يتجاوز الحوار الاستراتيجي بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة، الذي عُقد يوم أمس الأول بالنادي الدبلوماسي، برئاسة وكيلي وزارتي الخارجية في البلدين، الذي عنوانه مناقشة الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، هذا العنوان إلى ما هو أبعد من ذلك.

فقد جاء في توقيته ليؤكد على مسارين آخرين، هما بيان تعاون بشأن ذكرى 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، الذي كان في 4 يوليو 1776م.

والثاني التأكيد على العلاقة التاريخية بين البلدين، التي أقامت فيها سلطنة عُمان، كأول دولة عربية، علاقات دبلوماسية من خلال توقيع أول اتفاقية تجارية عام 1833م، في عهد السلطان سعيد بن سلطان، الذي أرسل في عام 1840م أحمد بن نعمان الكعبي سفيرًا له إلى واشنطن، لتكون سلطنة عُمان والمملكة المغربية (1777م) أول دولتين عربيتين في الشرق الأوسط تقيمان علاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.

هذه العلاقة الممتدة دبلوماسيًا مع سلطنة عُمان منذ وصول السفير أحمد بن نعمان الكعبي على متن السفينة «سلطانة» إلى ضفاف نيويورك، مثّلت أول بعثة عربية تزور أراضي الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ ذلك التاريخ، الذي يمتد إلى 186 عامًا، استمرت العلاقات الدبلوماسية راسخة بين البلدين، مبنية على الاحترام المتبادل والتعاون والتشاور السياسي، رغم تعاقب سلاطين عُمان والرؤساء على واشنطن.

حزمة التعاون التي أُقرت بين البلدين في اللقاء الأخير تمثّل ذلك التطلع بين الجانبين لتفعيل مسارات التعاون في برامج نوعية تلبي متطلبات التحولات المتسارعة، ولعل موضوع الفضاء الأبرز في هذا الجانب، نظرًا لخبرة الولايات المتحدة وتقدمها العلمي الكبير في هذا المجال، الذي ترى فيه مسقط واحدًا من أهم التطلعات العلمية لها في المرحلة المقبلة، والذي سيمثّل نشاطًا كبيرًا وتعاونًا مهمًا جدًا في استكشاف الفضاء والاستفادة منه في تحسين الاتصالات، ومراقبة التصحر والبيئة والمناخ والشواطئ، وتطوير الخدمات الأخرى.

النقاط الأخرى في هذه الاتفاقية مهمة أيضًا، وهي زيادة الاستثمارات الأمريكية في القطاعات ذات الأولوية لسلطنة عُمان، مثل الاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا، والتعدين، والطيران، والبنية الأساسية، والتعليم، والثقافة، والابتكار، والبحث العلمي. على مستوى التعاون السياسي، الذي تم فيه تبادل الآراء، فإن البلدين يتبادلان وجهات النظر في بعض القضايا الإقليمية والدولية، وتأخذ واشنطن الطرح العُماني فيها بأهمية بالغة، وهذا ما أدى إلى تغير بعض المواقف الأمريكية خلال السنوات الأخيرة والأحداث القريبة. ولعل ما تراه مسقط بعين الخبرة السياسية الشاملة والطويلة يجعل الأمر أكثر وضوحًا للجانب الأمريكي، والمقاربات كثيرة في أحداث المنطقة، وترى واشنطن أن سلطنة عُمان أكثر قدرة على التشخيص الدقيق لعديد قضايا المنطقة والعالم، وداعمة حقيقة لجهود السلام والاستقرار.