د. مازن العبيدي -

لم يكن أحد ليتوقع أن تبدأ قصة فقدان الذاكرة من مكان بسيط نراه يوميًا في المرآة؛ ذلك الفم الذي نستخدمه للتبسم والتكلم، ونتصرف معه كجزء طبيعي من تفاصيل حياتنا اليومية. لكن من الممكن أن يكون الفم في الحقيقة مدخلا خفيًا يؤثر على أغلى ما نملك، وهي ذاكرتنا. كنا نعتقد أن الدماغ يعمل في عزلة تامة، مصانًا داخل الجمجمة، بعيدًا عن الجراثيم وتذبذبات البيئة؛ ملاذ عصبي دقيق للغاية، لا يسمح بمرور سوى الإشارات الكهربائية والمواد الحيوية المُنظَّمة. لكن العلم الحديث بدأ يفشي، بهدوء وتأنٍ، أن هذا الملاذ ليس محصنًا كما تصورنا، وأن بعض التهديدات لا تنشأ من الرأس مباشرة، بل تشق طريقها بهدوء من مواقع بعيدة، ومنها الفم.

يهاجم مرض الزهايمر الهوية أكثر مما يهاجم الجسم، وقد ظل لسنوات طويلة لغزًا محيرًا. نحن نستيقن تأثيراته ونرى آثاره القاسية على المرضى وأسرهم، لكن بداياته الحقيقية أبقيت غامضة. يبدأ المرض بنسيان بسيط، كاسم يتبخر أو موعد يُنسى، ثم تتسع الدائرة شيئًا فشيئًا حتى تكون الذكريات نفسها غريبة عن صاحبها.

مرض الزهايمر هو اضطراب عصبي معقد يؤدي إلى تدهور معرفي تدريجي وضعف شديد في الذاكرة. بيولوجيًا، انشغل العلماء لعقود بما يحدث داخل الدماغ. بينما لعبت الوراثة دورًا في تحديد القابلية للإصابة، إلا أن الأبحاث الحديثة تؤكد أنه اضطراب متعدد العوامل لا يقتصر على الجينات وحده؛ حيث تظهر العدوى الميكروبية، وخاصة القادمة من الفم، كعنصر حاسم في تحفيز وتطوير المرض. من أهم مميزات مرض الزهايمر بيولوجيًا هو تراكم لويحات بروتين الأميلويد بيتا (Amyloid beta)، وتشابكات بروتين تاو (Tau) داخل الخلايا العصبية، والتهاب مزمن يؤدي في النهاية إلى موت الخلايا وفقدان التواصل بينها. بدأ المشهد وكأنه قصة داخلية بحتة، صراع يدور داخل الدماغ. لكن مع التقدم العلمي، لا سيما في السنوات الأخيرة حتى عام 2025، بدأ سؤال مختلف يفرض نفسه بقوة، ماذا لو لم يكن الدماغ هو نقطة البداية؟ ماذا لو كان مجرد ساحة معركة لحدث بدأ في مكان آخر؟

الفم، مدينة مليئة لا نراها

الفم ليس مجرد مدخل للطعام أو أداة للكلام، بل هو نظام بيئي متكامل يعج بالحياة؛ حيث تعيش فيه مئات الأنواع من البكتيريا والكائنات الدقيقة في توازن دقيق، كمدينة مكتظة لكنها منظمة. في ظل الظروف الصحية، تلعب هذه الكائنات دورًا حيويًا في حماية الإنسان؛ فبعضها يشارك في تنظيم الجهاز المناعي، وبعضها يديم استقرار درجة الحموضة pH، والبعض الآخر يشارك في عمليات أيضية تؤثر على صحة القلب والأوعية الدموية. هذا التوازن، رغم روعته، فهو هش للغاية؛ حيث إن إهمال تنظيف الأسنان، أو تغير العادات الغذائية، أو التدخين، أو التوتر المزمن، أو الإصابة بأمراض جهازية كالسكري، كلها عوامل قادرة على قلب هذا النظام رأسًا على عقب. وعندما يختل التوازن، تتحول المدينة إلى فوضى صامتة تُعرف علميًا بـ «الاختلال الميكروبي (Dysbiosis)».

في خضم هذه الفوضى، تظهر بكتيريا لا تسعى للتعايش، بل تسعى للسيطرة. تُعد بكتيريا (Porphyromonas gingivalis) من أخطر هذه الأنواع، حيث اقتصر ارتباط اسمها على أمراض اللثة، غير أن الدراسات الحديثة وضعتها في صميم نقاش أوسع وأشد خطورة، نقاش يربط بين صحة الفم وصحة الدماغ.

تتصرف هذه الأنواع من البكتيريا كما لو كانت جنودًا تسللت إلى المدينة، تبحث عن السيطرة، بينما تحاول قوات الدفاع الداخلية الصمود؛ حيث تفرز بكتيريا (P. gingivalis) إنزيمات قوية تسمى الجينجيبينز (Gingipains) تنتجها في الفم. كما تفرز أيضًا سمومًا تسمى عديد السكاريد الشحمي (Lipopolysaccharide)، فبمجرد وصول هذه العوامل إلى الدماغ، تبدأ رحلتها الجديدة في الالتهابات العصبية وتهديد الدماغ.

حين يتحول التهاب اللثة

إلى تهديد عصبي

في البداية، تبدو الأمور بسيطة: نزيف خفيف عند تنظيف الأسنان، واحمرار في اللثة، ورائحة فم غير مألوفة. إنها أعراض شائعة يتجاهلها الكثيرون. لكن تحت هذا الالتهاب السطحي، تبدأ عملية أعمق وأكثر تعقيدًا؛ حيث إنه مع إفراز بعض أنواع البكتيريا إنزيمات وسمومًا قادرة على إضعاف أنسجة اللثة، تعمل على تهيئة فتح ممرات دقيقة تسمح لها بالدخول إلى مجرى الدم.

من هناك، تبدأ رحلة غير منظورة داخل الجسم؛ فبعض هذه العوامل يرحل عبر الدورة الدموية، وبعضها يستغل مسارات عصبية مباشرة تربط الفم بالدماغ، مثل العصب الشمي (Olfactory nerve)؛ حيث تؤكد المصادر العلمية وجود (محور الفم-الدماغ) الذي تنتقل عبره العدوى من خلال مسارين رئيسيين: 1. المسار الدموي: تسلل البكتيريا وسمومها إلى الدورة الدموية ثم اختراق الحاجز الدموي الدماغي (Blood Brain Barrier). 2. المسار العصبي: انتقال الميكروبات مباشرة عبر الأعصاب التي تربط الفم بالدماغ، مثل العصب الشمي والعصب ثلاثي التوائم (Trigeminal nerve).

الحاجز الدموي الدماغي

يُعد الحاجز الدموي الدماغي نظام حماية بيولوجي فائق الدقة، وهو عبارة عن غشاء اختياري يفصل بين الأوعية الدموية وأنسجة الجهاز العصبي المركزي. وظيفته الأساسية هي الحفاظ على استقرار بيئة الدماغ من خلال التحكم الشديد فيما يدخل إليه؛ فهو يسمح بمرور العناصر الغذائية الضرورية (مثل الجلوكوز) ويمنع وصول السموم والميكروبات والفضلات الموجودة في الدم. عندما يتعرض هذا الحاجز الدموي الدماغي للخلل، تفتح البوابات أمام «الغزو العصبي الميكروبي»، مما يشعل فتيل الالتهاب العصبي المزمن. هذا الانهيار لا يسمح فقط بدخول الميكروبات، بل يعيق أيضا قدرة الدماغ على التخلص من لويحات الأميلويد التي تعرقل عمل التشابكات العصبية، مما يؤدي في النهاية إلى موت الخلايا العصبية وتدهور الوظائف المعرفية.

حين تتحول إشارات الدفاع

إلى تهديد للذاكرة

حين تُحفَّز هذه البكتيريا على الالتهاب العصبي، فإنها تعمل على تفعيل خلايا مناعية تفرز وسائط التهابية. من بين أكثر هذه الوسائط الالتهابية تأثيرًا جزيئتان تحملان أسماء قد تبدو معقدة، لكن أدوارهما بالغة الخطورة: الإنترلوكين-1 بيتا (IL-1β) وعامل نخر الورم ألفا (TNF-α). وهما بروتينات لا تُعدّان عدوًا بطبيعتهما، بل هما في الأصل جزء من منظومة الدفاع المناعي الطبيعية في الجسم، تُفرزان عند حدوث عدوى أو إصابة لتنبيه الخلايا وبدء عملية الحماية. غير أن المشكلة لا تكمن في ظهورهما، بل في استمرارهما. فعندما تتسلل سموم بكتيريا الفم إلى الدماغ، أو عندما يتعرض الحاجز الدموي الدماغي لضغط التهابات مزمنة، تستجيب الخلايا الداعمة في الدماغ، وعلى رأسها الخلايا الدبقية الدقيقة (Microglial cells) بإفراز كميات متزايدة من تلك الوسائط الالتهابية. في البداية، تبدو هذه الاستجابة كخط دفاع مشروع، محاولة لاحتواء الخطر ومنع انتشاره، لكن مع مرور الوقت، يتحول هذا الدفاع إلى سيفٍ ذي حدين.

الارتفاع المزمن في مستويات هذه الوسائط الالتهابية يخلق بيئة عصبية سامة، تُضعف التواصل بين الخلايا العصبية وتُربك الإشارات الكيميائية الدقيقة المسؤولة عن الذاكرة والتعلم. على وجه الخصوص، يُعرف IL-1β بقدرته على تعطيل اللدونة العصبية Neuroplasticity، وهي الخاصية التي تمكّن الدماغ من التعلّم وتخزين الذكريات. أما TNF-α، فيسهم في زيادة نفاذية الحاجز الدموي الدماغي، مما يسمح بدخول مزيد من الجزيئات الالتهابية والسموم، ويغذي دائرة مفرغة من الالتهاب المستمر.

ومع استمرار هذا الالتهاب، تبدأ الخلايا العصبية في دفع ثمن باهظ. فالإشارات الالتهابية المزمنة تحفز مسارات تؤدي إلى موت الخلايا المبرمج (انتحار الخلية Apoptosis)، وتسرع من تراكم بروتينات الأميلويد بيتا وتشابكات بروتين تاو، والتي بدورها تعمل على ضعف التشابك العصبي بين الخلايا العصبية. وهنا يبرز تساؤل لافت: هل هذه التغيرات البروتينية سبب المرض أم نتيجة لمحاولة الدماغ حماية نفسه من التهاب لا ينتهي؟

بهذا المعنى، لا يظهر الزهايمر كحدث مفاجئ، بل كقصة طويلة من الإنذارات التي لم تُطفأ في وقتها. فالوسائط الالتهابية مثل IL-1β وTNF-α ليست مجرد أسماء في مختبرات الأبحاث، بل هي رسائل كيميائية تحمل بين طياتها حكاية صراع هادئ داخل الدماغ؛ صراع قد يبدأ من التهاب بسيط في اللثة، ثم يتضخم تدريجيًا حتى يمس الذاكرة ذاتها.

الأمراض المزمنة: حين تتشابك المسارات

ترتبط بعض الأمراض غير المعدية ارتباطًا وثيقًا بهذه القضية، حيث إن مرض السكري، وارتفاع ضغط الدم، ليست مجرد حالات مفصولة، بل هي عوامل تزيد الخطر بصمت. تزداد فرص الإصابة بشكل كبير لدى المصابين بأمراض مزمنة؛ حيث تساهم هذه الأمراض في إضعاف دفاعات الجسم وتسهيل وصول السموم للدماغ. فمرض السكري -على سبيل المثال- يُحدِث تغييرًا في كيمياء الفم؛ حيث إن ارتفاع مستويات الجلوكوز في اللعاب يخلق بيئة مثالية لنمو البكتيريا الضارة، ويُضعف مناعة الأنسجة، ويزيد من شراسة الالتهاب واستمراره. أيضًا، تؤثر أمراض اللثة سلبًا على توازن البكتيريا الفموية المفيدة التي تساهم في تنظيم ضغط الدم عبر إنتاج مركبات توسّع الأوعية الدموية. إن غياب هذا التوازن يؤدي إلى اضطرابات دقيقة في الأوعية الدموية الدماغية، مما يسهل الطريق لتسارع التدهور المعرفي. وبذلك، يتحول الفم إلى حلقة وصل حرجة بين أمراض الجسد وأمراض الدماغ، وجسر غير ظاهر تعبره المخاطر بهدوء.

اللعاب: الرسالة التي لم ننتبه لها

مع وجود هذا المشهد المعقد، يبرز عنصر بسيط يحمل أملًا كبيرًا، وهو اللعاب. هذا السائل الذي غالبًا ما نتغافل أهميته، قد يكون مؤشرًا مبكرًا لما يحدث في الأعماق. إن التغيرات الصغيرة في تركيبته، أو في طبيعة البكتيريا التي يحملها، قد تنذر بخطر قادم قبل سنوات طويلة من ظهور الأعراض السريرية لمرض الزهايمر. لم يعد العلم اليوم ينظر إلى الفم كمجرد مصدر محتمل للعدوى، لكنه أصبح نافذة تشخيصية غير جراحية تتيح فرصة للتدخل المبكر. هذا التدخل لا يهدف فقط إلى الحفاظ على صحة الأسنان واللثة، لكنه يُعدّ بالغ الأهمية في حماية الدماغ نفسه. قطرة واحدة من اللعاب قد تحمل أسرار دماغك قبل أن تظهر أي علامة في حياتك اليومية.

قصة يمكن تغيير نهايتها

في الحقيقة هذه ليست قصة تشاؤمية، لكنها قصة وعي. قد لا يكون الزهايمر، في بعض مساراته، قدرًا محتومًا، لكنه قد يكون نتيجة تراكم إهمال بسيط تلو الآخر؛ حيث العناية بالفم ليست مجرد مسألة جمالية أو روتين صحي ثانوي، لكنها أصبحت جزءًا من الوقاية العصبية طويلة الأمد. للوهلة الأولى، تبدو فرشاة الأسنان، وخيط التنظيف، وزيارات طبيب الأسنان تفاصيل يومية بسيطة وتُعتبر قرارات صغيرة، لكنها قد تُحدِث فرقًا هائلاً بعد سنوات؛ فرقًا بين ذاكرة تبقى حاضرة، وأخرى تختفي بصمت.

حين ننظر في المرآة من جديد

قد يكون حان الوقت لتغيير زاوية نظرتنا. عندما ننظر إلى أنفسنا في المرآة صباحًا، لا نرى الأسنان فحسب، لكن نرى إلى أن الفم هو بوابة تؤثر على ذاكرتنا وشخصيتنا ومستقبلنا العقلي. فالفم ليس منفصلًا عن الدماغ، حيث هو جزء من قصته وشاهد على صحته. وفي معركتنا الطويلة ضد الزهايمر، قد لا يكمن الحل الوحيد في المختبرات المعقدة أو الأدوية الحديثة، لكن يجب أن يبدأ من أبسط طقوسنا اليومية. من هناك، من تلك الابتسامة التي نراها كل يوم، قد تبدأ الحكاية، وقد تنتهي بشكل مختلف. أخيرًا، سؤالي لك هل كنت تتوقع يومًا أن ابتسامتك الصباحية يمكن أن تحمي ذاكرتك؟ ربما حان الوقت لتفكر في فمك ليس كأداة طعام فقط، لكنه حارس للذاكرة.

د. مازن العبيدي أستاذ مساعد في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية