يصعب أن تشرح للعالم ما الذي تغيّر في السنوات الأخيرة دون أن تشير إلى الشاشة. ليست شاشة التلفزيون هذه المرة، بل الهاتف الذي صار يطرق على جيوبنا كل دقيقة تقريبا. يهبط الخبر على الناس كالحجر، ثم يتبعه تفسير متعجل، ثم موجة انفعال تتضخم مثل كرة ثلج.. ولا أحد يريد أن يبحث عن أصل الحقيقة، أو يعمل أدوات النقد ومعادلات المنطق. لا يقوم الإعلام في هذا المناخ بنقل الخبر.. هو جزء من هندسة المزاج العام وبناء وعيه. وبهذا المعنى يصبح أهم اختبار يمكن أن يخضع له الإعلام هو قدرته على ارتباطه بالناس والمساهمة في بناء وعيهم.
لا يخوض الإعلام العماني سباق الهلع، ليس لأنه يعيش خارج العالم، ولا لأنه محصن ضد الأخطاء.. لكن لأنه يدرك أن قوة الكلمة لا تقاس بعدد من يقرأها كما هو في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم.. قوة الكلمة تكمن فيما تتركه في وعي من يقرأها وفي قدرتها على التغيير في ذاته وحياته. تستدرج اليوم المؤسسات قبل الأفراد إلى الصراخ كي لا تبدو «متأخرة».. وهذا يفقدها الكثير بما في ذلك قدرتها في الدفاع عن المجتمع.
وهذا النوع من الاتزان له ملامح واضحة. أولها التثبت، والتثبت مقاومة يومية أمام سيل الشائعات. تملك الشائعات القدرة على الانتشار السريع، لكنها تسحب من القراء الثقة قطعة قطعة.
وحين يعتاد القارئ أن الخبر يمرّ عبر بوابة تحقق، لا عبر بوابة استعجال، تتغير عادته: يتردد قبل المشاركة، يسأل عن المصدر، ويترك مساحة صغيرة للشك الصحي بدل اليقين الفوري.
الملمح الثاني هو النزاهة المهنية، أن يُسمّى الشيء باسمه، أن يكون الخبر خبرا، والرأي رأيا، والتحليل تحليلًا. هذا الفصل مهم جدا فلا يمكن أن يصل رأي أو انطباع أو تحليل للقارئ باعتباره حقيقة! الفصل من شأنه أن يقلل الالتباس، ويجعل الخلاف ممكنا دون أن يتحول إلى خصومة.
الملمح الثالث هو الشرح؛ فكثير من الإعلام اليوم يراهن على «الصدمة» بدل الفهم عبر العناوين الرنانة التي لا تعكس حقيقة الخبر أو التحليل. الاتزان لا يعني تلطيف الواقع ولا طلاءه، بل يعني تقديمه بحجمه وبحدوده.
هذه الممارسة الإعلامية تركت أثرها على بناء شخصية العمانيين. كان المناخ العام يتشكل عبر الإعلام ببطء عبر العناوين الهادئة والنبرة المتزنة وطريقة إدارة الخلاف. وحين تقل الإثارة، تقل العدوى الانفعالية. وحين يكثر الشرح، يقل الاندفاع.
وحين تُحترم الوقائع، يصبح من الصعب أن تسحب المجتمع إلى معارك وهمية.
ومن هنا يمكن فهم الإعلام باعتباره جزءا أصيلا من القوة الناعمة لعُمان.. لكن ليس في سياق الدعايا ولكن في بناء الثقة، والثقة عملة نادرة في هذا الوقت والدول التي تملكها لا تحتاج أن ترفع صوتها كثيرا وكأنها تصرخ، يكفي أن تتحدث بوضوح، وأن تترك أثرًا واحدا في قارئها: خرج وهو يفهم أكثر، لا وهو خائف أكثر.