مرّت أيام على إعلان لجنة "التكنوقراط" لإدارة قطاع غزة، والموقف الفلسطيني الداخلي لم يغادر خانة رد الفعل المتحسّب والحذر، وثمة شيء من الحياد يلف الموقف الفلسطيني "البارد" وربما له ما يبرره، فالهم الداخلي والخوف من القادم، و"المؤقت الدائم" سيظل ملازماً، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لهذه اللجنة، الأمر الذي يرى فيه مراقبون ما يشبه الانقلاب على المواقف الفلسطينية التاريخية، في المواقف المماثلة، وإن بشيء من التفاوت المحدود.
المواقف "البروتوكولية" باتت لافتة، مع كل يوم يمضي دون الولوج في المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار، ووقف الخروقات الإسرائيلية التي أخذت تنهش الاتفاق منذ أيامه الأولى، وإنهاء الحرب بشكل كامل، وعليه، فما يهم الفلسطينيين في هذه المرحلة، هو وقف معاناة أهل غزة، أياً كانت اللجان والإدارات.
كيف تشكلت اللجنة؟
استيلاد اللجنة الوطنية لإدارة غزة، استنفذ كثيراً من الوقت لدى الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الإسرائيلي، فمن سيدير غزة في المرحلة المقبلة "لا حماس ولا فتح" كما كان يردد قادة الجانبين في قراءتهم لليوم التالي في قطاع غزة بعد وقف الحرب، وإنما لجنة من التكنوقراط والشخصيات المستقلة، وكان لافتاً الدور المحوري للوسطاء، تتقدمهم مصر، التي قادت لقاءات الفصائل الفلسطينية للتشاور وتقديم الاقتراحات، وتبادل وجهات النظر.
وبدورها، أخضعت إسرائيل جميع الشخصيات المقترحة لإدارة غزة، ليس فقط للفحص الأمني، وإنما أيضاً للفحص السياسي، بهدف إبعاد كل من له علاقة بحركة حماس، أو حتى السلطة الفلسطينية، عن إدارة غزة، إذ وفق مراقبين، يريد الكيان الإسرائيلي إفراغ قطاع غزة من المضمون السياسي، وأبعد من ذلك، فصل غزة عن الضفة الغربية، ولذلك فقد أصرّت إسرائيل على وجود الشخصيات غير المسيّسة، رافضة عشرات الأسماء التي تم تداولها، ممن لديهم أسبقيات أمنية، أو انتماءات فصائلية.
ومع بدء ظهور شخصيات من المجتمع المدني لتولي إدارة شؤون غزة، لم يكن أمام السلطة الفلسطينية في رد فعلها المعلن، أكثر من إبداء الموافقة، بحسبان هذه الجنة تمثل المجتمع الفلسطيني، بينما لم تخرج مواقف حركة حماس عن إطار البروتوكول الدبلوماسي، بأن كل ما يؤدي إلى وقف معاناة غزة، فهو مقبول.
وجلي أن الرغبة الأمريكية، في إبعاد سلطتي غزة ورام الله، جاءت منسجمة ومتناغمة مع الإصرار الإسرائيلي، على أن تكون لجنة إدارة غزة مستقلة، وغير مسيّسة، تمهيداً لتغيير الحكم في غزة، ونزع السلاح، ودخول قوات الاستقرار الدولي.
ومما رشح من معلومات لـ"عُمان" فإن السلطة الفلسطينية، حاولت ايجاد رابط بينها وبين لجنة إدارة غزة، وتالياً تعيين وزير في الحكومة الفلسطينية رئيساً للجنة، وبعد ذلك منحها فرصة ترشيح شخصيات للجنة، إلا أن كل هذه المطالب قوبلت بالرفض، وحتى مطلبها الأخير، بأن تعلن السلطة عن تشكيل اللجنة، كي تحافظ على وحدة النظام السياسي، إلا أن مجرد هذا الطلب قوبل برفض مطلق.
ترابط أم انفصال؟
ويبدو الخيال الفلسطيني، عاجزاً عن توقع "الأسوأ" وخصوصاً بعد نتائج إدارة حركة حماس لقطاع غزة، والسلطة الفلسطينية للضفة الغربية، لكن في الشارع الفلسطيني لا يرون سوى "وحدة البلاد والعباد" سبيلاً.
وفق المحلل السياسي محمـد دراغمة، فمخططات فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، من خلال لجنة إدارة غزة، قد تعجز عن حصد النتائج، لأن الحرك الوطني الفلسطيني ظل موحداً منذ نكبة العام 1948، مروراً بنكسة العام 1967، ورغم أن غزة ألحقت في حينه للحكم المصري، وانتقلت الضفة الغربية للحكم الأردني، إلا أن وحدة البلاد والهدف والمصير ظلت ماثلة.
ويرى دراغمة، أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة تبدو مقبولة لدى الفلسطينيين، باعتبارها تعبّر إلى حد كبير عن المجتمع الفلسطيني، وتضم نخباً مجتمعية، بل ذهب حد القول: "إن بعض الشخصيات الموجودة في اللجنة، أفضل من شخصيات كثيرة في السلطة الفلسطينية وحركة حماس، على حد سواء".
ويمضي: "الفلسطينيون عودونا على الدوام أن ينتصروا لفلسطينيتهم، ولذا فلا قلق ولا مخاوف من انفصال غزة عن الضفة، حتى في ظل تعدد اللجان والإدارات، لأن الروح الوطنية الفلسطينية، هي من حافظت على وحدة الشعب والأرض والمصير".
مهام دونها تحديات
وأمام اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مهام وتحديات، يصطف في مقدمتها: توسيع رقعة المساعدات الإغاثية للسكان الجوعى والمحاصرين، واستعادة الخدمات العامة، والشروع بإعادة بناء البنية التحية الحيوية في قطاع غزة، وإعادة الإعمار، وإعادة تشكيل مؤسسات الأمن والعدالة، وفق مبدأ "سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد".
غير أن اللجنة، لن تتمكن من القيام بأي من هذه المهام، دون الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، واتفاق سياسي على مستوى أمريكا والوسطاء، وخصوصاً مصر وقطر وتركيا، كما يقول مراقبون.
توافق وطني
وما بين مطرقة قسوة الظروف المعيشية في قطاع غزة، وسندان الاشتراطات الإسرائيلية التعجيزية، فما يهم الفلسطينيين في هذه المرحلة، ليس تشكيل لجنة لإدارة غزة، بقدر ما هو قدرتها في أن تكون "همزة وصل" لا قطع، وأن تمد الجسور نحو وحدة الشعب الفلسطيني، خصوصاً وأن الشخصيات التي تمثل لجنة إدارة غزة، بمجملها شخصيات وازنة، سبق وأن اضطلعت بمهام وأدوار مختلفة من خلال الحكومات الفلسطينية المتعاقبة.
ولا يمكن بحال، تصور أن يكون الفلسطيني محايداً مع أي لجنة أو هيئة لإدارة غزة، وعليه، فإن كل من السلطة الفلسطينية وحركة حماس، تبدو كأنها تتبنى ذات التوجه، رغم الخلافات العديدة بينهما، حيال قضايا داخلية وخارجية ترتبط بالشأن الفلسطيني، بل إن حركة حماس، لم تقترب من حدود حماستها المعهودة، في تعليقها على تشكيل لجنة إدارة غزة، وهي التي لم توفر مناسبة، إلا وكررت فيها نظريتها لوقف الحرب بشكل كامل، ومستقبل غزة بعد الحرب، لا سيما "تغيير الحكم" الذي فرضته واشنطن، في وقت لا يملك فيه أي طرف، ترف المناورة أو المعارضة.