بات من الواضح على نحو متزايد أن أي إطار عمل قابل للتطبيق للتعاون الدفاعي والأمني الأوروبي يستلزم إنشاء شيء مشابه للاتحاد الأوروبي الغربي (WEU) القديم الكتلة المكونة من عشرة أعضاء التي توقفت عن العمل في عام 2011. قد يعترض كثيرون بحجة أننا لدينا بالفعل الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأن ما لا يستطيع أحدهما القيام به يستطيع الآخر تنفيذه. 

لكن هذا الحجة لم تعد صالحة؛ فقد أوضحت التطورات الأخيرة أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي (EU) غير مؤهلين على الإطلاق لمواجهة التحديات المتغيرة التي تواجه أوروبا. 

لنتأمل هنا حالة أوكرانيا. من ناحية يضطلع الاتحاد الأوروبي بدور حيوي في تقديم المساعدة المالية لهذا البلد الـمُـحاصَر؛ فقد سارع إلى المساهمة في تحسين التعاون بين صناعاته الدفاعية، وفتح الطريق أمام انضمام أوكرانيا في نهاية المطاف. 

من ناحية أخرى ينتهي به الأمر إلى الشلل كلما استخدمت دولة أو دولتان من أعضائه حق النقض ضد قراراته. الأسوأ من ذلك أن الناتو لطالما كان عنصرا أساسيا في الدفاع عن أراضي أوروبا، لكن التزام الولايات المتحدة بالتحالف ــ وخاصة بالأمن الأوروبي ــ أصبح موضع شك على نحو متزايد، كما أوضحت مخططات الولايات المتحدة بشأن جرينلاند -الإقليم السيادي التابع للدنمارك عضو الناتو والاتحاد الأوروبي-. نتيجة لهذا؛ لم يعد الحوار بين أعضاء الناتو على ذات القدر من الأهمية الذي كان عليه في السابق، خاصة فيما يتعلق بمسألة الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا. 

لهذا السبب بدأت أُطُر عمل جديدة وغير رسمية تتشكل على الهامش. على مدار العام الماضي اكتسب تحالف الراغبين الذي نشأ للحفاظ على الدعم المقدم لأوكرانيا أهمية متزايدة. ويشير كثيرون الآن إليه بالأحرف الأولى من مسماه باللغة الإنجليزية: (CoW) « تحالف الراغبين». 

وفي حين تسعى الولايات المتحدة من جانب واحد إلى إنشاء أُطُر عمل غير متسقة لإنهاء القتال كانت دول أوروبية رئيسية تلتقي تحت هذا الشعار الجديد؛ لوضع سياسة طويلة الأمد أكثر جدية. 

إحدى المزايا الجلية التي يتمتع بها تحالف الراغبين أنه يضم المملكة المتحدة والنرويج بينما يستبعد المجر التي دأب رئيس وزرائها الموالي لروسيا فيكتور أوربان على إحباط استجابات الاتحاد الأوروبي للحرب. 

تجتمع قيادة التحالف الثلاثية غير الرسمية « E3 » المكونة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا الآن بانتظام إلى حد ما بما يدل على أنها تلبي حاجة لا يستطيع الاتحاد الأوروبي ولا حلف شمال الأطلسي تلبيتها. 

لماذا إذن لا نتخذ الخطوة المنطقية التالية المتمثلة في إنشاء نسخة جديدة من الاتحاد الأوروبي الغربي القديم؟ بحلول الوقت الذي حُـلّ فيه رسميا قبل ما يقرب من خمسة عشر عاما كانت وظائفه المتبقية انتقلت إلى الاتحاد الأوروبي الذي امتدت ولايته وهياكله لتشمل سياسة الأمن والدفاع. 

في الواقع نُـسِخَت فقرة الدفاع المتبادل (المادة 42.7) في معاهدة لشبونة المؤسسة للاتحاد الأوروبي من معاهدة الاتحاد الأوروبي الغربي، وهي تتجاوز ما ذهبت إليه فقرة الدفاع الجماعي (المادة الخامسة) في معاهدة شمال الأطلسي. 

ولكن بعد ذلك جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. تركت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي؛ لأن أغلبية ضئيلة من الناخبين صدقت حجة مفادها أن بلدهم سيكون في وضع أفضل بمفرده، حتى في عالم أكثر اضطرابا. 

بعد مرور عشر سنوات بات من الواضح تماما الآن أن هذا كان خطأ. لم تصبح بريطانيا أصغر وأضعف فحسب، بل أصبح الاتحاد الأوروبي كذلك أيضا. كدولة عضو في الاتحاد الأوروبي اضطلعت المملكة المتحدة بدور رئيسي في تشكيل السياسات المشتركة التي انتهجتها كتلة كانت مهمة على الساحة العالمية. وعندما رحلت نضب معين هذا المصدر الرئيسي للأهمية. 

ولكن نظرا للتحدي الذي تشكله الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا لم يكن من الواقعي صياغة استجابة أوروبية فعّالة في غياب المملكة المتحدة. ومع وجود مكونات تحالف الراغبين بالفعل ظهرت القيادة الثلاثية الجديدة، وسرعان ما اكتسبت أهمية استراتيجية. كان الناتو مشغولا بشدة بمحاولة استرضاء «بابا» (اللقب المحرج الذي أطلقه أمين عام الناتو مارك روته على الرئيس الأمريكي دونالد ترمب) لوضع استجابة سياسية، وكان الاتحاد الأوروبي يجاهد بسبب العراقيل التي تضعها المجر وسلوفاكيا. 

بما أن الاتحاد الأوروبي الغربي الجديد موجود بحكم الأمر الواقع؛ أليس من المنطقي إضفاء الطابع المؤسسي عليه رسميا؟ على الأقل ينبغي لنا النظر بجدية في هذه المسألة. تحتاج الدول الرئيسية في أوروبا الغربية ـ أيا كان تعريفنا لهذا المصطلح ـ إلى إطار أكثر صرامة ليس فقط لتنسيق السياسات بشأن روسيا وأوكرانيا. 

بل تحتاج أيضا إلى مواجهة الترهيب الأمريكي الذي يتجلى في إعلان ترمب فرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية؛ لمعارضتها اقتراحه بضم جرينلاند. 

لا يخلو الأمر من طرق عديدة لإضفاء الطابع المؤسسي على الاتحاد الأوروبي الغربي الجديد دون بناء هياكل ضخمة وترتيبات شديدة التعقيد، ودون مزيد من تقويض أو تكرار دور الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي. 

ما يهم هو أن يفعل أولئك الذين ما زالوا على استعداد للدفاع عن القيم الغربية أي شيء. لقد فرضت السنة الأولى من ولاية ترمب الثانية هذا الوضع على أوروبا. ومع تبقي ثلاث سنوات أخرى فإن التردد ليس خيارا واردا. 

يجب أن يكون إنشاء اتحاد أوروبي غربي جديد على رأس جدول الأعمال؛ لأن الأمن الأوروبي من غير الممكن أن ينتظر. 

 كارل بيلدت رئيس وزراء ووزير خارجية سابق للسويد. 

 خدمة بروجيكت سنديكيت