تتقادم؛ أو تتدافع؛ أو تتأصل؛ هي مجموعة من القيم السامية، والعادات الحميدة، والممارسات الماكنة، كل ذلك يحدث بعيدا عن الصخب، أو التكلف، أو التنطع، ويتوفر لأن هنا أو هناك فردين، أو إنسانين، أو شخصيتين، أو محورين لمعنى الإنسانية؛ يسميان: جد وجدة، فهما الحاضران، وهما الفاعلان، وهما المؤثران، وهما المؤصلان لكل ما هو له قيمة إنسانية، وله قيمة تاريخية، وله قيمة معرفية في حق من يسمون «الأحفاد» ولن تنمحي هذه الصورة في التأثير؛ على طول الخطين: الرأسي والأفقي، يحدث ذلك على امتداد الأزمنة والعصور، وتغير السنوات والدهور، فهما طبعة إنسانية خالصة تتجاوز في فعلها واقع أي جيل جديد للتو؛ يبحث عن هُوية، ما دام هنا أو هناك شيء اسمه جيل يتتابع أفراده جيلا بعد جيل بصورة متوالية، ومرحلة بعد مرحلة، فلن يسقط الأجداد في بئر النسيان، ولن تستطيع الإنسانية أن تعبر إلى بر الأمان إلا بحضور هذين الفردين، في مختلف المراحل التي تمر بها الأجيال، وهذا لا ينفي أن هذين الإنسانين مرا قبل فترة بذات النسق الإنساني الموسوم بتوالي الأجيال؛ فهذا أمر لا خلاف عليه، ويبقى التأكيد على مجموعة التراكمات التي مرت عليه طوال سنوات العمر، ومسؤوليتهما في تلقين الجيل الثاني «الأحفاد» وتأصيله كخلاصة لهذه التجربة الإنسانية التي صقلت قناعاتهما، وأوضحت مسارات مواقفهما، وعززت آراءهما لكثير من جوانب الحياة المختلفة؛ حيث لا ينازعهما على ذلك منازع.
قد تتجاوز الممارسات السلوكية في شأن إنزالهما المنزلة المباركة التي يستحقانها في كثير من لحظات الضعف الموسوم بالإنسان، ولكن سرعان ما يعاد تدوير البوصلة نحو أهمية الدور الذي يلعبانه في تعزيز حاضنة الأمومة، والأبوة، وهما؛ وإن كان ما يقومان به قد لا يكون بذلك الكم المادي المثقل بموازين التقييم، ولكن يبقى بذلك الكيف الحاضن لكافة المعاني الإنسانية، وهما بذلك قد يتجاوزان ما اعتاد عليه أبناؤهما في مراحل التنشئة والإعداد الأولى، حيث تختلط ممارسات الخطأ والصواب، في كثير من الأوامر والنوهي، بفعل حداثة التجربة، ولكن بعد كم من السنين «العجاف» تبدأ مرحلة «الخصب» التربوي، وهي المرحلة التي ينعم بها الأحفاد؛ حيث يجنح الأبناء بعيدا جلبا لضروريات الحياة اليومية، حتى يصلوا في يوم من الأيام لما وصل إليه آباؤهم من معتقات تجربة الحياة اليومية، وإن اختلفت التجارب، والممارسات فهذا شأن آخر، وهو أمر لا مرية حوله.
تفرض اليوم؛ أكثر من أي وقت مضى؛ الأسرة النووية شروطها القاسية على التربية، مع أنه يفترض العكس، ذلك أن واقعها – أي الأسرة النووية – أصبح في حكم الفرض، ولا مجال لتقليل الفجوات بينها وبين الأسر الممتدة، التي يتضاءل حضورها عاما بعد عام، وإذا استطاعت القرية في زمن مضى أن تلملم شتات العلاقات بين الأجيال (الأجداد/ الأحفاد) على وجه الخصوص، فإن المدينة بهيلمانها المتوحش تعمل على العكس من ذلك بكثير، فسطوة المدن معروفة، وتوحشها ملموس، حيث تنشئ أبناءها على التفرد، والإقصاء، ولا تؤمن كثيرا بما يعرف بـ«اللحم الاجتماعية» إلا في حدود ضيقة، وهي حدود لا تؤسس متنفسا واسعا تستوعبه الأجيال وتتشربه؛ ليكون ذا قيمة «هذا شأن المدن»، حيث التغريب؛ يحط رحاله في كل زواياها المختلفة، وغوايات المدن هذه قد لا تكون مفتعله حتى تتحمل وزر كل ذلك، فأنساقها العامة – التي وضعها الإنسان نفسه – تذهب إلى هذا التغريب، فلا قيمة للإنسان إلا بما يملك، ولذلك تتشكل القيمة المعنوية للأسرة النووية في مهدها الجديد «المدينة» وفق استحقاقات المدن، لا متطلبات التربية والحقوق الأبوية، ولذلك يتشرب مأزق ذلك الأحفاد، فالجدان لن يستطيعا أن يلملما المحتويات المبعثرة من القيم ليغرسانها في ذاكرة أحفادهما، الذين لا تجمعهم جيرة، حيث تتناءى المسافات بين سكنات الأبناء، على عكس ما يقول القائل:
«رحب الفلاة مع الأعداء ضيقة؛ وسم الخياط مع الأحباب ميدان».
مع استحضار المقاربة بين رحب الفلاة عبر الأفق الممتد؛ وبين الفواصل الواسعة لمكونات المدينة.