان يمرّ بزمان وذاكرة لا يمكن أن يبلغا المعنى ولا جوهر الحقيقة، وأنّ كل محاولة لاستعادة البطولة النهائية وهم زائف. كما لو أنّ الفنّ لم يعد يَعد بالخلاص، بل يمنح الإنسان منفى مؤقّتا من القسوة. في ظلّ هذه التحوّلات الجذريّة في الاعتقاد، أرى الرواية العربيّة قد تهيّأت للدخول في تجربة سرديّة تكون فيها أمل الإنسان في تجنّب التداعي والعيش كما الأنعام. الإنسان العربي الذي ملّ البحث عن إجابة، عن حقيقة، عن مثال، هو في أمسّ الحاجة اليوم لحكايات تأخذ بيده لتنتشله من قاع العبث، وتزيد من قدرته على التحمّل والمراقبة والعيش مع الفوضى.

للرواية العربيّة الآن وهنا أن تتمثّل هذا الوضع وأن تدرك دورها، وأن تتشبّث ببقايا الإنسانية، وأن تعيش عمق التجربة البشريّة وأن تنأى عن تقديم الإجابات وعن الالتصاق بظاهر الواقع الجافّ، وأن تحملنا طوعا على تَحمّل معرفتنا بأنّنا لم نعد نعرف، وأن تقدّم الحكاية التي تقوّي مناعتنا لنتحمّل واقعا كؤود الحَمل، وأن تبقينا قِيَاما في كوْن كلّ ما فيه يدفع إلى التهاوي.