ترددت حقا في اختيار عنوان المقالة هذه المرة، هل سأقول بأنها «الثقافة ونهاية العالم»؟ أم «حبل الثقافة»؟ أم ماذا بالضبط مما يوحي ويشير إلى العلاقة الوطيدة بين المنتج العقلي الإنساني وبين ما يمر به من تجارب وخبرات وأحداث لم تعد تؤثر عليه وعلى وجوده كفرد فحسب؛ بل على الوجود الإنساني ككل، في لحظة لم تعد فيها المسألة مقتصرة على الأمنيات والرغبات، بل على الحقائق التي تؤكد وتذكرنا يوميا بإمكانية حلول الكارثة، وعلى الدور الذي تؤديه المعرفة في تخفيف الآلام المتوقعة في عالم مضطرب.

قبل عدة أيام، وفي خضم الأحداث المتوترة التي يشهدها الإقليم الذي نحن فيه، والذي سيتأثر بأي قرار للحرب أو السلم؛ دفعني دافع خفي لأتناول كتابا لا علاقة له -لحظتها- بما يحدث حاليا، ولكنني وللمصادفة فقد وقعت على واحدة من الأشياء المثيرة بالنسبة إلي، والتي تستحق أن يقال عنها بأنها جديرة بالتأمل في هذا السياق.

فقد دعاني ذلك الداعي الداخلي لأتناول المجلد الأول من السلسلة المعروفة بـ«تاريخ الثقافة الإسلامية» أو «موسوعة الحضارة الإسلامية» للمفكر والأديب المصري الكبير أحمد، والتي تتكون من «فجر الإسلام»، «ضحى الإسلام» و«ظهر الإسلام».

والمثير هنا، هي المقارنة بين سلسلة أحمد أمين، وموسوعة «قصة الحضارة» للفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت وزوجته، اللذين كتباها خلال أربعين سنة من عام 1935 حتى 1975م.

ظننت بادئ ذي بدء أن أحمد أمين تأثر بقصة الحضارة كمنهجية للكتابة وسرد التاريخ ووقائعه، وذلك لأنه وكما يذكر الدكتور زكي نجيب محمود في مقدمة ترجمته لموسوعة ديورانت «.. ويسرني أن أنتهز هذه الفرصة لأذكر فضل أستاذنا الجليل الدكتور أحمد أمين بك في هذا العمل، فباعتباره مشرفا على النشاط الثقافي لجامعة الدول العربية قرر أن يترجم هذا الكتاب، وباعتباره رئيسا للجنة التأليف والترجمة والنشر رأى أن يُنشر على الوجه الذي يرضي القارئ».

وهذه العبارات تدل على أن أحمد أمين هو الذي أوعز إلى زكي نجيب أن يترجم موسوعة ديورانت. لكن المثير حقا أن المنهجيتين المتشابهتين؛ كانتا بالتوازي لا التوالي، فكل واحد من المفكرين الأديبَين كان يعمل على مشروعه على حدة. بل إن أحمد أمين نشر أولى ثمار «تاريخ الثقافة الإسلامية» وهو المجلد الأول الذي عنونه بـ«فجر الإسلام» عام 1928م، بينما كان البدء بنشر موسوعة قصة الحضارة لديورانت عام 1935م.

في مقدمة كتابه «ظُهر الإسلام» يقول أحمد أمين «.. واليوم فرغت من إعداد هذا الجزء، وقد قصدت به أن يكون مقدمة لدراسة واسعة للحركة العقلية في النصف الأخير من القرن الثالث، وفي القرن الرابع، وهي أوسع حركة وأخصبها وأعمقها في تاريخ المسلمين إلى اليوم».

ثم يذكر المنهجية التي اتبعها في كتابته لعمله بأنه توخّى أن يكون هذا الجزء مخصصا لـ «وصف الحياة الاجتماعية في هذا العصر، فليس يمكن فهم الحياة العقلية إلا بفهم بيئتها التي نشأت فيها، والعوامل التي ساعدت عليها، وطبيعة الناس الذين أنتجوها ونحو ذلك. -ثم- وصف لمراكز الحياة العقلية، ونوع الحركات العلمية والأدبية التي ظهرت في كل إقليم وخصائصها، وأشهر رجالها، وهو وصف موجز ونظرة شاملة خاطفة، أردت منها أن تكون نقطة ارتكاز يتبعها تفصيلها والتوسع فيها فيما يأتي بعدُ من أجزاء إن شاء اللّه». لكن حالت الأقدار بين المؤلف وبين إكماله عمله، فانتهت السلسلة عند «ظُهر الإسلام» ولم يستكمل أحد العمل بعده ليكتب على منواله، عن فترة الذبول والانحدار بعد ذلك.

أما عن المنهجية المتشابهة لكلا المؤلفين، فقد كتب أحمد أمين في مقدمة كتابه «.. تجاهل مؤلفو تاريخ العلوم ومؤلفو كتب التراجم -غالبا- الناحية الإقليمية والزمنية، فأرّخوا الحركة العلمية على أنها وحدة، وترجموا للمؤلفين من غير مراعاة لأزمنتهم ولا أمكنتهم، وكل ما راعوا هو ترتيب أسمائهم على حروف الهجاء، فأحمد في القرن الثاني في العراق بجانب «أحمد» في القرن السادس أو السابع في مصر، وهكذا؛ فمن أراد أن يفرز علماء كل عصر وحدهم، وفي كل قطر على حدة تحمّل من العناء ما لا يقدر. ولم يحملني على سلوك هذا المسلك في التأليف مجرد الرغبة في إيضاح الحركة العلمية والأدبية وزمانها ومكانها؛ بل إن تحديد زمانها ومكانها يعين على تفهُّم أسباب وجودها وطبيعة تكوينها.. فتعيين زمن الحركة ومكانها مُعين على فهمها فهمًا علميًّا صحيحًا».

وهذا ما يقابله الأمريكي ويل ديورانت في مقدمة موسوعته بقوله «لقد أحسست منذ زمن طويل بأن طريقتنا المعتادة في كتابة التاريخ مُجَزَّأة أقساما منفصلة بعضها عن بعض، يتناول كل قسم ناحية واحدة من نواحي الحياة؛ فتاريخ اقتصادي، وتاريخ سياسي، وتاريخ ديني، وتاريخ للفلسفة، وتاريخ للأدب، وتاريخ للعلوم، وتاريخ للموسيقى، وتاريخ للفن -أحسست أن هذه الطريقة فيها إجحاف بما في الحياة الإنسانية من وحدة، وأن التاريخ يجب أن يكتب عن كل هذه الجوانب مجتمعة، كما يكتب عن كل منها منفردا، وأن يُكتب على نحو تركيبي كما يُكتب على نحو تحليلي، وأن علم تدوين التاريخ في صورته المُثلى لا بد أن يهدف في كل فترة من فترات الزمن إلى تصوير مجموعة عناصر ثقافة الأمة مشتبكة بما فيها من مؤسسات ومغامرات وأساليب عيش؛ لكن تراكم المعرفة قد شطر التاريخ -كما فعل بالعلم- إلى نواحي اختصاص تعد بالمئات، وجفل العلماء الحكماء من محاولة تصوُّر الكُلّ في صورة واحدة سواء في ذلك العالم المادي أو ماضي البشرية الحي، ذلك لأن احتمال الخطأ يزيد كلما اتسع نطاق المشروع الذي يأخذه الإنسان على نفسه».

فكلا الرجلين يرى بأن التاريخ ينبغي أن يُقرأ ويُنظر إليه كوحدة واحدة، وأن عملهما محاولة لفهم الحاضر، بفهم ما جرى سابقا. بل إنني أذهب مذهب أحد الأصدقاء الدكاترة الذي يرى بأن هذه المنهجية في الكتابة عند كليهما؛ نابعة من روح العصر الذي عاشه كل منهما.

ففي تلك المرحلة البائسة من القرن العشرين وقبل حدوث الحرب العالمية الأولى حتى بداية إرهاصاتها، مرورا بالزمن الذي تلا الحرب العالمية الثانية؛ عاش الناس مرحلة سوداء كالحة يترقبون فيها النهاية المحتومة للجنس البشري، لا بيد الظروف الطبيعية هذه المرة، بل بيد الإنسان ذاته.

ففي مرحلة كهذه، كانت محاولة رؤية الحدث الآنيِّ بعين الكُلّ، شيئا يبعث على بعض الطمأنينة من خلال فهم الأسباب والنتائج، ومن حيث التجارب الصعبة التي مرت على البشرية سابقا ومقارنتها بالحال الراهن. وإن كان عمل أمين اقتصر على الشطر المنضوي تحت العالم الإسلامي، إلا أنه لا يعدو أن يكون رؤية للجزء في منظار الكل، وإسقاطا عليه؛ فالحضارة والإنسان كُلٌّ لا يتجزأ، وإن تفرعت النتائج بعد ذلك. لذلك والحال هذه، كان إنتاجهما أشبه بمحاولة العقل البشري، تخفيف حدة الواقع وآلامه عبر الفهم والتحليل.

ولأن القصة تُقال بعد حدوثها، لا قبل ذلك؛ فقد كان اختيار ديورانت لعنوان موسوعته موفقا وذكيا، في وقت بدا فيه أن الحضارة آيلة للهاوية بفعل الأسلحة التي لم تعد تقتل جنديا مقابل آخر، بل تنسف الحجر والبشر والمدر بضربة وحشية واحدة. لذلك يقول في مقدمة موسوعته «.. إن قصتنا تبدأ بالشرق، لا لأن آسيا كانت مسرحا لأقدم مدنيَّة معروفة لنا فحسب، بل كذلك لأن تلك المدنيات كونت البطانة والأساس للثقافة اليونانية والرومانية.. وكم من نظامنا الاقتصادي والسياسي ومما لدينا من علوم وآداب، وما لنا من فلسفة ودين، يرتد إلى مصر والشرق، وفي هذه اللحظة التاريخية -حيث تسرع السيادة الأوروبية نحو الانهيار، وحيث تنتعش آسيا مما يبعث فيها الحياة، وحيث الاتجاه كله في القرن العشرين يبدو كأنما هو صراع شامل بين الشرق والغرب- اللحظة نرى أن التعصب الإقليمي الذي ساد كتابتنا التقليدية للتاريخ، التي تبدأ رواية التاريخ من اليونان وتلخص آسيا كلها في سطر واحد، لم يعد مجرد غلطة علمية، بل ربما كان إخفاقا ذريعا في تصوير الوقائع ونقصا فاضحا في ذكائنا.

إن المستقبل يولي وجهه شطر المحيط الهادئ، فلا بد للعقل أن يتابع خطاه هناك. لكن كيف يتاح لعقل غربي أن يفهم الشرق؟».