نشر الكاتب السوري دارا عبدالله مقالا بعنوان «اختبار في ظاهرة العمى الإدراكي»، وهو نص جدير بالاهتمام، خصوصا في ظل الحالة المأزومة التي يعيشها العالم اليوم. فمن جهة، تتكاثر الكوارث التي تخلفها الحروب الدموية والمعارك المرتبطة بمصائر من يديرون هذا العالم، ومن جهة أخرى يتدخل الذكاء الاصطناعي في توليد صور ومقاطع تربك إدراكنا، وتجعلنا نتردد في الحسم: هل ما نراه حقيقي أم ملفق؟
أتذكر في هذا السياق مشهد الرئيس الفنزويلي بعد اختطافه، وتحديدا عند ظهوره لاحقا في الولايات المتحدة، وهو في مؤخرة حافلة صغيرة تمر وسط الجموع وبابها مفتوح والناس يتفرجون ويصرخون ويصفقون. في تلك اللحظة قلت بلا تردد: إن المشهد مصنوع بالذكاء الاصطناعي، قبل أن تخبرني صديقتي أن الحادثة وقعت فعلا، كان شعوري بالغرابة أصلا غير أخلاقي، فهل بقي لنا قدرة على التعجب والاندهاش بعد ما حدث خلال السنتين الأخيرتين؟
إن لهذا الخطاب، حتى وقت قريب، قيمة كبيرة لدى السلطات؛ إذ يقوم ببساطة على التحذير من «خطاب الإشاعات» وعلى الدعوة إلى ضرورة تلقي المعلومات من مصادرها الرسمية. وشنت الحكومات حملات توعوية حول خطورة تداول الأخبار غير الموثوقة، ثم لا تتردد في فرض قوانين صارمة، وأحيانا متطرفة، بحق من يصنع الشائعة أو يساهم في ترويجها وتبادلها.
غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير اليوم، خصوصا مع تآكل ثقة الجماهير بالسرديات الرسمية الصادرة عن المؤسسات. فمع تكرار الكوارث، وتنامي القدرة على تدليس الوقائع أو إنكار حدوثها أصلا، أصبحنا عاجزين، في كثير من الأحيان، إلا عن اتهام الإعلام الرسمي بالانحياز، أو الشك في وجود وساطات تحمي المتسببين في الحوادث من المساءلة. وفي هذا المناخ، يصبح الناس أكثر استعدادا للإصغاء إلى الأصوات القادمة من الهامش.
ويمكن تأمل ذلك بوضوح في طريقة تعاطي الإعلام العالمي مع الإبادة في غزة. فمع انتشار مقاطع تزعم تعرض الأسرى لانتهاكات، من بينها اعتداءات جنسية من الجنود والكلاب، استقبلت هذه المواد بسخرية لدى اليمين المتطرف، في حين لجأ بعض الأفراد في الكيان المحتل إلى إنتاج مقاطع تمثيلية مضادة، من بينها فيديو لامرأة تضع مساحيق تجميل وتسـكب سائلا أحمر على جسدها، وتمسك بطفلة صبغ جسدها بلون رمادي داكن وارتدت ملابس ممزقة، ثم تبدأ بالنواح عليها، قبل أن ينتهي المقطع بكشف «الكواليس»، حيث تتوقف عن التمثيل وتضحك، في إيحاء مقصود بأن مشاهد القتل والبكاء في غزة ليست سوى مسرحيات مفبركة.
هذا النمط من الخطاب استخدم أيضا سياسيا في الإعلام الغربي على ألسنة ممثلين عن الكيان المحتل، للرد على مسألة المجاعة التي جرى نفيها بالكامل، أو تحميل مسؤوليتها لحماس بزعم مصادرة المساعدات. وكذلك جرى التشكيك في أعداد الضحايا بحجة أنها صادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة، بوصفها جزءا من حكومة حماس.
إلا أن هذه الوسائل باتت أقل فاعلية في ظل حالة انعدام الثقة شبه المطلقة بالمؤسسات الرسمية، وهي النقطة التي انطلقت منها في هذا المقال. عند هذا الحد، لجأت السلطات إلى أساليب أخرى أكثر مكرا، لا تقوم على نفي الحوادث مباشرة بوصفها إشاعات أو تلفيقا، بل على إغراق المشهد العام بسيل من الصور والروايات المتناقضة.
هذا الإغراق المتطرف ينتج تخمة بصرية ومعرفية، حيث تتراكم المواد المتباينة إلى درجة إنهاك الجمهور، فيفقد قدرته على الحسم واتخاذ موقف واضح. ومع هذا الإرهاق، لا يتراجع الاهتمام بالقضية فحسب، بل يتحول تدريجيا إلى نفور شامل، يصل أحيانا إلى تجنب متابعتها أو الحديث عنها أصلا. وهكذا يدفَع الناس، عمليا، إلى تبني موقف عدمي تجاه كارثة كان يفترض أن تستدعي موقفا أخلاقيا وسياسيا حاسما.
هذا ما يناقشه دارا في مقاله مستخدما توصيفا صادما حين يعرف «العمى الإدراكي» بوصفه اكتئابا معرفيا لا إراديا، أي حالة انهيار داخلي في القدرة على التفكير والترجيح، لا مجرد ارتباك عابر أمام الأخبار. وهو لا يتحدث عن تضليل تقني أو خطأ معلوماتي، بل عن شلل ذهني جماعي تنتجه الدعاية الحديثة عبر الإغراق المتعمد بسيل من الروايات المتناقضة، إلى درجة يصبح معها الإنسان عاجزا عن الإجابة على أبسط الأسئلة الأخلاقية والسياسية، مثل سؤال: من ارتكب الجريمة؟
ويذهب دارا أبعد من توصيف التضليل بوصفه كذبا أو تلاعبا، ليصف «الدعاية الجديدة» باعتبارها مشروعا لتدمير ملكة الاقتناع نفسها. فهو يصر على أن هذه الدعاية لا تريد إقناع الجمهور برواية بديلة، بل تريد كسر القدرة على الإيمان بأي رواية أصلا. ويقيم مقارنة حادة بين نموذجين: في الدعاية القديمة كانت الحقيقة تحجب، أما في الدعاية الجديدة فالحقيقة تغرق وسط فائض معلوماتي يجعلها غير قابلة للاستخدام. هنا يستخدم تشبيها تقنيا حادا: المتلقي أشبه بصحن لاقط تضرر من كثرة الإشارات المتعارضة، فلم يعد قادرا على التقاط أي بث صافٍ.
ويستدعي دارا في هذا السياق تجربة الإعلام الروسي، كما وثقها الكاتب والمنتج التلفزيوني الروسي بيتر بوميرانتسيف من خلال تجربته الشخصية في كتابه «لا شيء حقيقي وكل شيء ممكن» (Nothing Is True and Everything Is Possible 2014)، فهو لا يتعامل معها بوصفها حالة شاذة أو استثناء جغرافيا، بل كنموذج مبكر للدعاية التي تقوم على تعميم العبث المعرفي بوصفه سياسة.
فكلاهما يرى أن السلطة لم تعد بحاجة إلى رواية متماسكة، بل إلى فضاء متناقض، ساخر، ومشوش، يستبدل فيه السعي إلى الحقيقة بإدارة الفوضى الإدراكية. ويصف دارا نتيجة هذا النمط بأنها نوع سام من العدمية المعرفية.
ويصر كذلك على التمييز بين العمى الإدراكي وبين أشكال الانحياز الواعي مثل التعصب والدوغمائية. في رأيه، الخطر هنا أعمق، لأن المشكلة ليست في اختيار متحيز للأدلة، بل في تعطل آلية الاختيار ذاتها. لا انحياز، بل لامبالاة شاملة. لا اصطفاف أيديولوجي، بل انهيار في حساسية العقل تجاه الأدلة. ولهذا يستخدم تشبيه عمى الألوان: المصاب لا يفقد البصر، بل يفقد القدرة على التمييز. يرى، لكن لا يعرف ماذا يرى. ويستدعي دارا أمثلة من واقعنا الحالي جديرة بالانتباه.
أخيرا عزيزي القارئ هل تتذكر متى حصل معك هذا؛ متى تعبت من عدم قدرتك على التمييز بين ما هو حقيقي وملفق، وانتهى بك الأمر لتجاهل المسألة برمتها؟ لقد وقعت في الفخ الجديد إذن.
أمل السعيدية كاتبة وقاصة عمانية