فاطمة بنت سعيد الزعابية -

«أنقذوا أنفسكم.. اركضوا.. حتى لا تسحبكم الغريقة»!

«أكاد أجزم أنني أسمع صوت سلسلتها تتحرك من جديد».

«لا.. توقفت منذ»..

«توقفوا عن الكلام.. اهربوا»!

لم أكد أفهم ما يقولون حتى وجدتهم يندفعون. أمسكتُ بيد أخي وبدأت أجرّه. كان أصغر من أن يلاحقهم. ساقاه الصغيرتان لا تعرفان معنى الخوف حين يصبح لعبة بين الأطفال، ويصبح حقيقة موحشة في صدور الكبار.

ركضنا حتى انقطعت أنفاسنا. توقفوا فجأة عند مسافة، وراحوا يلهثون. نظرتُ إلى سور المزرعة من بعيد. سور طويل، يلمع فوقه الزجاج في الضوء. صمت خفيف يفصلنا عنه. لا شيء يتحرك. ومع ذلك كانوا يتصرفون كأن شيئا يراقبنا.

جمعتُ أنفاسي وسألتهم:

«هل الغريقة حقيقة أم خرافة؟»

همست لي صديقتي:

«اشش.. قد تسمعنا. هي تتجول بطول سور المزرعة».

قلتُ وأنا أحاول أن أفهم الخوف:

«إذا كانت لا تستطيع تجاوز السور.. فلماذا نخاف؟»

رفعت ريم كتفيها وأوشكت على أن تقول كلاما كبيرا.. ثم أغمضت عينها لبرهة وعادت تقول: «أمي قالت إنها تسحب المارين إلى الداخل. تقول لهم تعالوا.. نلعب. تشاركهم السباحة. ثم.. ثم»..

سكتت لحظة وبدأ الخوف في عينيه واضحا. ترددت كثيرا قبل أن تقول بكثير من الهمس:

«ثم تُغرقهم. تظهر بشكلها الآدمي.. جميلة.. جميلة جدا».

قالت سلامة: «تقول جدتي إنها كانت بنتا، ليست جنّية أبدا. كانت ذكية. لها عينان واسعتان. وشعر طويل.. لكن (وبتأثر حد البكاء).. ظلموها الناس».

وقبل أن تتشاجر ريم وسلامة على «هل هي بنت أم جنّية»، قفزت مزنة إلى الأمام، وهي تبتسم ابتسامة من يملك سرا:

«لا.. هي سِحر».

استدرنا إليها. قالت وهي تغالب ترددها وخوفها:

«قالت جدتي: في يوم من الأيام وكان الوقت ظهرا دقّ باب بيتهم ساحرٌ في هيئة رجل. انبهر بجمالها. حاول أن يأخذها معه. مرّ المطوّع فخاف وهرب. لكن أثر السحر بقي فيها.. فسلبها عقلها.. وصارت تؤذي وتلتهم كل ما تجده. تعب الناس منها، وربطوها بسلسلة في المزرعة.. ومن يومها صارت تخطف كل من يمر قرب السور».

لم أضحك مثلهم. شيء ما في داخلي لم يقبل هذه الحكاية.

قلتُ وأنا أشد يد أخي:

«كل واحدة منكن تسمع شيئا مختلفا.. من أين نعرف الحقيقة؟»

لم تجبني أي واحدة منهنّ. كأن الحقيقة تحتاج إلى بيت قديم، وصوت جدة آت من بعيد، وليلة مظلمة لا قمر فيها.

عدتُ للمنزل وأنا أجرّ قدميّ وأمسك بيد أخي الذي لم يستطع أن يستوعب أي شيء مما قيل. لم يكن التعب في تلك اللحظة في الجسد وحده. كان في الرأس. ألف سؤال يتزاحم دون ترتيب. بحثت عن جدتي. وجدتها قرب المكان الذي تحب الجلوس فيه، قريبة من ضوء النهار، كأنها تراقب كل شيء دون أن تتحرك.

ارتميت في حضنها وقلتُ:

«كنتِ مطوعة الحارة.. تداوين بالقرآن.. وتسمعين حكايات الحارة وتملكين ما لا تملكه غيرك من الجدات.. أخبريني عن الغريقة».

رفعت جدتي عينها إليّ. لم تسأل: من أخبرك؟ لم تبتسم لفضول الأطفال. بدا عليها شيء يشبه الحذر، كأن الاسم أوقظ وجعا قديما.

قالت فجأة:

«حنان؟»

تعلقت الكلمة في فمي:

«هل كان اسمها حنان؟»

سكتت جدتي قليلا. ثم تنهدت، كأنها تُخرِج من صدرها هواء ثقيلا.

قالت:

«كانت طفلة جميلة.. نعم. شعرها طويل. وعيناها واسعتان. ماتت أمها بعد ولادتها. ربّتها زوجة أبيها. عرفتُها في حلقات القرآن.. لسانها حاضر، وأدبها يسبق سنّها».

صمتت لحظة قبل أن تكمل:

«وحين تغيبت عن الحلقة، ذهبت أسأل عنها. سمعت من زوجة الأب وبعض الجارات أن رجلا غريبا طرق باب بيتهم يوما يبحث عن والدها. لم يكتفِ بجوابها. ظل يسألها عن الجيران وأحوالهم. وقال مطوع الحارة إنه مرّ فرأى الرجل واقفا يطيل الكلام معها».

لم تقل جدتي «ساحر». لم تقل «جنٌ»، قالت «رجل غريب».. وكفى. ثم تابعت:

«في تلك الليلة مرضت حنان، أصابتها حمى شديدة. وفي الصباح حملها والدها للطبيب. قال الطبيب غاضبا بعد أن رآها: لماذا تركتموها طوال الليل؟ بعد أيام خرجت من المستشفى على غير حالها. لم تعد تعي ما تفعل. والناس لا يرحمون، ابنتي، حين لا يفهمون».

أخفضت جدتي صوتها، كأنها تعيد الكلمات إلى حجمها الحقيقي:

«صاروا ينادونها بالمجنونة. فتغضب. تركض خلفهم، وترميهم بالحجارة. خافوا منها، ثم صار خوفهم إلى قسوة شديدة».

قلتُ:

«وأبوها؟»

قالت: «لم يعرف ماذا يفعل. ربطها في البيت.. قرب العمود الذي يربط فيه حماره. لم يجد عمودا أثبت منه في البيت». ثم أضافت، وهي تمسح على رأسي بكثير من الحنان والحب:

«ولم يعد أحد يقترب منها. أو يتحدث معها، حتى زوجة الأب كانت تخاف منها! قالت إنها عضّتها ذات مرة.. وطلبت أن تُربط خارج البيت حتى لا تؤذي الصغار».

توقفت جدتي قليلا. كان أخي يجلس قربنا، يراقب وجهها دون أن يفهم الكلمات كلها. قال بصوت خافت:

«هل كانت تبكي؟»

نظرت جدتي إليه، ثم قالت كأنها تجيب على سؤال آخر: «كانت وحدها.. والوحدة تجعل الإنسان شرسا أحيانا؛ لأنه حينها لا يملك لغة أخرى.».

تابعت:

«كانت تهرب إن تُركت دون ربط. يقضي أهل الحارة يومهم يبحثون عنها. ومع الأيام تعلمت أن تقضم الحبل بأسنانها وتفكه. تغيب يوما أو يومين. ثم تعود جائعة، وعطشى، ومتعبة. ثم يعود اللوم. إن ربطها لاموه. وإن تركها لاموه».

قلتُ: «ومتى دخلت المزرعة؟».

قالت جدتي: «حين كبرت واشتدت مشكلتها. كانت شراهتها تزيد. تدخل البيوت وتأكل ما تجده. ضج الناس منها. وضغطت عليه زوجة الأب. وقالت بين الغضب واللين: شكاوى الجيران زادت.. والأطفال في رعب مستمر، لا نستطيع أن نحتمل كل هذا!».

ثم قالت بعبارة قصيرة تُشبه الأمر: «إذا دخل الخوف البيت.. ضاقت أبوابه على أهله».

«أخذها أبوها إلى المزرعة. ظن أن السور والزجاج يكفيان. لكنها كانت تعرف فتحات الماشية في السور. تخرج وتعود. اشتكى الناس مرة أخرى. وفي النهاية اشترى الأب لها سلسلة طويلة. وربطها بها في مكانها بإحكام».

هنا فقط فهمتُ لماذا يبدأ الأطفال حديثهم من «الصوت».

قالت جدتي: «صار أصحاب المزارع يعرفون حركتها من رنين السلسلة. كانوا يقولون: إنها تتحرك الآن».

قلتُ: «وهل.. وهل ماتت هناك؟»

لم تُطل جدتي في الإجابة. قالت بوضوح لا يجرح: «مرض أبوها مرضا شديدا لعدة أيام. لم يستطع الخروج. بقيت بلا طعام ولا ماء. وحين نهض وسأل زوجته، قالت إنها بحثت عنها ولم تجدها.. ظنت أنها هربت كعادتها. لكنه قال لها: أنا أوثقتها قرب حوض الساقية».

شدّت جدتي يدي قليلا، كأنها تمنع الصورة من أن تؤذيني. ثم قالت: «ذهب إلى المزرعة.. لكنه لم يجدها حيث تركها. رأى السلسلة.. داخلة في الماء. وعرف».

لم تحتج أن تقول أكثر. انفجرت دموعي. احتضنتني جدتي. قلتُ وأنا أبكي: «ربما كانت عطشى.. أو جائعة.. أو شعرت بالخوف الشديد عندما حل الظلام..!!»

قالت جدتي بصوت منخفض: «قتلها ظلم الناس.. وجهل الأهل يا ابنتي». ثم أردفت مباشرة: «لكن الحكاية لم تنته هنا».

رفعتُ رأسي: «كيف؟».

قالت: «اختلفوا حتى على موتها. هل يُصلّى عليها؟ هل هي منتحرة؟ هل أغرقها أبوها؟ هل فعل بها أحد شيئا؟ كل واحد أراد نهاية تريحه». ثم أضافت:

«أفتى الشيخ: هي معذورة.. عقلها ليس بيدها. والمطوعة التي غسلتها قالت: وجدت ماء في بطنها، وعشبا في فمها.. قالت: نزلت لتشرب بعد أن أكلت. لكن الهمس لا يُشفى بالدلائل».

سكتت لحظة، ثم قالت: «وبعد دفنها.. ظلوا يسمعون صوت السلسلة».

قلتُ: «صوتها؟».

قالت: «هكذا قالوا. لا أحد يتجرأ أن يدخل المزرعة. يخافون على أبنائهم. ثم قال بعضهم: توقف الصوت حين مات أبوها»

رفعت جدتي عينها إلى سقف الغرفة كأنها تُحدّث نفسها: «ولا نعرف.. هل كان هذا عقابه لأنه ظلمها، أم ذنب يحرك السلسلة كل يوم».

أنهت كلامها بقراءة الفاتحة والتشهد. ثم وضعت كفها على وجهي كما تفعل حين تخاف على طفل من خوفه.

قالت بصوت خافت: «الحافظ الله».

في تلك الليلة، حين أغمضتُ عيني، لم أرَ الغريقة كما ترويها مزنة، ولا كما تخيلتها ريم.

سمعتُ فقط رنينا بعيدا.. كأنه سؤال لا يريد أن يصمت.