المعتصم الريامي -
بينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي العام الماضي، استوقفتني مقاطع فيديو في وسائل التواصل الاجتماعي بدت لأول وهلة غريبة وغير منطقية إطلاقا؛ حفلات موسيقية ضخمة، وفعاليات افتراضية يحضرها جمهور غفير داخل عوالم رقمية ذات رسوم بسيطة، مكونة مما يشبه البشر في قوالب وصناديق هندسية، تشبه الشخصيات في مسلسلات الرسوم الكرتونية. لم يكن الجمهور مجرد مشاهدين، بل كانوا يشترون التذاكر، يتزاحمون على المقاعد، يتفاعلون مع الفنان، بل ويثيرون الشغب الافتراضي أحيانا.
زاد فضولي حين ظهرت مسيرات تضامنية مع القضية الفلسطينية داخل هذا العالم نفسه، حين قررت مجموعات من اللاعبين التجمع في عالم افتراضي كلٌ بشخصيته الكرتونية في اللعبة لينضم لمظاهرة تندد بالإبادة الجماعية في فلسطين. ليتضح لي بعدها أنني أمام ظاهرة تُدعى Roblox «روبلوكس». لم تمر أسابيع حتى تصدر اسم المنصة نشرات الأخبار، لا كإنجاز تقني، بل كتحذير أمني أدى لحظرها في سلطنة عُمان ودول أخرى، وصفتها بأنها تهديد لـ«النسيج الاجتماعي» ومرتع للابتزاز الإلكتروني. فما هي هذه اللعبة؟ وكيف تحولت من أداة تعليمية إلى إمبراطورية تثير كل هذا الجدل؟ وفي بداية بحثي عن الموضوع لجأت لأحد الأطفال ليطلعني على المنصة، ويشرح لي تفاصيل العالم الموازي هذا، الذي بدا لي صعب الفهم دون أن أشاهد وأجرب بنفسي.
بدأت حكاية اللعبة أو منصة الألعاب في عام 2004، يدفعها الشغف بالتعليم والفيزياء. حين طور المهندسان الأمريكيان «ديفيد بازوكي» و»إيريك كاسيل» أداة تقنية تسمى DynaBlocks، كانت تهدف لمحاكاة القوانين الديناميكية والفيزيائية في بيئة ثلاثية الأبعاد لمساعدة الطلاب لمحاكاة ما يحدث في العالم الواقعي من احتكاك وتصادم وجاذبية وقوى الدفع والعزم. وبحلول عام 2006، تحول الاسم إلى روبلوكس Roblox، وبدأت المنصة تبتعد تدريجياً عن غرضها التعليمي البحت لتصبح «منصة ألعاب تشاركية». هذه المنصة تعمل على أجهزة الحاسوب والأجهزة اللوحية وأجهزة الهواتف كذلك، وبفضل تقدم الحوسبة السحابية يمكن لملايين المستخدمين الاشتراك في اللعب بشكل جماعي في نفس اللحظة.
اليوم، تجاوزت المنصة حدود «اللعبة» لتصبح ظاهرة جارفة، فلديها أكثر من 150 مليون لاعب نشط يومياً، وهذا الرقم كبير جدا مقارنة بجميع الألعاب، وهذا يجعلها من أكثر خمس ألعاب شعبية في العالم حاليا. ويقضي هؤلاء اللاعبون قرابة 40 مليار ساعة سنوياً داخلها بين لعب ومحادثات، ليعود ذلك للشركة بإيرادات تجاوزت 4 مليارات دولار في العام الماضي.
هذه الأرقام تعكس كذلك «إدمانية» مفرطة لألعابها وقدرة هائلة على الاستحواذ على أوقات مدمنيها ولفت انتباههم، حيث لا يكتفي المستخدم باللعب، بل يعيش داخل «إنترنت مواز» يحتوي على آلاف العوالم التي يصممها المستخدمون أنفسهم دون الحاجة للخبرات البرمجية، من محاكاة الحياة الزوجية وتربية الأطفال، إلى سباقات السيارات، وصولاً إلى ألعاب تجسد صراعات اجتماعية وحفلات فنية، وهي موجهة بشكل أساسي للأطفال، وما بها من ألعاب وشخصيات وعوالم كرتونية تحاول جذبهم، بجانب المراهقين طبعا، ومن هم أكبر منهم ممن تربوا وكبروا مع المنصة.
هذه المنصة مجانية، في ظاهرها، فمن أين تأتي المليارات التي تجنيها؟ في الحقيقة فإن مصادر إيراداتها متعددة، فهي تعتمد على عملة افتراضية تسمى «Robux»، مثل النقود الرقمية التي تستخدم في اللعبة، يشتريها اللاعبون بمال حقيقي لتمييز شخصياتهم (Avatars) بملابس وأكسسوارات، أو لشراء ميزات داخل الألعاب. كما أن جزءًا كبيرا من إيرادات المنصة يأتي من «اقتصاد المطورين»، فالمنصة تتيح وتسهل للأطفال والمراهقين تطوير ألعابهم الخاصة بسهولة ودون الحاجة لكثير من الخبرات التقنية، ويمكن أن يشاركوا هذه الألعاب للآخرين ويكسبوا من ورائها. غير أن المنصة في الحقيقة تستقطع أو ربما الأصح أن نقول إنها تلتهم الجزء الأكبر من الأرباح، فهذا الاستقطاع يصل أحيانا لأكثر من 70% من أرباح هؤلاء المطورين الصغار عند تحويل العملة الافتراضية إلى مال حقيقي. هذا النموذج الربحي دفع خبراء اقتصاد لوصفه بـ»عمالة الأطفال المقنعة»؛ حيث تقيد المنصة هؤلاء القاصرين داخل نظامها المالي، وتجني الملايين من مجهودهم الإبداعي بينما تمنحهم «الفتات» في المقابل، وسط غياب تام لقوانين العمل التي تحمي القاصرين في الفضاء الرقمي.
بعيداً عن الجدل المالي، الذي قد يكون من أقل القضايا المثيرة المتعلقة بهذه المنصة، يبرز التحدي الأمني كأكبر نقاط الضعف. فالمنصة، بسبب خاصية التراسل المفتوحة وغرف الدردشة العامة والخاصة، تحولت إلى وسيلة تواصل اجتماعي غير منضبطة. وقد وثقت المحاكم مئات القضايا حول العالم تتعلق بـاستغلال مجرمين بالغين لبراءة الأطفال للوصول إليهم واقعياً، حيث يتم استدراجهم ومن ثم مراسلتها في تطبيقات أخرى وإغرائهم وخداعهم حتى يتم استغلالهم بشكل واقعي وليس فقط في العالم الافتراضي. كما أن الأطفال معرضون في اللعبة لخطر المحتوى الإباحي، فهناك غرف سرية ينشئها مستخدمون تحتوي على محتوى جنسي صريح ومحاكاة لأفعال غير أخلاقية في غرف نوم ودورات مياه. وقد سجلت العديد من الدول حالات انتحار بعد ضغط من لاعبين في إحدى هذه الألعاب، وأحدها لطفل عراقي وآخر قطري أطلق على نفسه النار وآخر أمريكي انتحر بعد استغلاله جنسيا. هذا إضافة إلى انتشار استخدام ما يطلق عليه «صناديق الغنائم» أو المقامرة التي تعتمد على الحظ، مما يزرع في عقول الأطفال بذور سلوكيات شرائية إدمانية تشبه المقامرة الحقيقية تماماً، بالإضافة إلى ألعاب سرقات البيوت والسيارات وغيرها، وهناك الكثير من القصص حول احتيال الأطفال على أهاليهم من أجل هذه الألعاب وصرفهم لآلاف الريالات دون موافقتهم. ومما يعاب على المنصة أيضا أنها تعرض الأطفال لتجارب تحاكي الحقيقة في سن صغيرة بقدرات عقلية وإدراكية ناقصة. بل وقد تعرضهم للوصمة الاجتماعية والطبقية والإحساس بالنقص، فعندما تبدأ اللعبة كلاعب جديد ستجد الكثير من اللاعبين المتفوقين بسبب ما قاموا بشرائه واقتنائه بفضل قدرتهم أو قدرة من يمولهم، فتجد بعضهم لديه ملابسه الخاصة واكسسواراته وأدواته المميزة، هذه المظاهر والصور الاجتماعية تتحول لمضاهاة ومنافسة غير متكافئة قد تترك أثرا نفسيا في الأطفال أو تشكل عليهم ضغطا. وبالتأكيد هذا لا يعني أن كل محتوى الألعاب منفلت هكذا، فهناك السمين بجانب الغث. ونعم هي مرآة لواقع ليس بالمثالي خارج الشاشات، لكن ما يُثير الهلع هو التعريض الفج لمن هم دون سن الرشد لأنماط الحياة هذه. وهذه الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والتقنية تستحق بالتأكيد الكثير من البحث والاستكشاف.
تتذرع الشركة من جهتها بأن الذكاء الاصطناعي -الذي تستعين به- لا يمكنه ملاحقة ملايين المستخدمين في آن واحد، وأن المحتالين يبتكرون طرقاً للالتفاف على الرقابة. ورغم محاولات فرض «الرقابة الأبوية» والتعرف على السن عبر الكاميرا -الذي أصبح إلزاميا لجميع المستخدمين لاستخدام خاصية التراسل-، إلا أن الفجوة بين التقدم التقني والضبط الأخلاقي لا تزال واسعة وتتمدد.
لربما أن قرار منع اللعبة في بعض الدول ومنها السلطنة، رغم مبرراته الأمنية، يفتح الباب أمام تساؤل أعمق: هل المنع هو الحل المثالي؟ فعالم التقنيات الافتراضية والواقعية القادم سيحمل عشرات النسخ من روبلوكس. هذا علاوة على تجاوز مستخدميها الحجب عن طريق برامج VPN التي تتيح لهم اللعب وكأنهم من دولة أخرى. لذا، ربما تقع المسؤولية الكبرى اليوم على عاتق الأسرة والمجتمع في المعرفة والاطلاع على كل ما هو جديد، ومعرفة ما تخفيه شاشات الأجهزة عند أطفالهم، واستكشاف هذا العالم الموازي، ليتمكنوا من تربية أبنائهم كما يطمحون. فلا يكفي أن نمنح الطفل جهازاً لوحياً لنكفي أنفسنا عناء ضجيجه؛ بل أصبح من الملح جدا فهم الخوارزميات التي تستنزف وقته ونقود أبيه ربما. لابد لنا أن ندرك كمجتمع وأفراد أن اللعب الجماعي عبر الإنترنت ليس تسلية عابرة، فهو انخراط في مجتمع عالمي مفتوح لا يعترف بحدود الغرفة التي يجلس فيها الطفل. وهذا الوعي بدأ يتشكل عالميًا ولو بشكل بسيط، وأصبحت هناك حسابات ومجموعات تفضح الألعاب والشخصيات التي تستغل الأطفال، كما أن هناك العديد من المحاكم والدول وجهات الضغط تسعى لتقنين مثل هذه الألعاب.
تُعيدنا منصة روبلوكس إلى المربع الأول في فلسفة التكنولوجيا منذ بدئها في هذا العالم الرأسمالي: فهل تخدمنا الآلة، أم أننا من يخدم نموذجها الربحي؟ هذه المنصة هي مرآة لواقع عالمنا المعاصر، حيث تتلاشى تدريجيا الحدود بين الابتكار التقني والاستغلال، وبين التسلية والجشع. وهي تذكير صارخ بأن المساحات الرقمية التي لا ينظمها قانون أخلاقي صارم، تتحول حتماً إلى غابة تلتهم براءة الأطفال في سبيل مراكمة ثروة الأثرياء.
المعتصم الريامي مطور ومهتم بالتقنية