عواصم "وكالات": أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، " مجلس السلام"، رسميا، من خلال توقيعه على ميثاق تأسيسه، في مبادرة يرى منتقدوها أنها تعمل على تقويض الأمم المتحدة.
ووقع ترامب الميثاق خلال مراسم أقيمت اليوم الخميس، ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي، المنعقد في منتجع دافوس بسويسرا.
وقال ترامب "بمجرد الانتهاء من تشكيل هذا المجلس بالكامل، سنتمكن من فعل أي شيء تقريبا نريد فعله. وسنفعل ذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة"، مضيفا أن المنظمة الدولية لديها إمكانات كبيرة لم تُستغل بالكامل.
ودعا ترامب الذي سيرأس المجلس، العشرات من قادة العالم الآخرين للانضمام إليه، وقال إنه يرى أن المجلس سيتعامل مع تحديات عالمية أخرى غير وقف إطلاق النار الهش في غزة، وإنه لا يعتزم أن يكون المجلس بديلا للأمم المتحدة.
وأبدى بعض حلفاء الولايات المتحدة التقليديين ترددا في الانضمام إلى المجلس إما بردود حذرة أو برفض الدعوة. ويقول ترامب إن على الأعضاء الدائمين في المجلس المساهمة في تمويله عبر دفع مبلغ قدره مليار دولار لكل منهم.
وقال ترامب: "لدى هذا المجلس فرصة أن يكون من أهم الهيئات التي تم تأسيسها على الإطلاق".
ويترأس ترامب المجلس، ويقدمه بوصفه منظمة دولية جديدة لقيادة مبادرات بناء السلام.
ويمكن للدول التي تساهم بمليار دولار أن تنال عضوية دائمة في المجلس، بينما ستكون عضوية الدول الأخرى لمدة ثلاثة أعوام.
ولم تصدر إدارة ترامب بعد قائمة كاملة بالأعضاء.
واجتمع على المنصة مع ترامب عدد من القادة وكبار المسؤولين من 19 دولة، من بينهم حلفاء له من الأرجنتين والمجر، لتوقيع الميثاق التأسيسي للمجلس.
وقال ترامب الذي يرأس "مجلس السلام" إنهم "في معظم الحالات قادة يحظون بشعبية كبيرة، وفي بعض الحالات ليسوا كذلك. هكذا تسير الأمور في الحياة".
وقامت فكرة مجلس السلام أساسا للإشراف على إعادة اعمار قطاع غزة، لكن ميثاقه ينص على مهمات أوسع بكثير تشمل السعي إلى حل نزاعات أخرى في أنحاء مختلفة من العالم، مما أثار مخاوف من سعي ترامب إلى جعله منافسا للأمم المتحدة.
إلا أنّ ترامب أكّد أنّ المجلس سيعمل "بالتنسيق" مع الأمم المتحدة.
وأثارت العضوية في "مجلس السلام" جدلا واسعا، لا سيما بعد أن وجّه ترامب دعوة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تشنّ بلاده حربا على اوكرانيا منذ أربع سنوات.
وباستثناء الولايات المتحدة لم تقبل أي دولة أخرى حتى الآن من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالانضمام إلى المجلس، وهي الدول الخمس صاحبة النفوذ الأكبر فيما يتعلق بالقانون الدولي والدبلوماسية الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقال ترامب، الذي دأب منذ فترة طويلة على انتقاد أداء الأمم المتحدة وغيرها من مؤسسات التعاون متعدد الأطراف، "هناك إمكانات هائلة لدى الأمم المتحدة وأعتقد أن الجمع بين مجلس السلام ونوعية الأشخاص الذين لدينا هنا... ربما يكون شيئا فريدا جدا جدا للعالم".
بريطانيا وفرنسا تقاطعان المراسم
من جهة ثانية، قاطعت بريطانيا وفرنسا مراسم توقيع الميثاق، واكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية اليوم الخميس إن باريس لن تنضم إلى مجلس السلام الذي اقترحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الوقت الراهن لأن ميثاقه لا يتسق مع قرار الأمم المتحدة المتعلق بخطة إنهاء الحرب في غزة، فضلا عن أن بعض بنوده تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.
وقال المتحدث باسكال كونفافرو للصحفيين "ليس متوافقا من جهة مع التفويض الخاص بغزة، الذي لم يرد ذكره أصلا، ومن ناحية أخرى فإن في هذا الميثاق عناصر تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة".
يذكر أن ومعظم الذين حضروا مقرّبون من ترامب، بينهم رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، فيما يسعى الباقون إلى إظهار ولائهم للرئيس الأمريكي.
وبالإضافة إلى ترامب، حمل الميثاق توقيع مسؤولين من البحرين والمغرب وأرمينيا وأذربيجان وبلغاريا وإندونيسيا والأردن وكازاخستان وكوسوفو وباكستان وباراغواي وقطر والسعودية وتركيا والإمارات وأوزبكستان ومنغوليا.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال مراسم التوقيع، إنّ تركيز المجلس ينصبّ "أولا وقبل كل شيء على ضمان أن تصبح اتفاقية السلام في غزة دائمة".
ويأتي إطلاق المجلس في ظلّ إحباط ترامب لعدم فوزه بجائزة نوبل للسلام، رغم ادعائه المثير للجدل بأنه ساهم في إنهاء ثمانية نزاعات.
ميرتس:علينا أن نواجه واقعا صارما
وعلى صعيد آخر، حذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس على الساحة الدولية من الاعتماد في التعاون الجيوسياسي على قوة ونفوذ أطراف بعينها فقط.
وفي كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السويسري، قال ميرتس اليوم الخميس إن "عالما لا يعتد فيه إلا بالقوة هو مكان خطير للغاية ". وأوضح رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني أن هذا الخطر يهدد "الدول الصغيرة أولا، ثم القوى المتوسطة، و القوى الكبرى في نهاية المطاف".
وأضاف ميرتس أن أعظم قوة تنشأ من القدرة على بناء شراكات وتحالفات تقوم على الثقة والاحترام المتبادلين. ولم يذكر المستشار الألماني صراحة الدولة التي كان يقصدها بنقده، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية حلف شمال الأطلسي (الناتو). وكان ميرتس دعا الأوروبيين إلى الإسراع في التأقلم مع التحولات الجديدة في موازين القوى السياسية في العالم.
وقال في كلمته إن هجوم روسيا على أوكرانيا دشن عصرا جديدا يتجاوز هذا العدوان العسكري ويمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.
وأكد ميرتس أن الصين نجحت في شق طريقها إلى صفوف القوى الكبرى، فيما تتعرض الولايات المتحدة لتحديات في دورها المهيمن وتغير سياستها الخارجية والأمنية بشكل جذري.
وتابع ميرتس: "لقد دخلنا زمن سياسات القوى الكبرى... العالم الجديد للقوى الكبرى يقوم على القوة والصلابة و - عند الضرورة - أيضا على السطوة. إنه ليس مكانا مريحا"، موضحا أن هذا الواقع ليس قدرا محتوما، وقال: "لكي نصمد، علينا أن نواجه واقعا صارما ونحدد المسار بوضوح وبقدر عال من الواقعية".
من جانبه، أكد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول دعم الأمم المتحدة كأداة أساسية لحل النزاعات العالمية، وذلك على خلفية الجدل حول إنشاء "مجلس السلام" من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي أعقاب لقاء مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، قال فاديفول اليوم الخميس:" "في زمن الأزمات الجيوسياسية، لا يمكن أن تكون الإجابة الانسحاب من النظام الدولي والسعي إلى إبدال مؤسساته المركزية".
وأضاف الوزير المنتمي إلى حزب المستشار فريدريش ميرتس، المسيحي الديمقراطي:"لهذا السبب نوسع نطاق شراكاتنا العالمية بهدف واضح هو الدفاع عن النظام العالمي القائم على القواعد". ولم يذكر فاديفول صراحة "مجلس السلام" الذي اقترحه ترامب، لكن كان واضحا أن تصريحاته تشير إلى هذه المبادرة للرئيس الأمريكي. ومن المقرر بعد هذا اللقاء أن يعقد فاديفول اجتماعا مع نظيره الإثيوبي جيديون تيموثيوس.
وبدوره، أشاد يوسف بدور ألمانيا في عمليات السلام بالقارة، وقال: "نعلم جميعا أن النظام الدولي يتعرض للاهتزاز، مما يخلق شعورا بعدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل". وأضاف أنه في هذه الظروف، يصبح من غير الممكن التخطيط للسلام والتنمية بشكل مناسب. وتابع: "نأمل أن تنتصر الحكمة والتعقل على القرارات المتهورة والمزعزعة للاستقرار ذات التداعيات العالمية".
وقال فاديفول إن تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأفريقي يشكل أولوية بالنسبة له، وأضاف: "لأنه في الوقت الذي تتعرض فيه المبادئ الأساسية للنظام العالمي للتشكيك بشكل علني، فإننا نصبح في حاجة إلى شراكات للدفاع عن هذه المبادئ"، واستطرد فاديفول:"توحدنا القناعة بأن التكامل والتعاون القائم على القواعد يجعلنا أقوياء". وأكد أن المبادئ مثل سلامة الأراضي والسيادة السياسية لا يجب أن تكون موضع نقاش.
وتعتزم ألمانيا والاتحاد الأفريقي إطلاق حوار استراتيجي كإطار للعمل المشترك من أجل إيجاد حلول للتحديات العالمية الكبرى. وحدد فاديفول مجالات هذا التعاون قائلا إنها تشمل السلام والأمن، الطاقة والمناخ، بالإضافة إلى الهجرة والتنقل.