حوار: فيصل بن سعيد العلوي -
حينما تحاور شخصية كشخصية الشاعر والناقد العراقي الدكتور عارف الساعدي في سياق ثقافي مضطرب فإنك تتداخل في أسئلتك حول الشعر والنقد مع أسئلة المؤسسة والذائقة والتحول الاجتماعي؛ فالساعدي واحد من الأصوات التي تشكّلت داخل التجربة العراقية بكل تعقيداتها، وراكمت حضوره بين القصيدة والقراءة النقدية والعمل الثقافي الممتد لأكثر من ثلاثة عقود، وهو اليوم يعمل من داخل المشهد الرسمي العراقي عبر موقعه مستشارا لرئيس الوزراء العراقي للشؤون الثقافية، وهو موقع يضع المثقف في تماس مباشر مع بنية السلطة وحدود الفعل الثقافي داخلها، في هذا الحوار يتحدث الشاعر العراقي الدكتور عارف الساعدي عن الشعر كحالة قلق مفتوح دون أن يكتفي أن يكون هذا الشعر منجزا مطمئنًا، كما يتحدث عن النقد كفعل مرافقة لا كسلطة ضبط، وعن الجوائز كضوء عابر لا كتعويض عن الأسئلة، ويتوقف عند أثر التحولات السياسية العنيفة في تشكيل الأدب العراقي، وعند علاقة القصيدة بالتراث والزمن والجمهور، في محاولة لقراءة الكتابة كمسار غير مكتمل، وسعي دائم وراء ما يسميه روح الشعر.
أنت شاعر يكتب وهو واعٍ بالنقد... وناقد يقترب من الشعر دون أن يُخضعه للمشرط الأكاديمي البارد، كيف تدير هذه المسافة الدقيقة بين المتعة الجمالية ومسؤولية التفكيك دون أن يلتهم أحدهما الآخر؟
بالأساس أنا لا أقدّم نفسي ناقدًا بالمعنى الدقيق للكلمة ولكني أكتب في النقد وهناك فارق واضح بين الناقد كمشروع معرفي وفلسفي متكامل يمتلك أدواته ومصطلحاته ومفاهيمه ويتابع المشهد الثقافي بوعي دقيق داخل بلده وخارجه ويرصد تحوّلاته، وبين من يكتب في النقد من باب الاشتغال أو الممارسة أو التماس مع الحقل الأكاديمي، وهذه ليست مهنتي التي أدّعيها فأنا لا أضع نفسي داخل إطارها الصارم، ودخولي إلى النقد جاء من بوابة الدراسة الأكاديمية حين درست الماجستير ثم الدكتوراه في الأدب العربي ومن هناك بدأت الكتابة النقدية وما يمكن أن يُحسب لهذه التجربة أنها أسهمت في تهذيب الكثير من اندفاع الشاعر داخلي، فقبل الدخول إلى الأكاديمية كانت مفاهيمي عن الشعر فضفاضة وأقرب أحيانًا إلى الإنشائية وجاءت الدراسة لتشذّب هذا الاتساع وتمنحه قدرًا من الانضباط دون أن تنتزع روحه؛ لأنني حرصت على أن أبقى وفيًا لجوهر الشعر المتمرّد؛ فالشعر ابن البرية لا تقيّده المناهج ولا تمسك به المصطلحات ولا تحاصره المفاهيم، ومع ذلك لا يخلو الأمر من وعي يتسرّب إلى كتابة النص واختياره فالشاعر في لحظة ما يمارس دورًا نقديًا على نفسه حين ينتقي قصائد مجموعته ويستبعد أخرى وحين يشطب مقاطع أو أبياتًا أثناء الكتابة، وهذا يعني أن هناك وعيًا نقديًا يسكن الشاعر إلى حد ما وأنا أكتب في النقد من هذا الموقع شاعر يحمل خبرته الشعرية إلى النص النقدي وكتب في التحكيم والقراءة من هذا التقاطع بين التجربتين دون ادّعاء امتلاك صفة الناقد الكاملة.
كثير من الشعراء العرب يخشون النقد حين يقترب من نصوصهم، بينما يبدو أنك تنتمي إلى جيل تعامل مع النقد كشريك في إنتاج المعنى.. متى يتحول النقد في رأيك من فعل إنارة إلى فعل إعاقة؟
بالأساس النقد يشبه المرآة تمامًا فنحن قبل أن نخرج من بيوتنا نقف أمام المرآة لنتهيأ بوجه حسن وملابس حسنة والنقد يؤدي الدور نفسه حين يكشف ما فات القصيدة وما ينقصها وما تحتاجه من اكتمال، النقد عامل أساسي فكري ومعرفي وثقافي واجتماعي وأنثروبولوجي، والدراسات النقدية الحديثة أضافت بالفعل فضاءات جديدة للحقول النقدية، لكن مشكلتنا الجوهرية اليوم هي مشكلة نقدية بامتياز، نحن نفتقد الجيل التأسيسي للحركة النقدية العربية الذي كان حاضرًا بقوة في أواسط الخمسينيات والستينيات حين كان الناقد إذا كتب عن شعر فإنه يعلن ولادته ويمنحه شرعيته الثقافية، في تلك المرحلة كان هناك نقاد يُخشى حضورهم وكان بعض الشعراء يترددون في قراءة نصوصهم المتواضعة أمامهم، هذه الظاهرة تلاشت تقريبًا، واليوم بات الطغيان للشعراء بشكل واضح بينما تبدو الحركة النقدية خافتة إذا ما قورنت بالحركة الشعرية، وهناك أسباب متعددة لذلك في مقدمتها اتساع رقعة الشعراء مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت الباب على مصراعيه، فالجمهور بات يقرأ القصيدة ولا يقرأ الدراسة النقدية ويتابع الشاعر وهو يلقي نصه ولا يتابع ناقدًا وهو يشتغل على تفكيك النص، يضاف إلى ذلك حضور البرامج والمسابقات الجماهيرية الكبرى التي تستضيف نقادًا لكن ضمن زمن ضيق لا يتجاوز الدقيقة الواحدة فتتحول المداخلة النقدية إلى ومضات سريعة لا تُراكم معرفة ولا تُنتج أثرًا عميقًا، ولهذا يمكن القول إن الحركة النقدية اليوم غير مواكبة للحركة الشعرية العربية من حيث الحضور والتأثير والفاعلية.
حصدتَ خلال مسيرتك جوائز شعرية رفيعة.. أترى الجائزة اعترافا متأخرا بنص سبقها، أم اختبارا جديدا للمسؤولية، أم لحظة إشكالية قد تُغري الشاعر بالاطمئنان وهو ما يفترض أن يكون في حالة قلق دائم؟
الجوائز والمهرجانات لا تصنع شاعرًا وإنما تسلّط الضوء على شاعر ويضيء تجربة بعينها، وأنا شخصيًا فتحت لي الجوائز أفقًا عربيًا أوسع بكثير من الأفق الذي كنت أتحرك فيه في بركات أواخر التسعينيات وبدايات الألفية، فقد عُرفت عربيًا من خلال جائزة بسيطة هي جائزة المبدعون التي انطلقت في دورتها الأولى عبر مجلة الصدى التي تحولت لاحقًا إلى دبي الثقافي، هذه الجائزة فتحت لي الباب، فالنص كان مكتوبًا قبل سنوات من الفوز ولكن الجائزة جاءت لتقول إن هذا النص جيد ومنحتني المركز الأول وأضافت شهرة ومعرفة وحضورًا إعلاميًا استفاد منه الصحفيون والإعلاميون وفي الوقت نفسه قدّمت دعمًا ماديًا ووضعتني أمام مسؤولية جديدة، ومع ذلك أخشى أن تتحول الجوائز إلى هاجس وأن يتحول الشعراء إلى مهووسين بها كما حدث مع كثير من الروائيين، وهذه مشكلة حقيقية، فأنا أعرف اليوم شعراء يكتبون نصوصهم وفق مقاسات لجان التحكيم ومزاج إدارات البرامج والمهرجانات، وهذا يعني أن الشاعر يصنع رقيبًا داخليًا بنفسه يحد من طموحه ويكبح جنونه ويصادر برّيته، فالشاعر ابن المناطق المفتوحة، وإذا وُضعت له هذه الحدود ستتراجع شعريته كثيرًا وسنحصل على شعراء مكرّسين للجوائز ولمناسبات دينية واجتماعية وسياسية وثقافية أكثر مما هم مكرّسون لمغامرة الشعر نفسها.
هل ما زال الشعر (في تجربتك) قادرا على مساءلة العالم، أم أنه بات مشغولا أكثر بمساءلة لغته وأدواته الخاصة على حساب الأسئلة الكبرى؟
الشعر بالأساس لم يستبطن الأسئلة الوجودية كما أراها أنا، وربما يرى آخرون الأمر بشكل مختلف، وهذا لا يعني نفي قيمته أو التقليل منها، لكنه شعر تضاف إليه قيمة أكبر حين يقترب من هذه الأسئلة، فالشعر الذي يطرح الأسئلة لا يسعى إلى تقديم إجابات جاهزة، لأن الإجابات تمنح طمأنينة تقتل الشعر، بينما الأسئلة المتمرّدة هي التي تفتح باب التأويل وتبقي النص حيًا ومفتوحًا، وأنا أميل كثيرًا إلى هذا النوع من الطرح، إلى الأسئلة التي هي في جوهرها أسئلة شعرية قبل أي شيء آخر، فنحن لا نريد من الشاعر أن يكون فيلسوفًا أو حكيمًا، وإنما نريده شاعرًا أولًا قادرًا على توظيف أدوات الفلسفة والفكر والمعرفة داخل قصيدة تستبطن أسئلتها من الداخل، وهذا ما أطمح إليه، فأعمالي الأخيرة تدور في هذا الفلك، فلك السؤال الوجودي والقلق المعرفي، لكنها في النهاية ابنة الشعر، لا ابنة الفلسفة ولا الحكمة.
أنت حاضر في المشهد الثقافي العراقي كمثقف فاعل داخل المؤسسة وليس على هامشها... كيف يمكن للمثقف أن يعمل من داخل البنية الرسمية دون أن يفقد حسّه النقدي أو يتحول إلى صوت تبريري؟
في الواقع أنا ابن هذا الوسط الثقافي فمنذ أكثر من ثلاثين سنة وأنا أدور في هذا الميدان، ومرّة سُئلت كيف نجحتم في العمل داخل الإدارة الثقافية الرسمية الحكومية، فقلت إننا لم نأتِ من خارج المشهد، عندما كنا شبابًا ولم نكن نتحمّل المسؤولية كنا نشخّص ونسأل لماذا لم يُنجز هذا ولماذا لم يُنفّذ ذاك، وبعد سنوات وجدنا أنفسنا مكلّفين بالمهام نفسها التي كنّا ننتقد القائمين عليها، وكل ما فعلناه أننا حاولنا أن ننفّذ بعض تلك الملاحظات التي كنّا نوجّهها إلى المسؤولين الثقافيين، العمل الثقافي عمل وعر وصعب لأنك تتعامل مع نخبة ترى نفسها في كثير من الأحيان أنصاف آلهة وأنصاف أنبياء، وإرضاء هذه الطبقة بالغ الصعوبة في بلد قلق ومثقل بمشكلات مالية واجتماعية وسياسية، ومع ذلك كانت الحكومة متجاوبة مع معظم الطلبات والمذكرات التي كنت أرفعها خلال عملي مستشارا لرئيس الوزراء للشؤون الثقافية بالعراق، واستطعنا أن نطلق مبادرات ثقافية ومهرجانات، وتمكّنا أيضًا من المضي في مشاريع ترميم مدينة بغداد التاريخية.
يُقال إن الثقافة العربية تعاني اليوم من تضخم في الإنتاج مقابل تراجع في الذائقة... هل تعتقد أن المشكلة في النصوص أم في آليات التلقي، أم في غياب الوسيط النقدي القادر على الفرز وإعادة الاعتبار؟
أنا أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت بدرجة كبيرة في انحراف الذائقة، ففي الوقت الراهن بات أي صانع محتوى أو مؤثرة تمتلك ملايين المتابعين مقارنة بحضور محدود للمثقف أو الروائي أو المفكر، وهذه إشكالية حديثة لا يمكن حلّها بسهولة في هذه المرحلة؛ لأن الطبقة الثقافية ما زالت تنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي بعين الريبة، وعلاقتها بها علاقة ملتبسة، فما زلنا نراهن على الورقة والجلسات المحدودة والحوارات النخبوية، دون إيمان حقيقي بأن هناك ملايين من الجمهور يقفون خلف هذه الشاشات ويمكن أن يشكّلوا مصدر قوة للشاعر والأديب والمثقف والمفكر، لكننا لا نعرف كيف نصل إليهم، فالمشكلة في آليات التوصيل، نحن ببساطة لا نعرف كيف نخاطب الجمهور... الجمهور انسحب منّا واتجه نحو المغني والفنان وصانع المحتوى والمؤثرة، وللأسف فإن الأدباء والمثقفين على وجه التحديد لا يمتلكون حتى الآن الأدوات واللغة والوسائط التي تمكّنهم من استعادة هذا الجمهور أو إعادة بناء الجسر المقطوع معه.
أمام هذا الخلل في الذائقة وآليات الوصول إلى الجمهور، أين ترى مدخل المعالجة الحقيقي، ومن تقع عليه مسؤولية استعادة التوازن بين الإنتاج الثقافي والتلقي؟
الحل يبدأ بوجود أدباء أصيلين في إنتاج الثقافة، وأن تتقدّم الحكومات لتحمّل مسؤوليتها تجاه الشأن الثقافي، عبر دعم صناعة الرمز الثقافي ورعايته، فالرمز الثقافي قادر على إحداث التغيير وقادر على التأثير في الذائقة العامة وفي وعي الجمهور، وبالأساس يفترض بالحكومات ومن خلال وزارات الثقافة والمؤسسات الرسمية المعنية بالقطاع الثقافي في الدول العربية أن تأخذ بأيدي المبدعين والمفكرين والكتّاب والمثقفين بشكل عام، وأن تعمل على تحويلهم إلى رموز مؤثرة وحاضرة في الفضاء العام... رموز قادرة على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم، وأن تُصنع لهم المكانة والحضور ليكونوا نجومًا في الثقافة كما يوجد نجوم في الفن والغناء.
... لكن أترى أن هذا الدور يمكن أن تنهض به المؤسسات الرسمية فعليا، أم أن الواقع الثقافي العربي ما زال يفتقر إلى الشروط التي تجعل ذلك ممكنًا؟
... نعم من الممكن في كل بلد أن يُصنع نموذج أو نموذجان عبر دعم حكومي مباشر، فهؤلاء موجودون بالأساس لكنهم لا يعرفون كيف يصلون إلى تلك النقطة، ففي التجربة الأوروبية مثلًا لا يتواصل الأدباء بشكل مباشر مع الجمهور، هناك مدير أعمال وهناك منظومة كاملة من القواعد المهنية والآداب الخاصة بهذه الفئة، ويمكن أن تُصنع لهم دعاية خاصة ويتم تسويقهم بشكل احترافي، وهذا ينعكس مباشرة على صناعة الكتاب، فعندنا في العالم العربي أفضل كاتب نادرًا ما تتجاوز طبعاته ألف نسخة، بينما في التجربة الأوروبية تقوم صناعة الدعاية الثقافية على خلق هالة حول الكاتب، وأقل الكتّاب حضورًا في هذا السياق لا تقل طبعات كتبهم عن مئة ألف أو مئتي ألف نسخة، وهم يعيشون فعليًا من كتاباتهم، سواء كانوا روائيين أو شعراء أو كتّاب قصة، وأنا أعرف الكثير منهم يعتمدون في معيشتهم على نتاجهم الأدبي، وهذا بالضبط ما يفتقده العالم العربي بأكمله للأسف.
العراق بلد الشعر بامتياز.. لكنه أيضا بلد الجراح المفتوحة، ما أثر هذه التحولات العنيفة في التاريخ العراقي الحديث على تصورك لدور الشاعر سواء كان شاهدا أو كونه كائنا أخلاقيا في قلب العاصفة؟
جزء كبير من تحوّلات الشعر العراقي مرتبط بشكل مباشر بالتحوّلات السياسية والاجتماعية التي مرّ بها العراق، فحتى حركة الشعر الحر ربط بعض الدارسين نشأتها بانتهاء الحرب العالمية الثانية والتحوّل من زمن الاحتلال إلى زمن الحكومات الوطنية، وهذا التحوّل السياسي استدعى بالضرورة تحوّلًا ثقافيًا، وكان الشعر أكثر الأجناس الأدبية قربًا من الناس ومن تحوّلاتهم اليومية، كما أن الصراعات الأيديولوجية التي عصفت بالعراق في الخمسينيات والستينيات، وخصوصًا بين التيار الشيوعي من جهة والتيار القومي والبعثي من جهة أخرى، أنتجت كتلتين واضحتين من الشعراء والمثقفين، هذا في حقل اليسار وذاك في حقل اليمين، ثم جاءت الحروب المتعاقبة والحصار الطويل والاحتلالات المتعددة وتشكّل الحكومات بعد عام 2003، وكلها دخلت بقوة في ملامح الأدب العراقي، فلو أُنجزت مراجعة جادة لهذا الأدب سنجد أن السبعينات عبّرت عن مرحلة تشكّل الدولة في ظل حكومة البعث، وأن الثمانينات أفرزت أدب الخنادق والحرب والأسر والموت، ثم جاءت التسعينيات بكل ما حملته من حصار وفقر وأزمات اجتماعية ومادية، وبعد عام 2003 ظهرت قصائد الاحتلال، قصائد تدين الاحتلال نفسه وأخرى تدين النظام السابق، وبقيت هيمنة السياسي وتحولات المجتمع العراقي حاضرة بقوة في المشهد الأدبي، مع بروز هذه التأثيرات بشكل أوضح في الرواية على وجه التحديد.
... وهل ترى أن القصيدة العربية اليوم ما زالت قادرة على ابتكار أشكال جديدة للقول، أم أن معظم التجارب تدور داخل تحديث شكلي لا يمس جوهر الرؤية؟
أعتقد أن التحولات الشكلية في القصيدة العربية وصلت إلى ما يشبه الجدار المسدود، فالأشكال إلى حد كبير استقرّت ولم تعد مجال المغامرة الحقيقي، لكن التحولات الجوهرية داخل القصيدة تظل مرتبطة بقدرة الشاعر نفسه، بثقافته ووعيه وبتمثّله لواقعه وفكره ومعرفته، فهذه العناصر مجتمعة هي التي تؤثر في بناء النص الجديد وتمنحه صحته وحيويته... الأمة العربية في تقديري أمة ولّادة للشعر، وهي لا تمتلك فنًا أصيلًا متجذرًا مثلما تمتلك الشعر، فمعظم الفنون الأدبية والفنية الأخرى وافدة أو مستوردة، بينما الشعر هو المادة الأساسية والرئيسية التي نملكها، وهذه المادة تتطوّر في أزمنة وتنغلق في أزمنة أخرى، تتكلّس أحيانًا ثم تعود لتنفتح من جديد... والشعر العربي منذ السياب ونازك الملائكة والبياتي ومع حركة الشعر الحر بدأت تُضخ فيه دماء جديدة، واستمر هذا التحوّل حتى وصوله إلى قصيدة النثر، لكن التحوّل الأهم لا يكمن في الشكل بقدر ما يكمن في قدرة الشاعر على أن تكون قصيدته عابرة للزمن، فالقصائد لا تعبر الأزمنة إلا حين تحمل رؤية كبيرة، كما حمل شعر أبي العلاء المعري رؤية استطاعت أن تعبر أكثر من ألف ومائتي عام وتصل إلينا حيّة ومؤثرة، ومدى قدرة الشاعر على تجاوز الزمن مرهون بما تحمله قصيدته من رؤية عميقة، وهذا التوجّه لا يغيب عن المشهد العربي، إذ ما زال هناك شعراء مهمون يحملون هذا الوعي ويشتغلون عليه.
علاقتك بالتراث ليست علاقة قطيعة ولا استنساخ.. كيف تقرأ حضور التراث في القصيدة العربية المعاصرة هل هي مخزون رمزي وكعبء جمالي، أم كسؤال لم يُحسم بعد؟
أنا أتذكّر مقولة وردت في بداية رواية فهرس للروائي العراقي سنان أنطوان حين يقول إن الجميع يريد أن يغيّر الحاضر بينما يريد هو أن يغيّر الماضي، والتراث العربي يشكّل ضغطًا هائلًا علينا جميعًا وهو جزء أساسي من حياتنا، لذلك فإن استحضاره بالنسبة لي عنصر جوهري في بناء القصيدة، ودائمًا ما تجد في نصوصي التفاتًا إلى هذا التراث، لكنها التفاتة متسائلة وحائرة وأحيانًا مشكّكة، فنحن نهضم التراث ونطرحه بصورة أخرى ونسائله باستمرار، وعلينا أن نسائل التراث بكل محمولاته الاجتماعية واللغوية والدينية والفكرية والفلسفية، فالتراث العربي تراث غني وعميق لكنه ظل ضاغطًا علينا في الواقع الذي نعيشه اليوم، وما يمكن أن نفعله نحن الشعراء هو أن نهضم هذا التراث إلى حد ما، إذ لا يمكن هضمه كاملًا، وأن نستمر في مساءلته، فلا قدسية للتراث خارج فعل مساءلته ذاته، وقدسيته الحقيقية تكمن في إخضاعه للسؤال وربما للمحاكمة أحيانًا، لأن فيه ثوابت أصبحت ضيقة على حاضرنا، وأنا من الذين استحضروا التراث وساءلوه واشتغلوا عليه من داخل هذا القلق.
أخيرا... هل وصلت في تجربتك إلى إجابة نهائية، أم ما زالت الكتابة بالنسبة لك بحثا مفتوحا عن جوهر لم يستقر بعد؟
ما زالت الكتابة بالنسبة لي بحثًا مفتوحًا عن روح الشعر، عن اللحظة التي يكتب فيها الشعر قصيدته، تلك الروح التي نبحث عنها دائمًا، وأشعر أن كل ما كتبناه وكل ما مررنا به لم يكن سوى طبقات وتمارين ومحاولات لكتابة القصيدة التي ننتظرها، ما زلت أنتظر القصيدة التي أكتبها، وكل هذه الجوائز والمسابقات والمهرجانات والدواوين ليست سوى تمارين طويلة في انتظار تلك القصيدة التي لا تأتي.
**media[3269027]**