آنا بورشيفسكايا / مات تافاريس

ترجمة: أحمد شافعي -

لا تحسبوا أن روسيا خرجت من الشرق الأوسط. يشير الرأي الشائع إلى أن روسيا تفقد نفوذها بسرعة في هذه المنطقة. (فقد كتب مايكل مكفول وعباس ميلاني من جامعة ستانفورد في يوليو 2025 على سبيل المثال أن «مكانة روسيا في الشرق الأوسط تراجعت بشكل حاد»). لكن روسيا تظل قوة فاعلة في الشرق الأوسط، ويجب أن تتحرك الولايات المتحدة في اتجاه إعاقة مطامح روسيا في المنطقة.

بطبيعة الحال، ضعف كثير من شركاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المنطقة أو انهاروا خلال الشهور الأخيرة؛ إذ أطاح الثوار ببشار الأسد في ديسمبر 2024، وتوالت ضربات إسرائيل على حماس وحزب الله، وكلاهما مدعوم من صديقة الكرملين القديمة إيران. وتستمر حرب بوتين الاختيارية في أوكرانيا في استنزاف موارد روسيا.

لكن هذه الانتكاسات لم ترقَ بعد إلى مصاف الهزيمة الجيوستراتيجية أو تغيير الترتيب الإقليمي بحيث يكون مناهضًا لروسيا.

فروسيا لا تحتفظ فقط بحضور في الشرق الأوسط، ولكنها مهيأة لانبعاثة. ومن شأن هذه العودة أن تضير بالمصالح الأمريكية، وبخاصة في حال موافقة بوتين على إيقاف حربه على أوكرانيا. ففي غياب شروط عقابية بعد الحرب ـ وهو ما يبدو غير مستبعد ـ يكون بوسع روسيا أن تخرج من غزوها لأوكرانيا أقوى في الشرق الأوسط من ذي قبل من ثلاثة أوجه على الأقل.

أولا: روسيا تبقى ذات نفوذ في المنطقة، وبخاصة في ظل تنامي صلات موسكو بخصوم أمريكا. فشراكة بوتين مع إيران -على سبيل المثال- تظل تزداد قوة برغم عجز روسيا عن مساعدة إيران خلال حرب الاثني عشر يوما مع إسرائيل والولايات المتحدة في الصيف الماضي. وفي الآونة الأخيرة تسربت وثائق دفاعية روسية تؤكد أن موسكو بدأت تجميع أول ست عشرة مقاتلة روسية من طراز سي 35 لصالح إيران ضمن اتفاقية بقيمة 6.5 مليار دولار لتحديث القوة الجوية الإيرانية وتعزيز دفاعاتها الجوية، ومنها الموجه ضد إسرائيل، بل إن بوتين يسعى إلى التوسط بين إسرائيل وإيران.

ثانيا: روسيا لا تزال إلى حد كبير للغاية حاضرة في سوريا ما بعد الأسد؛ إذ تحتفظ موسكو بقواعد عسكرية هناك، وتمثل شريكًا اقتصاديًا أساسيًا، وتحظى بنفوذ سياسي مهم. ولا يبدي الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بوادر تخل عن روسيا حتى وإن تطلع إلى تقوية علاقاته مع الغرب.

وقال الشرع: إنه أبرم صفقة مع موسكو في ديسمبر 2024 لكي تبقى خارج الصراع تتيح لروسيا إسقاط الأسد مع البقاء في سوريا.

وتحتفظ روسيا أيضا بحضور في ليبيا التي نقلت إليها موسكو أغلب أصولها العسكرية من سوريا. وكل هذا يتيح لروسيا أن تبقى قوة مؤثرة على البحر الأبيض المتوسط، وأن تستعرض قوتها في جناح الناتو الجنوبي أي الشرق الأوسط وأفريقيا.

ثالثا: تحتفظ روسيا بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية قوية مع شركاء أمريكا في المنطقة؛ فما من صديق أمريكي في الشرق الأوسط تراجع عن اتفاقية كبيرة مع روسيا، ولا وقف أي شريك لأمريكا في الشرق الأوسط مع الغرب بحسم من أجل عزل روسيا على المسرح العالمي بسبب غزو بوتين لأوكرانيا.

ولم يخط شركاء أمريكا في المنطقة خطوة على سبيل المثال للانضمام إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، بل لقد ازدادت علاقات روسيا الاقتصادية بتركيا ودول الخليج قوة بعد غزو روسيا لأوكرانيا في أول 2022؛ إذ بلغت تجارة روسيا غير النفطية مع الإمارات العربية المتحدة 11.5 مليار دولار في 2024، بزيادة 5% عن السنة السابقة؛ إذ تستمر شركات إماراتية في الاستثمار في قطاعات روسية حيوية من قبيل الطاقة والنقل.

وأحدث ما جرى كان توقيع روسيا والمملكة العربية السعودية اتفاقية نادرة للإعفاء من التأشيرة على هامش منتدى الاستثمار السعودي الروسي في الرياض في ديسمبر الماضي.

من المتوقع أن يعود النفوذ الروسي في المنطقة للانبعاث، وبخاصة في حال توقف حرب أوكرانيا؛ فمن شأن ذلك أن يمنح الروس الوقت والموارد، ويتيح للكريملين أن يعيد التركيز على الشرق الأوسط.

على مدار قرون سعت موسكو إلى السيطرة على شرق البحر المتوسط؛ فهذا هدف سوف يدوم حتى بعد انتهاء حكم بوتين. وطالما تاق الحكام الروس إلى موانئ المنطقة ذات المياه الدافئة وموقعها الاستراتيجي لاستعراض القوة في أوروبا ومن ذلك الجناح الجنوبي الحالي لحلف الناتو.

وتبقى قاعدة روسيا الصناعية العسكرية قادرة على الاستمرار، وفي حال انتهاء حرب أوكرانيا أو توقفها سوف تستطيع روسيا فجأة أن تبيع لدول الشرق الأوسط المزيد من القدرات.

وفي حين يهزأ بعض المحللين من جودة المعدات العسكرية الروسية فإن لدى كثير من المشترين المحتملين طلبًا مكبوتًا على المعدات الروسية. وكثير من الفاعلين في الشرق الأوسط لم يفقدوا قط اهتمامهم بالسلاح الروسي برغم خوفهم من العقوبات الغربية.

والكثيرون في الشرق الأوسط يتهمون الولايات المتحدة بالنفاق والمعايير المزدوجة، ويشيرون إلى أن واشنطن ساندت كييف بأكثر كثيرا مما ساندت شركاءها العرب. وهذه التصورات بغض النظر عن صحتها أو خطئها تجعل المنطقة أكثر تقبلا لروسيا. كما أن روسيا بطبيعة الحال تلعب دورًا مركزيًا في سوق الطاقة العالمي.

كل هذه المجالات التي تشهد اعتمادًا متبادلا تنشئ فرصًا لموسكو كي تستعرض سرديتها في المنطقة، ومما تستعمله في ذلك منابر الداعية من قبيل قناة آر تي وسبوتنيك العربية اللتين تصلان إلى الملايين يوميا بالفعل.

في 2015 كانت قناة آر تي العربية ضمن أكثر ثلاث قنوات مشاهدة في مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة والعراق. وفي 2024 تردد أن آر تي العربية وصلت إلى 46.9 مليون مشاهد وأن متابعيها عبر فيسبوك أكثر من خمسة أمثال متابعي قناة الجزيرة والعربية.

ودعوة بوتين إلى الانضمام إلى «مجلس السلام» ذي القيادة الأمريكية للإشراف على إعادة إعمار غزة تمثل خطوة في الاتجاه الخاطئ؛ فبدلا من ذلك يجب أن يتخذ صناع السياسة الأمريكيون خطوات الآن لمنع انبعاث روسيا المتوقع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد أبرزت حرب روسيا في أوكرانيا عمق الروابط بين الشرق الأوسط والمسارح الأوروبية.

وبوسع الولايات المتحدة أن تنافس على النفوذ في الشرق الأوسط -وبخاصة في البحر المتوسط- في سياق استراتيجية شاملة لمواجهة روسيا. وبوسعها أن تعلي أولوية سوريا، وتسعى إلى سبل لدعم أوكرانيا في المنطقة بديلًا لروسيا. وأوكرانيا تحظى بوضع جيد لمواجهة سوريا في المنطقة، وبخاصة في سوق السلاح.

لا شك أن الوقاية خير من العلاج. وإذا لم تتحرك الولايات المتحدة الآن فستواجه وضعًا أصعب في مواجهة روسيا في الشرق الأوسط، وأوروبا أيضا بدءا بتقوية روسيا لخصوم محتملين، ووصولا إلى تقليل حرية أمريكا في المناورة في شرق البحر المتوسط، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. ولو أن بوتين يلعب لعبة النفس الطويل فذلك أيضا ما يجب أن يفعله الرئيس دونالد ترامب.

آنا بورشيفسكايا زميلة هارولد جرينسبون الأولى في معهد واشنطن. في يونيو 2024 عملت مستشارة لوزارة الخارجية الأمريكية بشأن استراتيجيات الدفاع في منطقة البحر الأسود، وسبق لها العمل في المجلس الأطلسي ومعهد بيترسون للاقتصاد الدولي.

ـ مات تافاريس مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية، وله خبرة عقدين في مجال الأمن القومي الأمريكي.

الترجمة عن ذي ناشونال إنتريست