نشأنا على حكايات تروى لنا على سبيل التسلية أو الوعظ أو التوجيه. حكايات عجائز العائلات كانت هدفا يسعى إليه ويرغب فيه؛ تنقضي بها ليالي الشتاء القارسة، وتذوب عبرها حرارة الصيف التي تمنع النوم. كانت الجدات عوالم ومدارس، يلخصن حكمة الحياة وما مر عليهن من مشاق الدهر في مثل يضمر قصصا، أو في حكاية تنتهي بعبرة.
وكن الأساس في تغذية خيالاتنا الفقيرة التي لم تكن قد تفتحت بعد، يصنعن شخصيات وأحداثا، ويصغن من خيوط القصص ما يجعلنا نسعى إليهن آملين في تحصيل حكاية نتسلى بها من جهة، ونصنع بها آمالا وأحلاما من جهة أخرى. كان الحلم في الزواج بابنة الملك، وفي السفر عبر المجاهل والفيافي، وفي خوض غمار البحور، وفي صراع كائنات خرافية والانتصار عليها، كان هيكل القصة الشعبية جليا: انتصار الحق والخير، واندحار الشر والباطل. أسست هذه الحكايا لبنة أولى لمعنى الحياة، وللسعي إلى فعل الخير، ولمقاومة الظلم، وللأمل في حياة أفضل. هذا على مستوى طفولي أولي، ثم تغذت هذه الأسئلة عبر الأجيال بأجوبة فلسفية، مع تحول الطفل إلى ذات ناشطة عاقلة، تفكر في معنى الوجود. وعدت الفلسفة بكشف حقائق المعنى، وظلت في أسئلتها الكبرى تبحث عن جوهر الحقيقة.
وراكم الفكر الإنساني أجوبة كثيرة عن جوهر الحق، غير أن الإنسان انتهى، في لحظة ما، إلى فقدان الثقة في كل سؤال. انتهى إلى عالم تعمه الفوضى، ولا ينتصر فيه حق، عالم اختلت توازناته، وساد فيه الجور، وتنعم فيه الضال السطحي. فقد العالم المعنى، وتشتت السؤال الحقيقي الذي رافق الإنسان طويلا في بحثه عن الحقيقة. لم يعد الطفل اليوم يؤمن بحكاية الانتصار على «الغول»، بل صار يصارع كائنات افتراضية عبر أنشطة رقمية قد ينتصر فيها وقد ينهزم، في رحلة لعبية لا خاتمة لها. صار النموذج في لاعب كرة يقبض الملايين في لحظة، أو في ناشط على مواقع التواصل، يحصد الثروة كلما عرض سحنته وبدل مظهره. هكذا يتآكل المعنى، ويتحول العالم إلى مشهد بلا بوصلة. تعب الإنسان من البحث عن المعنى الحق، فتحول إلى البحث عن حكاية يعيشها. صارت الحكاية بديلا عن السؤال الفلسفي حول الوجود والحقيقة وتجلياتها. المعنى، الذي عملت وسائط عديدة على صناعته وبنائه كي يمتلك الإنسان سردية لوجوده ويفهم ما يكابده من مشقات، صار اليوم بيد الرواية. والرواية لا تدعي أنها تجيب عن أسئلة الوجود، ولا أنها تكشف حقائق نهائية، وإنما تعرض قصة يمكن أن تعاش. نعيش اليوم انهيار السرديات الكبرى، وتراجع الأسئلة الوجودية التي سادت قرونا، وتآكل الثقة في الفلسفة والمعارف والعلوم. وفي هذا الفراغ، فتح المجال واسعا للرواية، لتندرج في الوجود بقصص قد تبدو هشة أحيانا، لكنها تمثل معنى العيش الإنساني. وقد تكون عميقة أحيانا أخرى، متصلة جوهريا بالأسئلة القديمة، دون ادعاء امتلاك المعرفة الأحادية، وإنما بوصفها طريقة للتعامل مع فوضى العالم.
لا تصور الرواية المعاصرة الناجحة شخصيات بطولية نموذجية، ولا تقدم معرفة جاهزة أو أخلاقا تعليمية.
إنما تحكي تنزل الإنسان في وضعه الراهن، دون تأسيس ثنائية الصواب والخطأ. فالقارئ اليوم لا يستلذ إعادة حكايات البطولة، ولا تصديق وعود الفلسفة بالحقيقة، ولا استهلاك سرديات كبرى تقدم أجوبة جاهزة، ولا ربط التقدم العلمي برفاهية الإنسان، وهو يرى عالما يدمر، وأوبئة تقفل البيوت، وشعوبا يبارك تدميرها بلا خجل أو مواربة. الرواية اليوم كفيلة بحمل أسئلة الإنسان التي أعرض عنها الإنسان نفسه، وفشلت الفلسفة في احتوائها. ولهذا خرجت الرواية عن حكايات الجدات في بحثها عن الصلاح والصواب وتفادي الخطيئة، وحملت مهمة ثقيلة ودورا جليلا: أن تعلمنا كيف نكون بشرا.
هي لا تعمل على فهم العالم ولا على تفسيره، بل تواكب أزمات الإنسان ومحن الوجود، وتحمل القارئ على عيشها، لأنه يجد صورته فيها. لا ينتظر الروائي اكتمال المعنى ليحلله ويعلله، بل تخوض الرواية في قلب الأزمة. تبشر وتنذر، لا من عل، بل من الداخل. والفكرة الأساس هنا ليست إعلان موت الفلسفة وهيمنة الرواية، بل الإشارة إلى تبدل طريقة فهم الكون سرديا. فالعالم اليوم فقد هدوءه، وتلاحقت أحداثه، ولم يترك للإنسان فسحة كافية للتأمل العقلي النسقي. لم يبق له إلا أن يبحث عن حكاية يجد نفسه فيها، يعيشها بأزماتها وانتكاساتها وعمق ألمها، دون تجميل أو تعقيل قسري. لم تعد مهمة الرواية أن تمنح العالم معنى جاهزا، بل أن تمنع الإنسان من السقوط الكامل في العبث، فحين يرهق المعنى ويفقد وجاهته، تبقى الحكاية، حارسة الإنسان عبر العصور من الفناء.
محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي