أ.د. حمود الدغيشي -
ضئيلةٌ هيَ حياتي، كحَبَّةِ قمحٍ في جِرمها المُجرّد
«الدّيوان، ص36»
شاعِرٌ يقتاتُ من الحزن ليعيشَ لذاذة الحضور، يحتفي الشِّعرُ بجنازة الفقد في داخله، وتَيْبَس أوصاله إذا أقامَ فرحًا في روحه، تبكيه الطبيعةُ حين يخنقه النّواح على شجرة الحياة في مكانٍ قصيٍّ مَحفُوفٍ بغاباتٍ من الظلام؛ حيثُ ترقد هناكَ أُمُّ الطبيعة، الشجرةُ المعبودةُ منذ الأزل. يذكر «فريزر Frazer» أن الإنسان القديم كان يرى في الشجرةِ نفسًا كنفس الإنسان وأنّ لها روحًا تصيح منتحبةً باكية إذا ما اجتُثّت أو تعرضت للخطر، فهي بمثابة الأُمَّ واهبةَ الخِصب والحياة؛ لذا فإنّ قطْعَ الشجرة يُعادل جريمة قتْل الأُمّ؛ لأن تلك الشجرة تهبهم الحياة والغذاء كما تفعل الأُمّ مع صغارها! فماذا لو أنَّ شجرةً تمدّ للموتى عروقها؛ لتهبَهم حياةً أخرى تحت الثرى؟!
يعدّ «وليم بليك» الخيالَ قوّةً خالقةً يُستطاع بها تعمُّق الحقيقة، وقراءة الطبيعة على أنها رموزٌ تُشير إلى عالَم أعمقَ وأرحب وراءها، أو إلى شيءٍ كامنٍ فيها لا يمكن قراءته بالطاقة العادية..».(١)
ثمّةَ مفردةٌ واحدةٌ قادرة على أنْ تُوغِرَ المُخيّلة على استدعاء عذابات النفس، وإيقاظ نُدوب الرُّوح، لتجعل من الفنّان كائنًا سائلًا يتماهى مع دموعه. إنها الشجرةُ الملتصقةُ جذورُها في باطن الأرض بجذور الأمّهات، حيثُ تُعرِّش لتحرسَ طهارة الموت. كما قال سماء عيسى في مجموعته «الأشجار لا تفارق مواطنها الأولى»(٢)
أَيَّتُها الشجرةُ
أنتِ أُمٌّ لنا
نحنُ صغارُكِ
ظلالك
يُشكِّل «البلوشي» عناصر تجربته من الطبيعة وحدها، الطبيعة بعناصرها الميّتة والحيّة في خضمّ أمواج الفناء، ويرفد الصورة بتراكيب تتعالق بالانزياح، وتتعالى بالتكثيف؛ فتزداد عمقًا. في «تميمة الأرض» يقول:
وعلى السهوب الفاتنة هناك ...
أذنتُ لدمعتي كي تهرق تحرّقها، تأسّيًا بالشعاع العذري
حين كان ينسكب بلطافته الفتيّة في الأفياء
والذي كنتُ أتطلع نحوه بكلّ الود
لطمأنة زهرةٍ خائفة كانت هناك ..
حيث سيبزغ عنقها الذاوي في يومٍ متعافٍ
بجوار تلك السّيقان المناضلة لأعشاب الموت
تتحوّل الطبيعة بعناصرها الجامدة إلى سيولة (تَسْييل الطبيعة) لتتواكب مع السَّيلان العاطفي؛ احتاج «البلوشي» لتعميق صُوَر تجربته، إلى تجسيد حالة الهشاشة التي تعتريه في مشهد رثائي للذات؛ فعنصر «الدمع» الذي يحمل في طبيعته سيولةً متدفقةً أكثر في مواقف الحزن المُوجِع يتجلّى في الصورة السابقة بوحدة الحزن، واستمراره، وشدّة وجعِه «التّحرُّق»، ويتحوّل «الشّعاع» النُّورانيّ إلى طبيعة إنسانيّة طاهرة «العذريّ»، وإلى سائل يمكن أن يرويَ الطبيعةَ الجافة بسيولة الحياةَ. والزَّهرةُ التي تنبتُ في الأرجاء، حيثُ مدافنُ الأحبّة، تتجلّى كائنًا إنسانيًّا صغيرًا متلبّسًا بالمشاعر؛ ليُطلقَ فِعْل الطمأنينة من أجلها، وقد وصف صورتها بين الأعشاب المتدافعة بالخوف في ظلّ عنف الطبيعة من حولها.
ما يحاوله الشاعر في عناصر الطبيعة التي تتكدّس على التلال، حيث مدافنُ الموتى، أنْ تُورِقَ؛ كي تحرسَ الشجرةَ الأُمّ بالحياةِ والخلودِ، وتمدّها بالنقاء والطهارة، إذ كلُّ الأوجاع ترحلُ تجاه الشجرة، وتتبلورُ الأحزانُ تحت ظلالها، وتظلّ الذاكرةُ معلّقة على أغصانها، لا سيما حين تقف وحيدةً على التلّ، منحنيةً بجذعها؛ ليُسقِط الشاعر حزنه بهذا المشهد التراجيدي على أُمّ الطبيعة.
وكانت الشجرة المنحنية على التلّ
تنعكس وحيدةً كالموجة الساهية ..
في طهارة بياضها المغري
تتعاضد عناصر الطبيعة في صناعة مشهدٍ يتواءم مع شقوق الرُّوح؛ حيثُ الأشجارُ في تجسُّدها لا تُعبِّر عن شموخها وتعاليها بقدر ما تُجسِّد طقسًا جنائزيًّا؛ فهي ترعى الأرواح التي سكنت الهضاب، إنه اصطفاف موجِعٌ كأنه مرثيّةٌ صامتة للموتى؛ قبورٌ متراصّة تنزف بالأوجاع. الهضاب الوادعة تتقدَّم المشهد لترسم صفاء الصورة، وهدوءها، ونقاءها وطهارتها، ثم يبدو المشهد ضبابيًّا في الأشجار الضامرة، لينفجر في الجروح المنفتحة، ويتوارى في الأحلام الدائخة. ثمَّةَ تماهٍ بين الطبيعة والرُّوح تدفع بالأخير إلى أنْ يغرق في تفاصيل الأولى، ويتغذى على مفرداتها، ويسبح في ملكوتها.
في أعلى الهضاب الوادعة هناك ...
حيث هي الأشجار في رتابة ضمورها
تبدو متعاضدة كجروح منفتحة
وكانت ترفع عن نافذة روحي غشاوة الأحلام الدائخة
هناك انغرستُ بكلّيتي ..
«ليس ثمّة مظهر من مظاهر الطبيعة غير قابل لأنْ يُوقظ فينا هذا الإحساس المضني إلى مدى لا نهائي يُحيط بنا ويسيطر علينا».(٣)
ما مِن كائنٍ قادرٍ على استفزاز الجراح بعمقٍ كلّ مرّة سوى الشجرة، إنها تبعثُ في جوّانيّة النّفس مشهدَ الموت حين تتجلّى للشاعر في مكانها المنفرد، حيثُ ترقد أرواحُ الأحبّة. يسكن الوجعُ في النّفس عند الاقتراب من ذلك المكان، وتبدأ اللغةُ في تكثيف الصورة وتنزاح في دلالتها، فالوَخْزُ لا يكتفي بصفته الموجعة المتجذِّرة فيه بل يزداد كثافةً بالشَّجا، والكثافة تحتلّ موطن النفس لتصبح قارّة مُتوطِّدة فيها؛ وهكذا قد تغدو صورة الحبال في هذه المتراكمة من الأفعال عنصر نجاة، إلا أنّ المشهد يَدْهَمُنا بالانزياح من عنصرٍ للأمان إلى عنصر للعذاب، لترحل الكلمات وتنسلّ الدموع إلى عالم الغياب.
وكُنتُ أحسُّ بوخزٍ شَجِيٍّ يتوطَّد في تجويف حلقي الجاف
إذ المراراتُ تمدّ حبالَها الجارحة فيه.
لقد رغبتُ في أنْ أتأمَّل الشجرة البعيدة هناك ...
أشارَ «جورج سانتيانا» إلى أنّ فنَّ الشِّعر هو إلى حدٍّ كبير فنُّ تكثيف الإحساسات عن طريق حشد الأجسام المختلفة التي تثير هذه الإحساسات... فالعواطف الرائعة التي تفيض بها نفس الشاعر يجب أن تجد الأجسام الموضوعية التي تعادلها... ولأن الإحساس كما يرى الشاعر «و.ب. يتس» لا يُوجد، أو على القل، لا يمكننا الشعور به إلا إذا وُجِدَ التعبير عنه في اللون أو الصوت أو في الشكل أو في كل هذه مجتمعة، ولأنّ كلّ ترتيبٍ جديدٍ لأحد هذه الأشياء لا بدّ أن يُثير فينا إحساسًا جديدًا مختلفًا عن غيره ...».(٤)
في هذا العالم المتراكم بالصخب والعبث، وفي هذه المدينة المُزْكَمة برائحة الوجع، ثمَّةَ سكينةٌ في النفس تمنحها بعض الكائنات؛ لنحتفيَ بالحياة في حضرة الموت.
كنتُ أشاطر النملة الوادعة هزأها بصخب العالم
ومعجبًا بتنسّكها في فراديسها الفاخرة
وفي الشقوق الهادئة لفجاج الأرض ..
لقد كانت مبرّأة من اللهاث العبثي.
يكثّف الشاعر من الاشتغال في الصورة الشعرية على مفردات الطبيعة، وإسقاطها على الذات، ويختار تلك المفردات التي تتقاطع مع النفس في سلامها وانسجامها، ويتماهى مع عوالمها ويشاركها خوفها، ويبكي مأساتها، يقول:
وكنتُ أسمع وقْع أقدامٍ راجلة تتبعني
وعلى إثرها.. كانت الطيور الآمنةُ تجفل
آهٍ لتلك الإشاحة المضطربة لوجوه الطّير ..
كيف كان الرّعب يجعلها
كمثل عميان بررة يتلمّظون القهر
حتى لتكاد أجسادها -يا للأسى- تصطدم بالجبل الفتيّ
وكانت وحدها، هذه المأساة المُجنّحة تُبكيني.
تظهر الشجرةُ أيقونةً مقدَّسة حين ترتبط بالأُمّ، ولأنَّ الشجرةَ تشكِّل الأُمَّ الأسطورية فقد تجرّدت من القيود الزمانية والمكانية، وهي نفسها الممتدة الجذور في عمق الأرض، الأُمّ الأولى واهبة الحياة، والاحتماء بها هو احتماءٌ بوطنٍ مُترَعٍ بالحنان والأمان، وطنٍ تُنزَع تحت ظلالِه كلّ الهواجس الشرسة.
لقد كنتُ أحتمي بأُمِّي الشّجرة، مِن كلّ الرّعب
وبها تحرَّرتُ
مِن التوثّب الشّرس لأشداق كائنات رقطاء
كانت تُلاحقني في اليقظة كما النوم.
ولأنّ الشجرة لا تُمارس طقس الانعزال أو الانفصال -على الرّغم من اليَبْس والقحط الذي يزحف إليها في وطن الموت - عن تربتها، بل تعيشُ وتموتُ مُتجذِّرةً بتُرْبتِها؛ لذا فإنّ الذات تلجأ إليها في خضمّ الصّراع مع الحياة؛ لتُودِع ما تبقى منها عند تلك الشجرة الواقفة كملاكٍ يحرس الحياة.
وكنتُ في الهدأة، أغمر جسدي بوشاح السماء
على السطح العامر
ولم تكن تُعانقني
سوى تلك النّجمة الضاحكة في الأعلى
كانت الشجرة المعرشة في الواجهة
هي مَن تولّت حراسة جمجمتي -الملتهبة - كملاك
يقول «باشلار» في جماليّاته: عندما نعيش بشكل حقيقيّ صورة شِعريّة فإننا نتعلم أن نعرف أنّ في واحدٍ من أليافها الصغيرة، صيرورةَ وجودٍ متجسِّدٍ في وَعْي باضطراب الوجود الداخلي. يصبح الوجودُ هنا حسّاسًا إلى درجة أنَّ كلمةً واحدةً تَقْلَعُه وتُفسد نظامه.(٥)
ها هي الشجرة التي اعتقد الإنسانُ القديم بنحيبها وبُكائها إذا ما دَهَمَها خطرٌ ما، تعود لتبكي -كما يصورها الوَعْي الشعري- مأساة الإنسان وليس مأساتها، تُشاركُه أحزانه، وتجسِّد لفقدِه المُوجع مشهدًا جنائزيًّا بالبكاء، إنها تتألّم لألمِه، لأنها الأُمُّ التي تمتدّ بجذورها في التّربة حيثُ ترقد الأُمّهاتُ جميعُهنّ.
لقد تخيّلتني مهْتزًّا هناك...
ومكبّلًا في فجاج القفر المشتهى
كحزمة أعشابٍ في رباطٍ مشدود
وأبدو كمَن هو مأسوفٌ عليه
لأنّني كنتُ -يا لوعتي- في ذلك الحال
أغرس تحديقتي في صلب شجرة مترمّلة هناك ...
تلك التي كانت
تكشف عن نحولها المُبكي وتنتحب كالأطفال.
ليس ثمّة مفردةٌ قادرةٌ على التعبير عن الوجع المُزْمِن في رحيل الأُمّ أكثر مِن الشجرة عند الشاعر البلوشي، فأينما اتّجهتَ في ديوانه حاصرتْك أغصان الأشجار، وأوجعتكَ بانحسار ظلالها، فالشجرةُ هي الأُمُّ التي تتماهى في ظلال الشجرة من الخارج، وهي الأُمّ التي ترقد عند جذور الشجرة تحت التراب؛ لهذا تجد الشاعر يُلصِق الشجرةَ بالأُمّ.
بينما كان يتناهى إلى مسمعي من الخارج
اضطراب الشجرة الأُمّ.
وكنت أحسّ بفعل ملاكٍ يهرِّب إليّ زمجرة الرِّيح
ورِقّة الأمطار ..
لقد خطَّ الشاعر البلوشي لنفسه طريقًا من الاعتكاف الشِّعري، يسِيلُ بجوارحِه كلِّها على صفحات الحياة، ويلوذُ بصمتٍ رهيب مقدَّس كما راهب يلوذ بصلاته في كهفٍ أعلى الجبال.
الهوامش:
1- الربيعي، محمود، في نقد الشّعر، ط4، دار المعارف، مصر، 1977م. ص52.
2- انظر: ديوانه، ط1، دار مسعى، البحرين 2016م. ص53.
3- انظر: دوركهايم، إميل، الأشكال الأولية للحياة الدينية، ترجمة، رندة بعث، ط1، المركز العربي للأبحاث، بيروت 2019م.
4- انظر: رشاد رشدي، مقالات في النقد الأدبي، ط2، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1979م. ص55-56.
5- جماليات المكان، ترجمة، غالب هلسا، ط2، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1984م. ص198.