حاورها: سليمان المعمري -

تنتمي وفاء الطبوبي إلى جيل مسرحي تونسي يشتغل على إعادة بناء العلاقة بين الجسد والكلمة والفضاء المسرحي، ضمن رؤية ترى المسرح فعلًا إنسانيًّا وفكريًّا في آن. تخرّجت من المعهد العالي للفن المسرحي في تونس، وراكمت تجربة تجمع بين الكتابة والإخراج والتأطير، مع اهتمام واضح بأسئلة الهشاشة الاجتماعية ومصائر الشخصيات المهمَّشة، ولا سيما النساء. قدّمت أعمالًا مسرحية لافتة مثل «الأرامل» و«آخر مرّة»، قبل أن يرسّخ عرضها «الهاربات» حضورها عربيًا، حين نال عنه «التانيت الذهبي» في أيام قرطاج المسرحية، ثم تُوِّج مؤخرًا بجائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي خلال مهرجان المسرح العربي في القاهرة.

في «الهاربات»، تفتح الطبوبي سؤالًا واسعًا عن معنى الهروب، وعن الشجاعة اللازمة للتوقّف عنه، من خلال حكاية ستّ شخصيات تائهة في شوارع المدينة. تقوم تجربتها على ما تسميه «الخطاب الحركي»، حيث يصبح الجسد حاملًا أساسيًّا للمعنى إلى جانب اللغة، وتميل إلى مزاوجة التراجيدي بالسخرية، وإلى الاشتغال على سينوغرافيا توهم بالرحلة وتكشف الدوران في المكان نفسه. في هذا الحوار، نقترب من عالمها الفني ورؤيتها للمسرح باعتباره مساحة للحرية، وبحثًا عن المعنى، وتشريحًا للإنسان المعاصر في قلقه وهشاشته.

* دعيني كمفتتح لهذا الحوار أسألك: هل «الهاربات» في رأيك عرض عن الهروب أم عن الشجاعة اللازمة للتوقف عن الهروب؟

مصطلح الهروب في قراءة أولى يدل على الجبن والرجوع إلى الخلف، لكن الهروب يحمل أيضًا معنى الشجاعة؛ الهروب من العنف، من الخذلان، من الحياة البائسة. هو الهروب إلى الأمام وليس إلى الخلف. الهروب قوة. قرار. أن نهرب من حياتنا البائسة هو قرار قوي وصادم بعد التعود على الخذلان. الهروب فعل حر. نحن نواجه منظومة حياة اقتصادية واجتماعية بائسة تجعلنا نعيش مثل الماكينة أو الآلة دون إحساس، أن نهرب من هذا النمط شجاعة وقوة. ليس كل إنسان قادرًا على الهروب من هذه المنظومة. لذا؛ فإن الهروب هو فعلًا قوة في نظري وشجاعة.

• ذكرتِ في المؤتمر الصحفي في القاهرة قُبَيل العرض أن فترة العمل على «الهاربات» استغرقت نحو ستة أشهر من التمارين المتواصلة، وهو النهج نفسه الذي اتبعتِه في أعمالك السابقة، حيث تقوم العملية الإبداعية لديك على تدريب الممثل وبناء العلاقة العضوية بينه وبين عناصر العرض كافة. هل أنتِ بصدد الدفاع عن مشروع مسرح جسدي طويل النَفَس في مواجهة ثقافة الاستسهال؟

أولًا بالنسبة لمنهجي [القائم على] ستة أشهر من التدريبات هو منهج مقسم ومجزأ للبلوغ إلى العرض، أي أنني أشتغل في مرحلة أولى، في الشهر الأول، على إعداد الممثل؛ جسديًّا، كما قلتَ أنا أشتغل على الجسد كجزء من العرض، ولإعداد هذا الجسد يجب تدريبه، وتحضيره، وتجهيزه لتقمص الشخصية، وتبني نسق عملي. ليس كل مخرج يشتغل على الجسد، وهذا يتطلب مني إعدادًا كبيرًا، [يتمثل في] تدريب الممثل جسديًّا، ونفسيًّا، وإعطائه النص، وحفظ هذا النص، والتدريب على الشخصية. هذا يتطلب مني ستة أشهر من التدريب المتواصل. لا أستطيع أن أشتغل بطريقة «الساندويتش السريع» شهرًا أو شهرين. أعتبر هذا استسهالًا وترذيلًا للفعل المسرحي، يتعارض مع منهجي، لأنني في الأساس مدربة ممثل يقوم عملي على تكوين الممثلين. لا يمكنني أن أشتغل بهذا الأسلوب الذي لا ينطبق مع منهجي. بالنسبة إلى الجسد فإن من يعرف مسرحيتَيَّ «الأرامل» و»آخر مرة» يعرف أنه جزء مهم من العرض، والمناهج المسرحية كلها تشتغل على إعداد الممثل، أي أن هذا ليس أمرًا جديدًا يحدث معي. بل هو تأكيد على أن الفعل المسرحي يرتكز على الممثل الذي هو صوت وجسد وإحساس. وفي أعمالي فإنني مثلما أكتب النص اللفظي أكتب أيضا النص الحركي، فعرضي يشتغل على ثنائية هذين النصّين. وما تعجز الكلمة عن قوله يفلح الجسد في التعبير عنه. هناك جزء مهم من الإنسان هو الجسد نعبّر به من خلال الأحاسيس والعواطف. أعتبر أن جسد الممثل هو النص الناطق بالأحاسيس، لذلك تجد عرضي ينقسم إلى جزئين؛ النص الحركي والنص اللفظي، وهذان النصان يشتبكان ويلتفّان من أجل إعطاء عرض كامل متكامل، بــ»كوداته» وشفراته يعطينا معنى كاملًا للعرض. لذلك فإن الجسد والخطاب الحركي بالنسبة لي جزء لا يتجزأ من العرض المسرحي الذي أصنعه وأقدمه للفرجة العالمية، وليس التونسية أو العربية فقط. فالجسد رابط عالمي، ويمكن لأي جنس بشري من أي دولة في العالم مشاهدة عرض يقوم على الجسد.

* نعم. ولذلك يبدو الجسد هو الحامل الأساسي للمعنى في «الهاربات» أكثر من الحوار اللفظي. دعينا الآن أسألك عن وصف الناقد محمد أمين بنيوب العرضَ في الندوة التطبيقية بأنه «ملحمة الهروب ومحنته»، حيث لا وقت ولا جغرافيا ولا هويات ثابتة؛ هل كان هاجسك منذ البداية هو القبض على حالة وجودية عامة أكثر من حكاية اجتماعية محددة؟

دائمًا لا أتحدث عن «الهاربات» فقط، وإنما أتحدث أيضًا عن منهجي وأعمالي السابقة لمن لم يشاهدها. عندما أشتغل على مسرحية لن ترى مكانًا ولا زمانًا، ولن تسمع أسماء للشخصيات، فهي بدون أسماء ولا هويات، لأني أشتغل على الكونية؛ كونية الإنسان في وجعه، في صراعه اليومي مع الحياة، في صراعه النفسي مع عدم الرضا؛ لماذا هو الآن؟ لماذا هو موجود؟ لماذا خُلِق؟ هذه الكونية تدفعني إلى أن أضع الإنسان على الركح بكل دقّة، كأنك تعرفه، وكأنه يشبه مجتمعك، لكنه في مشاغله وأوجاعه إنسانٌ كونيّ يشبه الإنسان في كل مكان. وأنت ترى الإنسان بعد كورونا، وبعد الأزمات الاقتصادية والسياسية في العالم، كيف أصبح يعيش حالة اكتئاب عامة، ويعيش وجعًا وعدم رضا، ويخوض صراعًا نفسيًّا معقّدًا، معلنًا أحيانًا وغير مُعلن أحيانًا أخرى. هذا الإنسان وجب تشريحه على الركح، ووجب وضعه كحالة إنسانية؛ حالة لا تنفصل عن حالته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إنه إنسان مريض، عليل، يتساءل حائرًا وضائعًا: لماذا أنا موجود اليوم في عصر فقدت فيه الإنسانية، وفقد فيه الإنسان قيمته اليومية؟ وكما رأيت، جاء النص والعرض في شكل طريف، على الرغم من تراجيديتهما، عبر تلك الكوميديا السوداء. إنه حزين لكنه مبتسم، يريد أن يحيا وأن يكون موجودًا؛ لا يشبه الشخصية التونسية إلا بلهجتها التونسية، لكنه يشبه إنسان اليوم في كونيته، وفي صراعه اليومي، وفي عالميته. الإنسان المعاصر يعيش ضياعًا وحزنًا وصراعًا وجوديًّا، ويبحث عن ذاته: لماذا هو موجود اليوم؟ هل هو إنسان حامل للمشاعر، أم آلة تُستخدم بلا معنى، تحيا وتموت بلا معنى؟ هذا هو الإنسان كما أراه في «الهاربات»: إنسان فقد مشاعره، يُستعمل كآلة في العمل، يشتغل من الصباح الباكر إلى الليل بلا معنى، يجري وراء قوته اليومي، ويفقد إنسانيته.

* إذا ما تركنا العرض جانبًا وتحدثنا عن النص؛ نص «الهاربات» هو نص بلا إشارات مسرحية، وخالٍ من التوجيهات الجانبية، وأمكنته غير معرفة باستثناء فضاء المحطة؛ لماذا اخترتِ هذا القدر من التجريد والفراغ في الكتابة؟

ليس فراغًا. في الحقيقة هو امتلاء. هو تفريغ من «الزمكان» ومن أسماء الشخصيات، لكنه امتلاء بالمعنى. عندما أضع اسمًا للشخصية، أجعل المتلقي مرتبطًا بأشياء محدودة، لذلك اخترتُ أن تكون الشخصيات بلا أسماء، حتى يستطيع المتلقي أن يتبناها ويرى فيها ما يشبهه. الزمان والمكان عندي متعددان، لأن هذه الشخصيات، كما قلت لك، ليست مربوطة بالمجتمع التونسي وحده، بل بالمجتمعات العربية وبالعالم كله، إذ إن قضايا الشخصيات الست تشبه قضايا العالم. أردت أن تمسّ شخصياتي القضايا الكونية، قضايا الإنسان اليوم: نصّ فارغ من الإشارات، لكنه مليء بمعنى البحث عن الإنسان. لم أذكر في النص إلا «المحطة»، لكن أي محطة؟ هل هي محطة الحياة؟ البداية؟ بداية حياتنا؟ الانزلاق؟ أم محطة حقيقية هي محطة النقل العمومي؟ أم محطة وهمية تعيشها الشخصيات في خيالها؟ لم أُعطِ إشارات دقيقة، لكي يرى كل متلقٍّ نفسه في هذه الحكاية: هل هو هذه الشخصيات؟ هل عاشت فعلًا رحلة البحث عن المحطة؟ أم أنها لم تغادرها قط، وما تزال واقفة إلى اليوم تنتظر وسيلة النقل التي ستأخذها إلى الحياة التي تتمناها، وإلى العمل الذي يوفّر لها ظروف العيش والموارد المادية التي نطمح إليها دائمًا؟ إنها رحلة افتراضية، رحلة وهمية، تمنّيتُ أن يعيشها كل متلقٍّ بطريقته.

* لنتحدث عن الشخوص المسرحية. طبعًا هذه الشخصيات التي أدتها الفنانات فاطمة بن سعيدان ومنيرة الزكراوي ولبنى نعمان وأميمة البحري وصابرين عمر، إضافة إلى الفنان أسامة الحنايني، كلها تنتمي إلى الهامش. إلى أي حدّ يمكن اعتبار «الهاربات» محاولة لإعادة تعريف من يستحق أن يكون في مركز الحكاية المسرحية، عبر نقل الضوء من «المرئيّ اجتماعيًّا» إلى «المنسيّ والمنبوذ»؟

هي ستّ شخصيات من العاملين في مهن هشة. من بينها شخصية المعينة المنزلية، وهي خادمة تشتغل في المنازل دون مردود مادي محترم، وأنت تعرف أن العاملات في هذه المهنة، في أغلب بلدان العالم، لا تتوفر لهن موارد مالية تضمن لهن حياة كريمة. وهناك شخصيتان أخريان: الرجل الذي أدّى دوره أسامة، ولبنى، ويعملان في مصنع خياطة ومعمل كابل، أي مصنع قطع غيار سيارات. وهناك أيضًا شخصية تشتغل مدرّسة، ومهنة التعليم اليوم أصبحت من المهن الهشة، لأن مردودها المادي بدأ يتراجع في العالم كله، بعد أن كانت في الأعوام السابقة من المهن ذات المكانة المادية المعتبرة، وذلك نتيجة تراجع قيمة التعليم والاهتمام بالمربي والأستاذ. وشخصية المدرّسة غير المرسّمَة، أي التي لا تشتغل بدوام كامل، تؤديها صابرين. وهناك كذلك شخصية المتدربة على المحاماة، المجازة في القانون وتشتغل كاتبة لمحامٍ على أمل أن تصبح في المستقبل محامية. كل هذه الشخصيات بلا أسماء: ذكرتُها بـ «هي 1» و«هي 2» و«هي 3» و«هي 4» و«هي 5» و«هو 6». إنها شخصيات بلا أسماء، وذكرتُها بأسماء الممثلين؛ لأن كلًّا منا يمكن أن يتبنى شخصية منها وينسبها إلى أشخاص يعرفهم في حياته أو في خياله، مرّوا بتجارب تشبهها. هي شخصيات تشبه يومنا المعيش: كلّ منا يرى معينة منزلية، ومتدرّب محاماة، وأستاذًا وعاملًا في مصنع. هذه الشخصيات هشة، تشتغل بشكل آلي؛ تذهب كل يوم فجرًا إلى العمل من دون أن تسأل نفسها لماذا تذهب. هي مضطرة إلى ذلك بحكم النظام الرأسمالي: تشتغل دون توقف لتوفير المعاش، والأكل، والأجر، والحياة الاجتماعية، من دون أن تسأل نفسها: هل هي سعيدة في عملها؟ هل تذهب إلى العمل برغبة أم مرغمة؟ هنا قررت الكاتبة أن توقف هذه الشخصيات، وتدفعها إلى الانتظار بدل الذهاب إلى العمل، وأن تجعل من الضياع في أرجاء شوارع المدينة مغامرة لها. هي شخصيات تريد بإصرار الذهاب إلى العمل، لكنها تضلّ الطريق في الأزقة والشوارع وتفقد المعنى، وفي هذا الضياع تبدأ في التساؤل، ويسأل بعضُها بعضًا: لماذا نعيش بهذا الشكل؟ ويُفتح باب النقاش حول الحياة وقساوتها، والظروف الاقتصادية، والمشاكل الشخصية والعائلية. يتصارعن، يتحاورن، يضحكن، ويغنين في طريق الذهاب، إلى أن يضللن الطريق المؤدي إلى العمل. في هذا الضياع يوجد صراع وموقف، ونرى الشخصيات تتخذ قرار تغيير حياتها، والتمرّد على الروتين اليومي، وإحداث ثورة داخلية. هي شخصيات بسيطة جدًّا، لكنها شخصيات ثائرة على المعنى، وثائرة على الرتابة اليومية.

* نأتي الآن إلى السينوغرافيا: اخترت فضاء المحطة - كما ذكرنا قبل قليل - مكانًا للعرض حيث تحول هذا الفضاء إلى ما يمكن تسميته «حلبة صراع نفسي» وسينوغرافيا متحركة لها دلالات عميقة. احكِ لنا عن تعاملك مع السينوغرافيا واشتغالك على تحويل المكان الواقعي إلى مكان رمزي.

حسنًا. عندما أكتب النص، أرى العرض بكل جزئياته: باب «الكوستوم»، أزياء الشخصيات، السينوغرافيا، والموسيقى. كل واحدة من هذه الجزئيات تتحدد مع كتابة النص بدرجات متفاوتة، غير أن السينوغرافيا تظلّ العنصر الأكثر حضورًا؛ فهي تبدأ في «المحطة»، لكنها لا تُظهِر لنا، في البداية، أي علامة بصرية واضحة تدل على أنها محطة. الشخصيات تقول لنا إنها محطة، لكننا لا نرى أي إشارة سينوغرافية تؤكد ذلك. ومع تحرّك الشخصيات في بحثها عن طريق الذهاب إلى العمل، تبدأ العلامات في الظهور: نرى طرقات، إشارات مرورية، ونرى ما يؤثّث الطريق ممّا نسمّيه في التونسية «الكيّس» (chaussée) و«الترتوار»(trottoir)، أي إسفلت الطريق ومائدته. ومع هذا التحرك، تتحرك هوية الطريق ويتبدّل شكله. لكنّ هذه العناصر تظل ذات طبيعة رمزية ودلالية؛ فهي إشارات توحي بأن المكان يتحرّك، في حين توجد، في الوقت نفسه، إشارات أخرى تؤكد أن المكان لم يتحرّك ولم يتغيّر. فكل طريق نسلكه يشبه الطريق الذي سبقه. السينوغرافيا توهم الجمهور بأن الشخصيات تعيش مغامرة رحلة، لكنها في لحظة معيّنة تكشف أن الشخصيات لم تتحرّك مترًا واحدًا. إنهنّ ضائعات في المكان نفسه، يدرن ويدرن في الزمن ذاته، وكأنهنّ داخل متاهة. السينوغرافيا هنا تحمل رمزية الشارع كما نعيشه اليوم. نحن نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في الشارع، سواء كنّا نقود سياراتنا أو نمشي على أقدامنا، لكننا نادرًا ما ننتبه إلى تفاصيله: إلى أنه ممتلئ بأناس حزانى، وتائهين، ومكتئبين، وبآخرين يبحثون عن ذواتهم. نمشي في الشارع ولا ننظر في أعين الذين يمشون معنا في الطريق نفسه، كأننا نسلك الطريق دون أن نتأمّل مَن حولنا أو نلتفت إلى مَن يشاركوننا المسير.

* بالعودة إلى الناقد محمد أمين بنيوب؛ هو يربط في ورقته النقدية عرض «الهاربات» بلوحة «الهروب من الإطار» للرسام الإسباني بيري بوريل دِل كاسو، التي تصوّر شابًا فقيرًا يغادر إطار اللوحة وهو في حالة اندهاش وفزع وتوتر. سؤالي: ما الذي أردتِ أن تهربي منه تحديدًا في «الهاربات»: الواقع؟ أم القوالب المسرحية؟ أم أشكال التفكير نفسها؟

والله أردتُ أن أهرب من هذا كله. حقيقةً أنت جمعتَ ما أردتُه كله. أردتُ أولًا أن أهرب بشخصياتي التي أتعاطف معها، إلى حياةٍ أفضل. أردتُ أن أهرب من الشخصيات الواقعية إلى شخصياتٍ متخيَّلة على الركح. فالركح لطيف بهذه الشخصيات، الركح حالم، ثائر، مختلف. ولذلك أحبّ المسرح وأريده؛ لأن المسرح خيال، وحُلم، وحياة أخرى. على الركح أرى هذه الشخصيات جميلة وحالمة. أمّا إذا ذهبتَ إلى عالم العمّال في الواقع، فستجد البؤس والحزن وشخصياتٍ متصارعة بلا جدوى. لكنّ شخصياتي على الركح ألطف وأجمل. الهروب إلى الخيال أجمل وألطف. وأنا، أريد دائمًا كما حاولتُ في مسرحية «آخر مرة» ومسرحية «الأرامل»، أن أبحث عن طريق آخر يشبهني، ويشبه كتابتي، ويشبه ما أفكّر فيه: الهروب إلى الأمان، إلى المعنى، إلى البساطة، الهروب من الاستسهال، الهروب إلى معاني المسرح الحقيقية. أردتُ أن أهرب إلى المسرح، لأن المسرح فعل حيّ، ولأن الهروب إليه شجاعة وقوّة وخيار وانتصار للإنسان.

* عنوان العرض «الهاربات» جاء بصيغة الجمع المؤنث، وحضور خمس نساء مقابل رجل واحد، وهو ما يدفع للسؤال: هل هذا اختيار رمزي واعٍ من وفاء الطبوبي أم مجرد مصادفة درامية؟

واعٍ طبعا. أولًا، «الهاربات» هنّ خمس نساء ورجل واحد. ووفق قواعد اللغة العربية، إذا دخل رجل على جمع من النساء يُذكَّر الجمع ويصبح «الهاربون». وقد رأيتُ في ذلك نوعًا من اللّاعدالة اللغوية. اللغة هنا ليست عادلة، وأنا أشتغل أصلًا على فكرة العدالة الاجتماعية. بدا لي أن اللغة تظلم الأغلبية؛ لأن النِّصاب في هذا الجمع هو للنساء، فلماذا يكفي دخول رجل واحد ليقلب الصيغة إلى المذكّر، رغم أن الغالبية نساء؟ ولأنني رأيتُ في هذا ظلمًا، قرّرتُ أن أمارس العدالة بنفسي، فجعلتُ العنوان «الهاربات»، محافِظةً على المؤنث ما دامت الكثرة للنساء. فاللغة من صنع الإنسان، والإنسان هو الذي وضع هذه القاعدة التي تجعل مجرّد حضور المذكّر، ولو كان واحدًا، يغلب خمس نساء في الصياغة. وهنا يطرح السؤال نفسه: من الأقوى، العدد أم اللغة؟ في الحساب، خمسة مقابل واحد تعني أن خمسة أكثر من واحد. فلماذا ما هو صحيح رياضيًّا لا يكون كذلك لغويًّا؟ ولماذا يغلب المذكّر الواحد خمس إناث؟ بهذا المعنى، حاولتُ أن أجعل اللغة عادلة، على الأقل داخل هذا العمل، وهذه في نظري رمزية فنية. وأنا أحبّ الفن والمسرح تحديدًا لأنه يشتغل على العدالة الإنسانية ويكسر القواعد الجامدة. أما لماذا خمس نساء تحديدًا، فلأن العاملين في الأعمال الهشّة في مجتمعاتنا، وفي مجتمعات العالم عمومًا، غالبيتهم من النساء: عاملات النظافة، المعينات المنزليات، والعاملات في معامل الخياطة، إلخ. لذلك كان اختياري للنساء اختيارًا معرفيًّا وواقعيًا في آن، لأن الأعمال الهشّة تقوم في معظمها على أكتاف النساء.

* أي أنه اختيار إنساني بالمعنى العام وليس اختيارًا نسويًّا؟

لا، لا. ليس له علاقة بخيارٍ نسوي. لستُ في هذا المنحى أصلًا، أنا في اختيارٍ علمي. إذا أخذنا تونس مثلًا، فإن نحو 85% من الأعمال الهشّة تشتغل فيها نساء، وهذه نسبة لم تأتِ اعتباطًا، بل هي نتيجة اشتغال بحثي على هذه المسألة. وفي العالم أيضًا، أغلب عمّال المعامل والمصانع من النساء، ومهنة العمل في المنازل تمارسها النساء بنسبة تقارب 90%. أي أن المهن الهشّة التي اخترتُها في هذا العمل تشتغل فيها النساء أساسًا. وهذا ليس واقعًا تونسيًا فقط، بل واقع عالمي. نادرًا ما تجد رجلًا يشتغل في خدمة البيوت، فالغالبية الساحقة من العاملين في هذه المهنة الهشّة هنّ نساء. لذلك فالمسألة هنا مسألة بحثية ومعرفية بحتة، لا أكثر.

* أريد أن أعود إلى الكوميديا السوداء التي تفضلتِ بذكرها في سياق إجابتك عن سؤال سابق، ولم نعطِها حقها من النقاش. في هذا العرض تحضر الكوميديا السوداء -كما تفضلتِ- وهناك نقد وتشريح للواقع من خلال السخرية. دعينا نتحدث أيضا عن هذا الجانب.

دائمًا أقول: «عندما نصل إلى ذروة التراجيديا تنكشف الكوميديا»، وكأن في رحم التراجيديا تولد الكوميديا. شخصياتي تراجيدية تصارع واقعها، لكنها تصارعه بالأمل في الحياة وبالتشبّث بها. هي شخصيات تبدو فقيرة وبائسة وغير سعيدة، لكنها - كما نقول في التونسية - «ضامرة»: أي طريفة، تواجه بؤس اليوميّ بروح كوميدية. إنها تسخر من الحياة وقوانينها، تسخر من اللّاعدالة الاجتماعية، وتسخر ممن يحاولون التحكّم في مصيرها، كأنها تقول لهم: «توقّفوا، أنا بطل تراجيدي قوي، أصارع قدري لأجعلَه أفضل». وهي لا تصارعه بالبكاء، بل بالسخرية والتهكّم والمواجهة، بل وبالقتال أحيانًا، كأنها تقول له: «أنت محدود وبائس وضعيف، أمّا أنا فقد تعلّمت أن أكون شخصية تراجيدية». هذه الشخصيات تمتلك أنفة، وروح مداعبة، وروح ضحك، وكأنها تعوّدت أن تعيش التراجيديا من دون أن تستسلم للحزن. إنها تخوض صراعها بشكل كوميدي ساخر، وتسخر من الحياة نفسها، محتفظة بقيم الشخصيات البطولية والتراجيدية الكبرى، الإغريقية منها تحديدًا، التي تعيش بكل حرّية ولا تأسف على أي وضعية درامية تعيشها.

* حسنا. بعد «الهاربات التي جمعت بين النص والجسد والكوريغرافيا.........

(مُقاطِعةً): ليست كوريغرافيا. لا أقول كوريغرافيا في فن منهجي. أقول «النص الحركي»، أو «الخطاب الحركي». لأن من كتب ذلك النص هو مسرحيٌّ، هي مخرجة مسرحية. في أعمالي كلها كان هناك خطاب حركي. الكوريغرافيا للراقصين وليس للممثلين.

* نعم. وإن كانت هناك حركات راقصة في المسرحية.

ليست حركات راقصة. هي خطاب حركي. في منهجي أتمسّك بهذا المصطلح الذي صغتُه بنفسي: «الخطاب الحركي». قد تراها أجسادًا تتحرّك، لكنها لا ترقص، بل تُنتج أيضًا شفرات و«كودات» نصيّة. حين ترى أجساد الممثلين على الركح، فأنت لا تشاهد رقصًا، بل تشاهد أجسادًا تقول إنها تسافر في الفضاء، أجسادًا لها دلالات حركية ودرامية أيضا. لذلك أتمسّك بتعبير «الخطاب الحركي»، لأنه يعبّر عن مجهود مسرحي بالأساس، لا عن مجهود كوريغرافي.

* حسنا. دعيني إذن أعيد صياغة السؤال: بعد «الهاربات» التي جمعت بين النص والجسد والخطاب الحركي والرهان الاجتماعي؛ هل تشعرين أنك اقتربتِ أكثر من المسرح الذي تريدينه فعلا؟ أم أن هذا العرض ليس سوى محطة أخرى في رحلة الهروب الأكبر، إن جاز التعبير؟

والله لا أعرف. أنا أعيش مرحلة بحث بكل تلقائية. لا أعرف إن كنتُ قد وجدتُ طريقي أم لا، لكنني أعرف أنني ما زلتُ أبحث عنه. طريقي يتأسّس من عرض إلى عرض: كما اشتغلتُ في عملي الأول، وكما اشتغلتُ في «الهاربات»، أواصل العمل على ثنائية الخطاب الحركي والخطاب اللفظي، وسأستمرّ في هذا المنهج. لكن هل وجدتُ ضالّتي؟ لا أعرف. ما أعرفه أنني ما زلتُ أبحث عن طريقي، وما زلتُ أشتغل على فكرة العدالة الاجتماعية في مسرحي، وألتمس طريقي كما تلتمس شخصيات «الهاربات» طريقها. شخصياتي ربما وجدت طريقها، ولكني لا أعرف إن كانت وفاء الطبوبي وجدت طريقها. ليست لديّ إجابات جاهزة. أنا فقط أواصل السير إلى الأمام، من دون أن أعرف إن كان هذا «الأمام» هو الطريق الصحيح، أم أنه عودة أخرى إلى البدء. لستُ أملك يقينًا واضحًا، لأنني -مثل شخصياتي- أعيش حالة بحث وضياع. أبحث عن طريقي وأنا ممتلئة بمنهجي وبقضاياي، لكن ماذا سأفعل غدًا؟ لا أعرف. فما يحرّك الكاتبة أحاسيس مرهفة تدفعها إلى الكتابة، وهي ليست بالضرورة الأحاسيس نفسها التي تحرّك المخرجة، التي تقودها المذاهب والمناهج المسرحية. لا أعرف حقًّا أين سأكون غدًا. حقيقةً سؤالك جعل الضياع ضياعًا مضاعفًا ومركّبًا.

* وإذن؛ هل هناك مشروع مسرحي قادم سواء بالكتابة أو بالإخراج. أو بالاثنين معا؟

هناك نص مكتوب بالفعل، نصّ جاهز، موضوع على الرفّ وينتظر. لكن كما تعرف، إشكالية الإنتاج المسرحي تبقى دائمًا حاضرة: حين تبدأ أي مشروع، تحتاج إلى موارد مادية كي ترى الفكرة طريقها إلى التنفيذ، وهذا هو ما ينقصني اليوم. النص موجود، مكتوب وينتظر من يتكفّل بإنتاجه حتى يتحوّل إلى مشروع حقيقي. وأنا دائمًا أقول إن ربع المشروع [المسرحي] هو الفكرة والنص، أمّا ما ينتظره ليكتمل ويصير واقعًا ملموسًا، فهو الإنتاج والدعم المادي كي يصير المشروع حقيقيًّا.

* سؤال أخير: لمن تهدي وفاء الطبوبي فوز «الهاربات» بجائزة المسرح العربي في دورته السادسة عشرة؟

إلى كل من اشتغل معي، وإلى عائلتي قبل كل شيء وبعده؛ لأن كل مشروع يتطلّب منّي وقتًا وجهدًا، وهذا الوقت والجهد يُقتطعان دائمًا من حقّ عائلتي وأحبّتي والناس الذين يحتاجونني. إلى عائلتي، وخصوصًا عائلتي التي أعتبرها جزءًا من روحي، والتي تدفعني دائمًا إلى الأمام. أُهديه أيضًا إلى بلدي تونس، وإلى كل ممثّل ومسرحي تونسي، وإلى كل من كوّنتُهم ورافقتهم ليصبحوا ممثّلين اليوم، وإلى كل من يستحقّ منّي احترامًا وتقديرًا. وأُهديه كذلك إلى كل من يشتغل بالمسرح في الوطن العربي، لأن الفعل المسرحي فعل شاقّ ومُتعب ومُثقَل، وليس فنًّا سهلًا. أنا أعتبر المسرح فعلَ مناضلين ومجتهدين. وأخيرًا، أُهدي هذا الفوز إلى كلّ من احترم المسرح والمسرحيين، واحترم الركح.