من أصعب الأشياء في هذا العالم أن يكون التفكير البشري محدود الأفق، الرافض لمبدأ التأمل في هذا الكون، أفكار تقليدية لا تخرج من الدوائر الضيقة أو تقفز خارج الصندوق، من كثرة الأحداث أصبحت عقولنا وقلوبنا أكثر قسوة نحو تقبل فكرة الانتظار، لذا أعصابنا متوترة بعد أن أصيبت بمتلازمة الوجع الدائم، لذلك نخشى على أنفسنا من اقتلاع أبواب الأمل عندما ترقص على جراحنا رياح الألم.
أصبحت أغلب الأشياء نؤجلها للغد، لقاءاتنا، مشاريعنا القادمة، خططنا في الحياة، كلها محصورة بالإنجاز على مهل، وكأن الوقت في أيدينا نفعل به ما نشاء، ولا نعلم بأن الآمال العريضة التي نرسمها في الليل ربما لن يطلع عليها نهار الغد!.
أغلبنا لديه قائمة طويلة من الأمنيات والطموحات والأحلام، كلها مسجلة في ذاكرته المهترئة، تارة ينساها دون قصد، وتارة أخرى تظهر إلى العلن بشكل مفاجئ، كل هذا لا يهم، المهم أن المجهول هو الوقت لا بد أن يأتي، أما ضمان العيش لوقت تحقيق الأمنيات فهو الرهان الذي يصعب علينا التنبؤ به!.
هناك زاوية أخرى هي مصدر قلقنا الدائم وهي قضية الفناء، وما يتركه الإنسان بعد رحيله، فقد علمتنا دروس الحياة أن الأثر الطيب هو من يقربنا أو يبعدنا عن الآخرين.
نعلم بأن حالة الفرح عندما تتفتح أزاهير الحياة على مصرعيها وبألوانها الزاهية أمام أعيننا يمكنها أن تحجب رؤيتنا على بعض الحقائق التي يجب أن نلتزم بها حتى لا نحيد عن طريقنا كبشر يعرفون أماكن الأشياء وأهميها.
من الواضح أن البعض يتشدق بالطيبة في ظاهر أموره، لكن قلبه عامر بالسواد، والبعض الآخر وهم "الطيبون"، يطبقون المعنى الحقيقي لقول الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".
إن التفكير في المشاريع الحياتية يأخذ من وقتنا الكثير، لذا ليس لدينا وقت في طرح فكرة الفناء وماذا سنتركه بعد انتهاء رحلة العيش على هذه الأرض؟.
الكثير منا يحاول الفرار من زحام الأفكار خاصة فيما يتعلق بالموت وما بعده، ويراها بأنها عبارة عن "نذير شؤوم" يلاحقه!، إن ما نراه يوميا في حياتنا من نهايات تكتب على أرواح كانت تعيش ليلا وفارقتنا صباحا، يفرض علينا أن نتأمل الواقع ونترك لأنفسنا فرصة "التفكر والتدبر والعمل" على تصحيح الأخطاء والهفوات والزلات، هل رهاب الموت هو من يبعدنا عن التفكير بالقدر الذي ينتظرنا في كل لحظة؟.
وهل هو الذي يشل حركة التفكير في أعماق أذهاننا بعد أن يتملكنا القلق الشديد، ويمنعنا من تقبل حقيقة الموت ويجنبنا الخوض في تفاصيله أو أي شيء يذكرنا به؟.
الحياة بأكملها ليست مجرد مجازفة أو مصير مكتوب، لكنها مزرعة عمل والصالح هو من راجع نفسه قبل فوات الأوان، وهذب كل أفعاله وما مضى من أيامه، وأدرك أن "الموت" آت لا محالة ولكن علمه عند الله فهو القائل "قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وقوله تعالى في سورة النساء: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } [ النساء: 78 ]
إن الحديث عن الموت يجب أن لا يخيفنا بل يذكرنا بأننا مستخلفون في الأرض، وربما يكون الموت واعظا لنا وحاجبا عن الوقوع في الخطايا والذنوب، فتذكر الموت يمكن أن يؤثر في نفس الإنسان ويجعلها تتخلص من زهو النفس وساوسها وأعمالها الشيطانية، فكلما كان الإنسان على يقين بأن عمره في الحياة قصير، كلما كان هذا حافزا له على القيام بالأعمال الصالحة لأن الإنسان إذا مات انقطع كل شيء في دنياه، يخسر ماله وأهله ومنصبه ويبقى إلى جانبه عمله الصالح، عن أنس عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يتْبعُ الميْتَ ثلاثَةٌ: أهلُهُ ومالُه وعمَلُه، فيرْجِع اثنانِ ويبْقَى واحِدٌ: يرجعُ أهلُهُ ومالُهُ، ويبقَى عملُهُ" متفقٌ عَلَيهِ..
لذا علينا جميعا أن تصور ذلك المشهد المهيب، والحالة التي سيصل كل منا إليها، الحياة فانية والعمل الصالح هو من سيبقى مدافعا عنا أمام الله.