جيروم غروبمان / ترجمة - بدر بن خميس الظفري 

يعاني أكثر من 1.2 مليار إنسان حول العالم من الشقيقة (الصداع النصفي) وأنواع أخرى من الصداع المنهك، وهي حالات لم تحظَ بما يكفي من البحث الجاد وغالبًا لا تؤخذ على محمل الجد.

قبل عقدين من الزمن، كنت أغادر عيادتي صباحا في المستشفى الذي أعمل فيه، حين باغتني فجأة ألم شديد في رأسي. كان الأمر كما لو أن جمجمتي توشك على الانفجار، وفي الوقت نفسه كأنها تُعصر داخل ملزمة تزداد إحكامًا لحظة بعد أخرى. أصابني الغثيان والدوار، وتوجهت مترنحًا إلى قسم الطوارئ. كنت في أوائل الخمسينيات من عمري، وأول ما خطر ببالي أنني قد أكون مصابًا بتمدد وعائي دماغي منفجر (وهو ما يُعرف بين بعض الأطباء بـأسوأ صداع في حياتك). ولحسن الحظ، أظهرت الأشعة المقطعية عدم وجود نزيف في الدماغ. لكن الخبر السيئ جاء لاحقًا. حضر طبيب أعصاب، وفحصني، وقال إنه يعتقد أنني أعاني من الشقيقة. لم أكن قد أصبت بها من قبل، غير أن تشخيصه كان صحيحًا، ومنذ ذلك الحين أصبحت الشقيقة جزءًا لا يتجزّأ من حياتي. تفاوتت نوباتها من حيث الشدة والتكرار عبر الزمن، لكن ما إن يصبح المرء مصابًا بالشقيقة حتى يعيش في ترقب دائم للهجمة التالية، ويخطط حياته على أساسها، ويفتش في تفاصيل يومه عن محفزات محتملة، ويظل يبحث عن علاج جديد قد يخفف هذا العذاب.

وكما يكتب الصحفي المتخصص في الجانب العلمي توم زيلر الابن في كتابه «الصداع»، الصادر عن دار مارينر للنشر، فإن عدم القدرة على التنبؤ بنوبات الصداع المزمن أمر بالغ الإزعاج للمصابين به: «قد تكون تلقي خطابًا أمام حشد كبير، أو تطهو العشاء لصديق، أو مستلقيًا وحدك في أرجوحة تنظر إلى السماء. بل قد تكون نائمًا نومًا عميقًا حين يحدث ذلك. في أي لحظة يمكن أن يظهر، يتسلل كظل في بعض الحالات، أو ينقض كمفترس في حالات أخرى».

زيلر لا يعاني من الشقيقة. بل يعاني مما يتفق عليه الجميع أنه أشد وطأة، وهو الصداع العنقودي. وغالبًا ما يُدرج هذا النوع ضمن قوائم أكثر الحالات الطبية إيلامًا، إلى جانب ألم العصب الثلاثي التوائم وعرق النسا والنقرس. وقد سُمّي بالعنقودي لأنه يأتي على شكل نوبات متقاربة، عدة مرات في اليوم الواحد. وتعكس شدة الألم تسمية أخرى للحالة: «صداع الانتحار». يصف زيلر الألم بأنه «أبيض متقد، أعمى لكنه غير مرئي، هستيري لكنه ثقيل كالفيل»، ويكتب عن «التلوي على أرضية الحمام، وعن اللعاب المتساقط، وعن أطراف الأصابع التي تُغرز بعنف في فروة الرأس في محاولة يائسة لتهدئة ذلك الخليط الصارخ من التشريح العصبي الذي يمزق الجانب الأيمن من رأسي».

الصداع العنقودي نادر نسبيًا، إذ يصيب أقل من واحد في المائة من السكان، بينما تُعد الشقيقة من أكثر الأمراض الخطيرة شيوعًا. عالميًا، يعاني منها نحو 1.2 مليار شخص، منهم قرابة أربعين مليونًا في الولايات المتحدة. ويُلاحظ أن الرجال أكثر عرضة للإصابة بالصداع العنقودي، في حين تفوق نسبة النساء المصابات بالشقيقة الرجال بنحو ثلاثة إلى واحد. وتشكل الحالتان محور كتاب زيلر، الذي ينسج سردًا يجمع بين التاريخ والبيولوجيا، واستعراضًا للأبحاث الراهنة، وشهادات المرضى، ورواية موجعة لمعاناته الشخصية التي بدأت في عقده الثالث من العمر. وسيجد القراء الذين يعانون من الشقيقة أو الصداع العنقودي أنفسهم –كما وجدت أنا– يقارنون تجاربهم التي خاضوها بالمادة الغنية التي يقدمها الكتاب، الذي يُعد في آن واحد مسحًا ميدانيًا شاملًا لهذا المجال، وصرخة ألم إنسانية مدوّية.

تختلف نوبات الشقيقة اختلافًا كبيرًا من شخص إلى آخر، سواء في كيفية الإحساس بها، أو في العوامل التي يُعتقد أنها تثيرها، أو في مدى استجابتها للأدوية المختلفة.

وقد تبدأ في سن الرشد، كما حدث في حالتي، لكنها قد تصيب الأطفال أيضًا. وأكثر من نصف النساء المصابات بالشقيقة يعانين نوبات أثناء فترة الحيض، وهو ما يشير إلى أن التقلّبات الهرمونية قد تكون أحد محفزاتها. وقد تسبق نوبات الشقيقة مجموعة من الأعراض الدقيقة؛ إذ يسرد زيلر منها «الإمساك، واشتهاء أنواع معينة من الطعام، وكثرة التثاؤب، وتيبس الرقبة، أو زيادة العطش والتبول». وهناك كذلك ظاهرة تُعرف باسم «الأورة»، وهي مجموعة من الأعراض الحسية أو الحركية التي كثيرًا ما تنذر ببدء الألم والغثيان وازدياد الحساسية تجاه الضوء.

وتُعد «الأورة» من أكثر سمات الشقيقة لفتًا للانتباه، غير أن نحو ثلث المصابين فقط يعانون منها. وأنا واحد منهم، وتجربتي معها بصرية بامتياز. فقبل أن يبدأ الصداع، يظهر وميض ضوئي على هيئة هلال بأسنان تشبه المنشار، ويتمدد هذا الطيف تدريجيًا إلى أن يحجب الرؤية في عيني اليمنى. وفي كتابه الرائد «الشقيقة» الصادر عام 1970، يورد أوليفر ساكس رسومات أنجزها مرضى شقيقة يصورون فيها «الأورة» التي يرونها. ومن بين تلك الرسومات واحدة تشبه تجربتي إلى حد بعيد، وقد كُتب تحتها: «نمط متعرج كلاسيكي يشبه التحصينات؛ تألقه في الواقع يخطف الأبصار كصفحة بيضاء تحت شمس الظهيرة، وحافته في اهتزاز دائم». وبعض مرضى الشقيقة المحظوظين نسبيًا يصابون بـ»الأورة» من دون أن يعقبها ألم. غير أن الغالبية، سواء ممن يعانون «الأورة» أو لا، تكون نوباتهم مُنهكة. وخلال النوبة وما بعدها، أحتاج إلى الراحة في غرفة مظلمة؛ فأدنى بصيص من الضوء يسبب لي ألمًا، وأشعر بإرهاق جسدي وذهني يمنعني من أداء أي وظيفة لبقية اليوم.

وغالبًا ما تصيب الشقيقة أحد جانبي الرأس. ومن حيث الأصل اللغوي، فإن المصطلح مشتق، عبر اللاتينية، من كلمة يونانية تشير إلى ذلك. وقد عُرفت هذه الحالة عبر معظم التاريخ المدوَّن. فقد وصف أبقراط ما يبدو أنه «أورة»؛ إذ كتب عن أحد المرضى: «كان يبدو كأنه يرى شيئًا لامعًا أمامه كالنور، غالبًا في جزء من العين اليمنى. ثم يعقب ذلك ألم شديد في الصدغ الأيمن، ثم يمتد إلى كامل الرأس والرقبة». أما أريتايوس القبادوقي، الذي يُعتقد أنه عاش في القرن الثاني الميلادي، وربما في زمن جالينوس نفسه، فقد وصف اضطرابًا صداعيًا يشبه إلى حد بعيد تجربتي، قائلًا: «كانت هذه نوبات من ألم الرأس مصحوبة بخمول شديد، وثقل في الرأس، وقلق، وإعياء... وكان المرضى يفرون من الضوء لأن الظلام يهدئ علّتهم». ومن العلاجات التي أوصى بها جالينوس وضع سمكة الطوربيد (وهي نوع من أسماك الشفنين – الراي) على رؤوس المصابين، وهو علاج يرجح زيلر أنه ربما كان يعمل كمهيّج مضاد. أما أريتايوس فكان يفضل الفصد (إخراج الدم)، والحجامة، وإحداث الفقاعات الجلدية، وإذا فشلت كل الوسائل، اللجوء إلى كيّ فروة الرأس بطريقة مروعة.

ولا شك أن الصداع المزمن يعود إلى زمن أقدم بكثير. ويلاحظ زيلر أن «نسبة السكان الذين يعانون الشقيقة وغيرها من اضطرابات الصداع تبدو مستقرة بشكل لافت، لا تتراجع ولا تتزايد كثيرًا مع الزمن، ولا تختلف إلا قليلًا بين الأعراق والمناطق الجغرافية»، وهو ما يشير إلى أن المشكلة قديمة قِدم نوعنا البشري نفسه. ويخصص عدة صفحات لشرح ممارسة ثقب الجمجمة، أي حفر ثقب في عظام الرأس، وهي ممارسة عُثر على أدلة عليها في هياكل عظمية تعود إلى أواخر العصر الحجري القديم، قبل نحو اثني عشر ألف عام. ويستشهد ليس فقط بمؤرخين وأطباء رأوا في ذلك دليلًا على محاولات مبكرة لعلاج الصداع -ومنهم طبيب القرن السابع عشر توماس ويليس، الذي صاغ مصطلح «علم الأعصاب»- بل أيضًا بآخرين يجادلون بشكل مقنع ضد هذا الافتراض. ومع ذلك، يعترف زيلر بأن معاناته الشخصية تجعله ميالًا إلى الاعتقاد بوجود شيء من الصحة في هذه الفكرة. إذ يكتب: «كل من اختبر ألم نوبة صداع عنقودي لا بد أنه فكّر، ولو مرة، في فعل إيذاء ذاتي يوازي ثقب الجمجمة. فعندما يكون الرعب يتفجر داخل الرأس، إلى أي حد يبدو التفكير في أن رعبًا آخر قد يطلقه إلى الخارج ضربًا من الجنون؟».

طوال معظم فترات التاريخ، لم يتحقق تقدم يُذكر في علاج الصداع، وترافق ذلك مع فضول واسع حيال ما قد ينجح في تخفيفه. فقد دوّن تشارلز داروين، الذي كان هو نفسه يعاني الصداع، في اليوميات التي أرّخت لرحلته على متن سفينة بيغل الملكية عادة شعبية نُقلت إليه خلال نوبة مؤلمة أصيب بها في الأرجنتين. كتب: «من الممارسات الشائعة أن يُربط ورق البرتقال أو قطعة من لاصق أسود على كل صدغ؛ أما الخطة الأكثر شيوعًا فهي شق حبة فاصولياء إلى نصفين، وترطيبهما، ثم وضع نصف على كل صدغ، حيث يلتصقان بسهولة». وأضاف: «إذا سُئل رجل وعلى رأسه هذه اللصقات عمّا به، أجاب: أصابني صداع قبل يومين».

قد تكون العلوم الطبية عجزت طويلًا عن تقديم الكثير لمرضى الصداع، لكن، كما يشير زيلر، فإن «ألم الرأس غير المفسَّر، قبل القرن العشرين، كان يُعد مسألة ذات شأن — عِلّة غامضة ومحيّرة تستحق اهتمامًا طبيًا جادًا، وتراكمًا في التوثيق، وغالبًا تدخلات درامية». ومن الموضوعات المحورية في كتابه ضآلة الاهتمام الذي تحظى به هذه الحالات اليوم، قياسًا إلى عدد المصابين بها، والصعوبة التي يواجهها المرضى في أن يؤخذوا على محمل الجد. فعدد مقدمي الرعاية والباحثين الذين يتصدون للغز الصداع أقل بكثير من أولئك الذين يعملون على اضطرابات الحركة مثل داء باركنسون، أو الأمراض التنكسية مثل داء ألزهايمر، أو أمراض الأوعية الدموية مثل السكتة الدماغية. وغالبًا ما يعاني المرضى الساعون إلى حلول مشاعر الإحباط واليأس؛ فيتنقلون بين أطباء الأعصاب، وأطباء التخدير، وأخصّائيي علاج الألم، والمعالجين البديلين، ومجموعات النقاش عبر الإنترنت، بحثًا عن تفسير أو تخفيف للمعاناة.

وعلى مر الزمن، عانى المصابون بهذه الآلام من قوالب نمطية رسخها بعض الأطباء، وهي نزعة تفاقمت لأن مرضى الشقيقة في غالبيتهم من النساء. وينقل زيلر مقتطفًا من مقابلة تعود إلى أربعينيات القرن الماضي مع الطبيب البارز والتر سي. ألفاريز، أحد أطباء عيادة مايو كلينيك، قال فيها: «النساء الأكثر إرضاءً للنظر، والساحرات، وذوات الذكاء المتقد والحساسية العالية، هنّ تحديدًا الأكثر عرضة لنوبات الصداع النصفي». وقد تناولت الكاتبة جوان ديديون هذا التصور المُجحف في مقالها «في السرير». إذ كتبت: «نحن، المصابات بالشقيقة، لا نعاني النوبات نفسها فحسب، بل نعاني أيضًا هذا الاعتقاد الشائع بأننا نرفض، عنادًا، شفاء أنفسنا بالاكتفاء بتناول حبتين من الأسبرين». وأضافت: «قال لي طبيب ذات مرة: «لا تبدين كمن لديه شخصية الصداع النصفي. شعرك أشعث. لكنني أفترض أنك مهووسة بترتيب وتنظيف منزلك». في الواقع، منزلي يُدار بإهمال يفوق إهمال شعري».

أما مسألة أسباب الشقيقة وأنواع الصداع المزمن الأخرى، فلا تزال موضع جدل، وتدور حول مدرستين فكريتين يمكن تتبع جذورهما إلى القرن التاسع عشر. ترى إحداهما أن الشقيقة اضطراب يصيب الأوعية الدموية أساسًا، وتبني العلاج على هذا الأساس. هذا ما تعلمته في كلية الطب قبل نحو خمسين عامًا، وأحد أوائل أطباء الأعصاب الذين استشرتهم لاحظ أنني كنت أصاب بنوبة شقيقة أثناء الراحة يوم السبت بعد أسبوع مليء بالتوتر، فاقترح أن أوعيتي الدموية، التي كانت مشدودة ومتقبضة، بدأت بالاسترخاء، مما أدى إلى تدفق مفرط للدم إلى الدماغ، ومن ثم إلى الصداع. وقد خطر ببالي آنذاك أن أحد الحلول قد يكون ألّا أسترخي أبدًا. ونصحني بالوقاية عبر ممارسة تمارين بدنية عنيفة لتحسين توتر الأوعية الدموية، وهو نظام لم يُجدِ نفعًا في حالتي.

أما المعسكر الآخر، فيرى أن الشقيقة لا تنبع من الأوعية الدموية، بل من الدماغ نفسه، على نحو يشبه الصرع. ففي ظاهرة تُعرف باسم «إزالة الاستقطاب الكهربائي» يؤدي تدفّق غير طبيعي للأيونات إلى إطلاق العصبونات، صعودًا من جذع الدماغ إلى مناطق تشمل القشرة المخية. ويمكن لهذا المسار أن يفسر أعراضًا مثل «الأورة»، والغثيان، ورهاب الضوء (الحساسية المفرطة للضوء)، والتنميل. وتميل كفّة الأدلة المستمدة من تصوير الدماغ إلى ترجيح هذه الفرضية. أما من يعتنقونها فيعتبرون انقباض الأوعية الدموية وانبساطها مجرد ظواهر ثانوية لا أكثر. ويقدّم زيلر خلاصة مفيدة تجمع بين الرؤيتين: «لو أردنا اختزال المعرفة الحالية بآليات الصداع الأولي، لأمكن تلخيصها في ثلاث عبارات: (1) يبدو أن أجزاء أساسية من الدماغ معنية بالأمر؛ (2) تبدو بعض المواد الكيميائية العصبية مهمة؛ و(3) ما زلنا غير متيقنين تمامًا من دور الأوعية الدموية في المسألة برمتها».

وبحسب الطبيب، وبحسب النظرية التي يتبناها، وُصفت لي أدوية متعددة، أحيانًا بالتتابع وأحيانًا بالجمع بينها. بدأت بمضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات، التي تبيّن منذ سنوات أنها تفيد بعض مرضى الشقيقة. لكنها أثّرت في ضغط دمي؛ فحين كنت أنهض سريعًا من السرير كان يهبط إلى حد أكاد معه أفقد الوعي، كما سببت لي صعوبة في التبول. انتقلت بعدها إلى دواء (فيراباميل) وهو دواء يمنع دخول الكالسيوم إلى خلايا العضلات الملساء المحيطة بالأوعية الدموية، مما يؤدي إلى ارتخائها واتساعها. لكنه أسقط توتر أوعيتي وضغط دمي إلى مستويات متدنية.

ثم جاء دور (توباماكس)، وهو دواء مضاد للصرع، يُلقَّب في الأوساط الطبية بـ«دوپ-أ-ماكس» لأنه يجعلك تشعر بالغباء؛ وفعلاً، أحسست وكأن رأسي محشو بالبطاطس، فبالكاد أستطيع التفكير، ولا أتحدث إلا ببطء شديد.

أضفت بعد ذلك (بروبرانولول)، وهو من حاصرات بيتا التي تقلل تأثير الأدرينالين على القلب والأوعية الدموية. لكنه جلب معه إرهاقًا وكآبة لم أعد أحتملها، وهو أثر جانبي معروف للدواء. وخلال نوبات الشقيقة الحادة، كنت أتناول (التريبتانات)، التي تستهدف الناقل العصبي السيروتونين، فتخفف الصداع على المدى القصير عبر حجب مستقبلات الألم في الرأس. غير أن هذه الأدوية لا يمكن تناولها إلا بجرعات محدودة، بسبب خطر حدوث صداع ارتدادي، وبسبب آثارها الجانبية مثل الغثيان والتقيؤ وألم الصدر.

وفي أحد إجازات نهاية الأسبوع، وسط هذا الأخذ والرد في تجريب العلاجات، وبعد التوقف عن البروبرانولول، أصبت بسلسلة انفجارية من نوبات الشقيقة المتلاحقة التي لا تهدأ، حيث كانت كل نوبة تتداخل مع التالية. لم تكن هناك سوى فسحة قصيرة من ساعة أو ساعتين بين موجات «الأورة» والألم. لم أستطع مغادرة غرفتي المعتمة، وخشيت أن أُحكم عليّ بحياة من العجز. وصف لي طبيب أعصاب جرعات عالية من دواء (بريدنيزون)، وهو كورتيكوستيرويد، فكسر الحلقة المفرغة، لكنه تسبب في قلق حاد وأرق شديدين، إلى حد اضطررت معه إلى تناول دواء (لورازيبام)، وهو من فئة البنزوديازيبينات المشابهة للفاليوم. ولم يكن أي من هذه الأدوية الكثيرة نافعًا بشكل دائم.

يلتقط زيلر تجربتي بدقة. إذ يكتب: «ما ينجح مع شخص اليوم قد لا ينجح دائمًا، ما يضطره إلى البحث عن علاج جديد من بئر خيارات تضيق بالضرورة مع كل تغيير». أما رحلته الدوائية الشخصية فهي مروّعة بحق. يفتتح كتابه وهو تحت تأثير دواء (بسيلوسايبين)، المادة المهلوسة الموجودة في الفطر السحري، ويكتب عن فترة كان يعمل فيها على تحقيق كبير لصحيفة نيويورك تايمز، وكان خلالها «يتناول جرعات عالية من المغنيسيوم؛ ويستنشق عبر أنفه رشّات منتظمة من الماء والكابسيسين (مستخلص الفلفل الحار)؛ ويبتلع حاصرات قنوات الكالسيوم كما لو كانت حلوى؛ ويكاد يحقن الكافيين في عروقه، الذي كان أحيانًا يجهض نوبة صداع مفردة إذا أُخذ سريعًا، لكنه، على الأرجح، كان يسهم أيضًا في تفاقم الصداع عمومًا». وفي لحظة ما، يفقد الوعي بسبب الإفراط في تناول الفيراباميل: «شعرت بامتنان عميق—ليس لأنني نجوت من جرعة زائدة طائشة، بل لأنني، أخيرًا، نمت طوال الليل من دون صداع».

على الرغم من محدودية فهمنا البيولوجي للصداع المزمن، شهدت السنوات الأخيرة تقدمًا مهمًا في تحديد الجزيئات الدماغية التي تتوسط الإحساس بالألم. وقد شكّل اكتشاف ناقل عصبي يُعرف باسم (الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين) نقلة نوعية في فهم الشقيقة وعلاجها. وجاء هذا الاكتشاف عندما قام باحثون بإدخال قساطر دقيقة حول العصب القحفي الخامس (العصب ثلاثي التوائم) لدى مرضى، لأخذ عينات من البروتينات التي تُفرَز أثناء نوبات الشقيقة، فوجدوا كميات وفيرة من هذا البيبتيد. وقد تبيّن أن هذا البيبتيد يُفرَز من نهايات العصب ثلاثي التوائم المحيطة بالأوعية الدموية داخل الجمجمة. ولاحقًا، أظهرت تجارب أخرى أن إعطاء هذا البيبتيد عبر التسريب الوريدي يؤدي، في جميع الحالات تقريبًا، إلى تحفيز نوبات شقيقة.

وفي عام 2018، أصبحت الأدوية التي تعطل تأثير (البيبتيد المرتبط بجين الكالسيتونين) متاحة للمرضى. وقد وُصف لي في البداية دواء (إيموفيغ)، وهو جسم مضاد يُحقن ذاتيًا مرة واحدة شهريًا. وعلى مدى ثمانية أشهر، لم أُصب بأي نوبة شقيقة، بعد أن كنت أعاني منها بمعدل مرة كل بضعة أسابيع. في البداية، ظننت أنني قد أكون من بين نسبة العشرين في المائة من المرضى الذين يصفهم زيلر بـ«ذوي الاستجابة الفائقة»، أي أولئك «الذين يُعاد تشكيل سردياتهم الشخصية الطويلة مع ألم الرأس المنهك والمتكرر وغير المفسر بالكامل، على نحو كان يصعب تصوره قبل سنوات قليلة فقط». غير أن تأثير دواء (إيموفيغ) أخذ يتراجع تدريجيًا، ما أدخلني في حالة من الإحباط. ولحسن الحظ، طُرح في السوق دواء آخر يستهدف البيبتيد، وهو إيمغاليتي. وقد نجح معي أيضًا، لكن فائدته تلاشت بدورها بعد نحو عام.

كان كل من إيموفيغ وإيمغاليتي قد وُصف لي من قبل اختصاصي علاج الألم. وعندما توقف مفعولهما، راجعت طبيبة أعصاب تنتمي إلى المدرسة التي ترى الشقيقة حالة ذات طبيعة صرعية.

وقد أوصتني بدواء (لاميكتال)، وهو دواء مضاد للصرع يُستخدم كذلك في اضطرابات نفسية مثل الاضطراب ثنائي القطب. يعمل هذا الدواء على كبح إزالة الاستقطاب الكهربائي، وقد ثبتت فعاليته العالية لدى المصابين بالشقيقة المصحوبة بـ»الأورة»، بينما لا يحقق النتيجة نفسها لدى من يعانون الشقيقة من دون «أورة»، وهو ما يعزز الفرضية القائلة إن «الأورة» تمثل حدثًا دماغيًا شبيهًا بالنشاط الصرعي. وقد كان تأثير (لاميكتال) عليّ كبيرًا ومستمرًا حتى اليوم. وفي الوقت نفسه، شجعني اختصاصي علاج الألم الذي أتابع معه على إضافة جسم مضاد طويل المفعول يستهدف (البيبتيد المرتبط بجين الكالسيتونين) يُعرف باسم (فييبتي)، ويُعطى مرة كل ثلاثة أشهر. وأحيانًا، خلال الأسبوع أو الأسبوعين اللذين يسبقان جرعة فييبتي، أشعر بتنميل في رقبتي، من دون الوميض الضوئي في العين، ولكن مع ألم متوسط في أحد جانبي الرأس. وقد صرت أتعامل مع ذلك بوصفه «شقيقة مصغّرة». وفي هذه الحالة، أتناول فورًا (نيرتيك)، وهو دواء آخر يثبط (البيبتيد المرتبط بجين الكالسيتونين) يمكنه إيقاف النوبة قبل أن تتفاقم.

ويُعد استخدام أكثر من دواء أمرًا شائعًا بين المصابين بالصداع. فقد وجدت إحدى الدراسات التي أشار إليها زيلر أن المريض الواحد يتناول، في المتوسط، أربعة أدوية على الأقل، وأن أربعين في المائة من المرضى يستخدمون خمسة أدوية أو أكثر. وتُعد أدوية لاميكتال، وفييبتي، ونيرتيك جميعها علاجات وقائية، بينما أتناول (التريبتانات) أثناء النوبات الكاملة.

يبقى السؤال المطروح: لماذا تُعد الشقيقة تجربة شائعة إلى هذا الحد في حياة البشر؟ يشير زيلر إلى أن الحيوانات لا تبدو مصابة بالصداع المزمن. وينقل عن عالم أدوية أسترالي قوله: «لم أرَ قط أحد حيواناتي الأليفة مستلقيًا في فراشه واضعًا كفه على رأسه». وقد يدل ذلك على أن الشقيقة تنشأ من تفاعل بين الأجزاء الأقدم في الدماغ والبنى القشرية التي تطورت لاحقًا. ويقترح زيلر أن علم الأحياء التطوري قد يقدم تفسيرًا لهذه الحالة. إذ يكتب: «ليس من الصعب تصور أن جهازًا عصبيًا بالغ الحساسية، متنبهًا بشدة للأصوات والمشاهد والروائح والتهديدات، كان ميزة ثمينة لأسلافنا الأوائل في بيئة السافانا المليئة بالمفترسات. وربما كان ثمن امتلاك هذه الحواس اليقظة والقابلة للاستثارة هو تطور منظومتنا العصبية على حافة دقيقة أشبه بنصل حاد، مشدودة دائمًا، لكنها معرّضة، لدى بعضنا، لإطلاق إشارات خاطئة حين تتوافر الظروف غير المناسبة».

تبدو هذه الفرضية مقنعة، وإن كانت محبِطة بالنسبة لي. فنحن لم نعد نعيش في سافانا تعجّ بالمفترسات، وأنا، على الأقل، كنت أفضل أن أمتلك جهازًا عصبيًا لا يقف دائمًا على حد السكين، ويتطلب كبحه تناول عدة أدوية. ومع ذلك، فإن الشقيقة، بفضل الأدوية الأربعة التي أتناولها حاليًا، فقدت كثيرًا من قدرتها على فرض إيقاعها على أيامي؛ إذ لا أعاني نوبة كاملة إلا بضع مرات في السنة، بينما تقتصر بقية الأعراض على «نوبات شقيقة مصغّرة» تواكب تراجع مفعول الحقن الدورية التي أتلقاها كل ثلاثة أشهر. وبالنسبة لي، يُعد هذا تحسنًا كبيرًا، كافيًا لأن أتحرك في العالم من دون ذلك الخوف القديم الذي كان يلازمني باستمرار.

وأثناء قراءتي لكتاب زيلر، تذكرت أن ثمة نوعًا من الصحبة القلقة في هذه المعاناة — جماعة واسعة وغير طوعية من الناس، يرسمون مسارات حياتهم بين نوبة وأخرى، تطاردهم الشكوك، لكنهم يستمدون قدرًا من العزاء من شهادات كهذه. وإذا كان ثمة درس يمكن استخلاصه هنا، فهو أن الألم عصيّ على الإخضاع، غير أن الفهم، مهما كان ناقصًا، قادر على أن يمنح شكلًا خاصًا من الطمأنينة.

جيروم غروبمان كاتب دائم في مجلة نيويوركر منذ عام 1998، ويكتب أساسًا عن الطب وعلم الأحياء. ومن بين كتبه «عقلك الطبي: كيف تقرر ما هو الأنسب لك»، بالاشتراك مع الدكتورة باميلا هارتزباند.