عندما تنتابنا حالة من الغضب الشديد، أو نشكو نقصًا في أداء واجب إنساني ـ كنا نأمل أن يتحقق في جانب معين ـ فهذا ليس معناه أننا نخلط الأوراق مع بعضها البعض، فليست كل الأوراق ملوّنة؛ فهناك أوراق بها كتابة سوداء. ولكن أحيانًا نشعر بنوع من الزعل المبرَّر والانفعال التلقائي كردة فعل لا أكثر، ولكن هذا لا يعجب بعضًا من الناس!
عندما ننتقد مرفقًا حيويًا يلامس حياة الناس، فإننا نطمح إلى تحسين الخدمة المقدَّمة منه مستقبلًا، وليس تقليلًا من الجهود التي تُبذل؛ لأننا نعلم جليًّا بأن لكل مرفق إمكانياته المتاحة ونظامه المعهود. ولكن طالما لم يكن هناك اتفاق ما بين "المؤدّي والمؤدّى إليه" لنوع الخدمة، فلماذا تقوم الكثير من دوائر العمل بتوزيع "استبيان" يرصد مدى رضا الجمهور عن الخدمات التي تُقدَّم إليه؟
ثم لماذا يتحسّس البعض من "النقد" حتى وإن كان في إطاره البنّاء، ويعتقد بأن سهام الاتهام تُوجَّه نحوه، وأن هناك استهدافًا ممنهجًا لشخصه دون المنظومة التي يعمل بها؟
إذا كان ديننا الإسلامي الحنيف يعرّفنا دائمًا وأبدًا بأن "الكمال لله وحده"، فإن علينا أن ندرك حقائقنا البشرية التي تتميز بالتقصير والنقص، حتى في أعمالنا التي نجتهد أن تكون في أكمل صورة وأبهى صورة. إذن فالتقصير يأتي من الجميع، وليس مرتبطًا بشخص ما أو مرفق محدد، فالجميع يعمل ضمن منظومة عمل متكاملة، والإنسان المجتهد ليس في كل مرة مصيبًا؛ فالإخفاق وارد جدًا، وأحيانًا يكون خارجًا عن مقدرة الآخرين. إذن لا داعي مطلقًا للتحسّس أو الاعتقاد بأنها إهانة أو نقصان في التقدير.
وهذا يقودني إلى صلب الموضوع الذي أود الحديث عنه، فلا زلت حتى هذه اللحظة لدي أمل كبير في استحداث آلية جديدة لتقليل فترات انتظار المرضى للعلاج؛ فالشهور الطويلة يمكن أن تضاعف من المشاكل الصحية. أعلم بأن ثمة مبادرات تُطلق على فترات هدفها التقليل من ازدحام المراجعين، لكن لا يزال الطريق طويلًا وشاقًا، ويجب تحمّل وجهات النظر وشكوى الناس.
يُقال دائمًا: "الذي يُدخل يده في النار ليس كالذي يُدخلها في الماء"، فالمريض قد يستمر في المعاناة طويلًا إذا لم يكن مقتدرًا على تحمّل فاتورة العلاج في مراكز العلاج الخاصة، ويظل ينتظر العلاج المجاني الذي يعتبره "الحل الأول والأخير" بالنسبة له.
منذ أيام قليلة سمعت بأن إحدى المستشفيات المرجعية قررت فتح العيادات الخارجية في الفترة المسائية حتى تُخفف من فترات الانتظار على المرضى، وهذا الأمر فتح أبواب السرور ليس على المرضى فقط، وإنما على أهلهم وذويهم، فليس من السهل أن ترى أمام عينيك شخصًا يتألم ولا تستطيع أن تقدم له المساعدة.
نأمل من المعنيين إيجاد مساحة واسعة من النقاش، وإيجاد الحلول للقضاء على مشكلة تأخر حصول المرضى على موعد قريب للعلاج، فشهور الانتظار ليست أمرًا سهلًا يمكن للجميع تحمّله. فكم من موعد أتى لمريض لم يُسعفه القدر للعيش حتى يجد فرصته في العلاج. نعلم بأن الأعمار بيد الله تعالى، ولكن يجب أن نتفهم أن الحاجة إلى تلقي العلاج هي من جعلت البعض يحسب الأيام والشهور.
هناك مبادرات ناجحة قامت بها وزارة الصحة على مدى الفترات الماضية وأتت ثمارها، ومنها إلزام المريض بالقدوم إلى المستشفى حسب الساعة الزمنية المحددة له، بمعنى ضرورة الالتزام بالوقت. وهذا الأمر ساهم في الحد من تكدّس المرضى في العيادات، وأيضًا قلّة الزحمة في مواقف السيارات، الأمر الذي أشاد به الكثير من المراجعين وذويهم، وهي خطوة إيجابية.
وطالما أننا نرصد الملاحظة ونبرز ما فيها من نقص، فإننا أيضًا نرصد الوجه المشرق الجميل والخطوات التي تطرح الخير، فالمريض ومن معه هم جميعًا من نسيج المجتمع، والكل يقدّر الجهود ويثمّن الخطوات، ويطمح دائمًا إلى تطوير الأداء الوظيفي في كل المؤسسات.