عام 1979م.. قامت الثورة الإيرانية، ومنذ قيامها بدأت أتابع تطوراتها، وبعد التحاقي بالعمل أتيحت لي الفرصة لزيارات متكررة لإيران، والتقيت ببعض مسئولي الدولة الإيرانية، وقد حضرت المحاضرات التي تنظم في برامج الزيارات، والتي يلقيها كبار المسئولين الإيرانيين، وتعرفت على مفكرين وفقهاء إيرانيين، تربطني ببعضهم صداقات. وقد غذيت هذه الزيارات واللقاءات بالقراءة المستمرة عن الدولة والتاريخ والفكر في إيران. كانت الثورة نموذجاً لفهمي آليات عمل الثورات وتطور أوضاعها، ولماذا يقوم الشعب باحتجاجات مضادة.
قامت الثورة لخلع النظام الإمبراطوري الشاهنشاهي؛ وهي مِن أكبر الثورات عالمياً في القرن العشرين الميلادي، ثورة شعب.. لتغيير أوضاعه المتردية في الفقر والقمع وانتهاك الضمير الأخلاقي والديني للشعب الإيراني المسلم، وقد نجحت بأقل الخسائر مِن النفوس والمؤسسات. ولكن لا ثورة تبقى للأبد، فهي جسر للعبور إلى مرحلة أفضل، وينبغي أنْ يعقبها قيام الدولة مباشرة، ولذلك؛ بدأت الدولة تأخذ مجراها في البناء الجديد، وقد تمخضت الأوضاع عن شخصية قوية لبناء الدولة وهي علي خامنئي، وهذا مهم لإيران حينها، خاصةً أنّها تعرضت لتحديات داخلية وخارجية؛ مِنها تفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي أثناء انعقاد اجتماع للقيادة الإيرانية بتاريخ: 28 يونيو 1981م، قتل فيه محمد حسين بهشتي رئيس السلطة القضائية و72 شخصية قيادية، وقيام الحرب مع العراق، التي امتدت حتى عام 1988م، ومع ذلك؛ أثبتت إيران الجديدة صمودها وتفاعلها الدولي وتأثيرها الشعبي في العالم؛ خاصةً العالم الإسلامي.
لنرجع إلى بداية القرن العشرين.. حيث شكلت ثورة الدستور «المشروطة» تحولاً في العقل الإيراني، والذي كان قبل ذلك يعاني انفصاماً بين الفكر السياسي الذي بيد الدولة، والفكر الديني التي تقوم عليه معتقدات المجتمع، والقائم على «نظرية انتظار المهدي»؛ الذي هو وحده له مشروعية إقامة الدولة حال رجعته. لكن الانتظار طال على الإيراني، الذي يحركه -كسائر البشر- الشأن اليومي، فكان أمامه أحد خيارين:
- تجاوز نظرية الانتظار، والنضال السياسي المدني الساعي للديمقراطية، والذي كان له خطه الوطني، وقد أثمر عن وصول محمد مصدق(ت:1967م) لرئاسة الوزراء عام 1951م، ثم أعيد انتخابه عام 1953م، وقد تمكن مصدق مِن السيطرة على الحكومة الإيرانية وإزاحة الشاه محمد رضا بَهلوي(ت:1980م)، لكن بريطانيا وأمريكا أطاحت بمصدق لتأميمه النفط. إنَّ هذا الخط متأصّلٌ في الاجتماع السياسي الإيراني، وقد يحظى بتوافق الأعراق الإيرانية لو كتب له الاستمرار في الحكم.
- التوفيق بين نظرية الانتظار والنظرية السياسية، وهذا الخط ابتدأ بشكل فاعل على يد محمد حسين النائيني(ت:1936م) عندما أصدر كتابه «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» وقال فيه بوجوب إقامة النظام الدستوري، وقد تطور الخط حتى وصل نضجه على يد روح الله مصطفى الخميني(ت:1989م) بإقامة «نظام ولاية الفقيه».
لقد أثرت التحولات الأيديولوجية على التوجهات السياسية بإيران؛ كالليبرالية الوطنية والاشتراكية اليسارية والإسلام السياسي والديمقراطية الغربية؛ بيد أنَّ التيار الأقوى حينها هو الإسلام السياسي فكانت له الغلبة.
وقد شهد العالم ومعه إيران تحولات كبرى في مناحي الحياة؛ السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية.. بل حدثت ثورات كبرى فيها، لم يعد العالم بعدها كما كان.
قامت الثورة، في منعطف نوعي مِن التحولات الجيوسياسية، فقد أشرفت الشيوعية على الانهيار، وأفلت القوميات العنصرية، ووصل المحافظون الجدد إلى الإدارة الأمريكية، وبلغ الإسلام السياسي أوجه.
ثم خلال القرن الحادي والعشرين نهضت الصين وروسيا؛ بعدما تبدلت الأنظمة فيهما، وانحسر الإسلام السياسي؛ بعدما ضرب العنف باسمه العالم، وتغيّرت علاقة العرب مع إسرائيل مِن العداء إلى التطبيع، ونشبت عام 2023م حرب ضروس بين إسرائيل والفلسطينيين، كانت إيران رأس حربة دعم المقاومة الفلسطينية، وقد أسفرت الحرب عن إبادة جماعية وتدمير هائل؛ دفعت إيران ضريبته.
إنَّ محاولة رجع إيران إلى المنظومة الأمريكية لم تبدأ في السنوات الأخيرة، وإنَّما هو عمل أمريكا الدائب منذ الإطاحة بالشاه، بطرق شتى؛ تتراوح بين المفاوضات إلى الضربات العسكرية في العمق الإيراني؛ أشدها حرب 12 يومياً عام 2025م. لكن الجديد هو الاحتجاجات العنيفة التي انطلقت مِن البازار بتاريخ: 28 ديسمبر 2025م، مما يعني أنَّها أعمق مما سبقها، إذ تأتي في ظل انهيار العملة الإيرانية أمام الدولار الأمريكي، فالبازار.. الذي كان مِن أسباب «ثورة 1979م» هو الشرارة التي انطلقت مِنها هذه الاحتجاجات، لقد ضعف الاقتصاد الإيراني بسبب المواجهة الأخيرة مع إسرائيل وأمريكا، والعقوبات التي تفرضها أمريكا على الشركات الكبرى والدول التي تتعامل مع إيران. إنَّ معيشة المواطن وحريته المحرك الأساس للثورات؛ في حال ضعفهما، وهما أساس استقرار الدولة في حال توفرهما.
ومِن المفارقات أنْ يظهر في واجهة هذه المظاهرات رضا بَهلوي؛ ابن الشاه المخلوع، وكأن أمريكا تريد الانتقام من الثورة، وتعيد سيناريو الانقلاب على مصدق بإخراج جديد، وبحلول إسرائيل محل بريطانيا.
الثورات تقوم بسبب عوامل متضافرة؛ داخلية وخارجية، لكن ما يسقط الأنظمة هو العوامل الداخلية، اللهم إلا إذا حصل اجتياح مباشر للبلاد، كما حصل في ليبيا والعراق وسوريا، فهذه الدول لديها أزمات ثار بسببها الشعب، إلا أنَّ سقوط أنظمتها جاء بالاجتياح أو الدعم العسكري المباشر. أما بالنسبة لإيران فقد تحدث مواجهة عسكرية، لكن لا توجد مؤشرات على تدخل عسكري مباشر قادر على إسقاط النظام، وبنظري؛ أنَّ هذه التدخلات قد تساعد على تماسك النظام أكثر مِن إسقاطه، وهذا ما نلاحظه الآن من هدوء الأوضاع.
إنَّ التحديات الخارجية التي تواجهها إيران كبيرة وكثيرة، ولا يمكن التهوين من أمرها، لاسيما مع الإدارة الأمريكية الحالية، التي تضرب بكل المبادئ الدولية والقيم الإنسانية عرض الحائط، لأجل التوحد بنفوذها على المنطقة، لكن أيضاً لا يمكن نكران المعضلات الداخلية، والتي مِنها:
- عدم التخلي عن شعارات الثورة خارجياً.. فقد ظلت إيران تتوجه إلى الشعوب بكونها محتاجة لتجربتها الثورية، كـ«الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، بل تحولت هذه الشعارات إلى مبادئ للدولة. ومع إدراك الضرورة السياسية إيرانياً للشعار الأول، والمبدأ الأخلاقي للشعار الثاني، غير أنَّ للثورة شعاراتها وللدولة متطلباتها.
إنَّ الإصرار على شعارات الأولى على حساب متطلبات الثانية تحول إلى عبء داخلي ثقيل، تحمّله الإيراني مِن وضعه المعيشي.
- عدم تحديد مدة شَغْل «منصب المرشد»، فالمرشد الحالي، مع خدمته المشهودة للمشهد الإيراني، وحفظه لتوازن مراكز القوى الفاعلة سياسياً واجتماعياً، إلا أنَّ استمراره في أعلى الهرم السياسي منذ بداية الثورة حتى الآن؛ آل بالدولة إلى شيخوخة يعاني منها الشارع الإيراني.
- جمود النظرية السياسية، فـ«نظرية ولاية الفقيه» لم يدخل عليها إلا تعديلات طفيفة أمام البُنية المؤسسية التي ترسّخها، رغم أنَّ الأوضاع التي فرضتها قبل حوالي نصف قرن لم تعد موجودة، وكان ينبغي تجاوز معطيات الإسلام السياسي إلى ما بعده بنظرية جديدة، ليست شرطاً بالتخلي عن الرؤية الإسلامية للحكم، فالإسلام.. محيط واسع لضبط التحولات البشرية. - ضعف استعمال القوة الناعمة في التواصل مع الدول والشعوب، مما يجعل الدول المناوئة تركز على إظهار إيران بالوجه الخشن. فإيران ليست قوة عسكرية صلبة أمام الطغيان الغربي فحسب، وإنَّما هي -قبل ذلك- إنسان وحضارة وفن وثقافة.
وبعد: فإيران أمام تحول ناجز، وهي بين خيارين: إما أنْ يطور النظام مِن رؤيته واستراتيجياته وآليات عمله، بإشراك الشعب بمختلف توجهاته وأعراقه وفق نظرية سياسية تواكب متطلباته وأوضاعه الحالية، وأرى أنَّ الفرصة الآن مواتية للاستفادة مِن الخط الوطني. وإما أنْ تتدهور الأوضاع، وتقع البلاد في براثن تلاعب الأعداء. وفي كل الأحوال.. لا توجد فرصة لرجوع النظام الشاهنشاهي إلى إيران، فقد تجاوزه الزمن.