زهرة ناصر -
حينما مرّ والدي بنهايات مرض الزهايمر، بدأت أراقب شيئاً غريباً يحدث. لم يكن انهياراً مفاجئاً، بل تآكل بطيء ومتواز لقدرتين اعتقدتُ دائماً أنهما منفصلتان تماماً.
في البداية، كانت يده اليمنى تتردد قليلاً قبل أن تلتقط الكوب. وفي نفس الوقت تقريباً، بدأت الكلمات تتعثر على لسانه - ليس دائماً، لكن في لحظات متفرقة، كأن هناك خللاً خفياً في مكان ما. ثم، أسبوعاً بعد أسبوع، أصبحت الحركة أبطأ؛ خطواته صارت أقصر وأثقل، كتفاه انحنيا قليلاً، وأصابعه لم تعد تطيع بنفس السرعة. وبالتوازي، كانت الجمل تتفكك؛ أولاً فقد الأسماء، ثم الأفعال، ثم تحوّل كلامه إلى عبارات لا تكتمل.
لم يكن الأمر كأن أحدهما يسبق الآخر. كان الأمر وكأنهما مرتبطان بخيط خفي؛ كلما خفتت الحركة، خفت الصوت معها. حتى جاء اليوم الذي توقفت فيه قدماه عن حمله واتخذت وضعية لم تتغير حتى وفاته، وفي نفس الأيام تقريباً، توقف لسانه عن تشكيل أي كلمة مفهومة. انهيار متزامن، صامت، كامل.
بالطبع، يمكن أن يفقد الإنسان القدرة على الكلام بينما يظل قادراً على الحركة - كما في حالات السكتة الدماغية التي تصيب مناطق معينة من القشرة الدماغية. لكن ما شهدته مع والدي كان مختلفاً؛ كان انهياراً متزامناً لكلا القدرتين. رأيتُ كيف أن توقف الأطراف عن الحركة لم يكن خللاً عضلياً فحسب، بل كان صمتاً جسدياً يوازي الصمت اللغوي. وبينما كانت «الذاكرة الإجرائية» في العقد القاعدية - ذلك الحصن الأخير الذي يقاوم النسيان - تنهار، سقطت معها جسور التواصل. بدأت أفكر في الحركة والكلام ليس كنظامين منفصلين، بل «نظاماً واحداً للتعبير»؛ وحين تنهار البنية التحتية لهذا النظام، تضيع القدرة على رسم الحركة في الفراغ، وتضيع معها القدرة على صياغة المعنى في الجملة.
تلك الملاحظة المربكة تركتني مع سؤال ظلّ معلّقاً لسنوات: ماذا بين الحركة واللغة؟ لماذا سقطا معاً؟ كان سؤالاً أعود إليه كلما رأيت يداً تتحرك قبل أن يكتمل الكلام، أو جسداً ينحني كأنه يبحث عن معنى لم يصعد بعد إلى اللسان. كأن الجسد حين يُترك للحركة يزيح الكلام ليفسح مكاناً لطبقة أقدم من التعبير - معنى لا يحتاج مفردات، نحسّه أولاً ثم نبحث له عن جملةٍ تناسبه.
فتحتُ هذا الباب أكثر حين استمعتُ إلى محادثة بين إريك جارڤيس (عالم أعصاب أميركي، أستاذ في جامعة روكفلر ورئيس مختبر «الوراثة العصبية للغة») وأندرو هبرمان (عالم أعصاب وأستاذ مشارك مُثبّت في كلية طب ستانفورد) عن المسارات الحركية والمسارات اللغوية في الدماغ، وعن التشابك المربِك بينهما. ما بقي في ذهني ليس التفاصيل التقنية بقدر فكرة أن الدماغ لا يفصل بين «منطقة الخطاب» و«منطقة الحركة»، ويتعامل مع الكلام نفسه على أنه نوع خاص جداً من الحركة الدقيقة والمنظَّمة.
المسارات العصبية التي تتولّى تنسيق حركة الفك واللسان والحنجرة حين ننطق جملة جديدة، ليست بعيدة عن تلك التي تنسّق حركة اليد حين تشير، أو الكتف حين يلتفت، أو القدم حين تخطو بإيقاع معيّن. كل ذلك يحدث في شبكة واحدة، متشابكة، فيبدو أن اللغة لا تأتي بعد الجسد أو قبله، بل تتحرّك معه داخل البنية العصبية نفسها.
يشرح جارڤيس ما يسميه «مضاعفة المسارات»؛ حيث قام الدماغ حرفياً بـ «نسخ» الدوائر العصبية التي كانت تتحكم في عضلات الجسم الكبرى، وأعاد توظيفها لتتحكم في العضلات الدقيقة للفك واللسان والحنجرة. نحن لا نتكلم بجهاز جديد، بل نحرك حناجرنا باستخدام نفس المسارات التي كانت تحرّك أطراف أجدادنا الأوائل. اللغة، في نظره، لم تظهر كطفرة معزولة أو بنية مستقلة نبتت فجأة، بل هي قدرة تعلّمت - عبر التطوّر - أن تُبنى فوق جهاز حركي أقدم بكثير.
الأهم ربما أن الدماغ نفسه يعامل الكلام كحركة؛ المناطق التي تضبط نطق الحروف تلتصق بالمناطق التي تضبط حركة اليدين والوجه. لذلك لا نتكلّم باللسان وحده أبدًا؛ نجرّ معنا الكتف والحاجب واليد. حين نحاول شرح فكرة معقّدة، تسبقنا أيدينا إلى الهواء، ترسم مسارها أولاً، ثم يلحق بها الكلام كتعليق متأخّر على ما قاله الجسد بالفعل.
لعل أوضح تجسيد سينمائي لهذا الترابط بين الحركة والكلام فيلم «خطاب الملك» (The King›s Speech). الملك جورج السادس لم يكن يعاني من مشكلة في «اللسان» فقط، بل كان جسده بأكمله يتجمّد تحت وطأة التأتأة. نرى كيف أن معالج النطق ليونيل لوج لم يركّز على الفم وحده، بل طلب من الملك أن يقفز، أن يصرخ، أن يحرّك ذراعيه، أن يتدحرج على الأرض، كأنه يعيد تشغيل المسارات العصبية الحركية لتحرير المسارات اللغوية المحتبسة.
كانت المشكلة ليست في الكلمات، بل في التوتر الجسدي الذي يخنق الكلام قبل أن يولد. لوج أدرك ما يناقشه علماء الأعصاب الآن: أن تحرير الجسد هو تحرير للصوت. حين نطق الملك خطابه الشهير أمام أمته في لحظة الحرب، لم ينطق بلسانه فقط، بل بكل عضلة في جسده تدرّبت على التناغم مع الكلمة. كان ذلك انتصاراً للمنظومة كلها الحركة والنطق معاً.
ما رأيته في حالة والدي يؤكد ما يسميه علماء الأعصاب «الذاكرة الإجرائية» في العقد القاعدية للدماغ. هذا النوع من الذاكرة لا ينسى كيف نتحرك، حتى لو نسينا لماذا. إنها الذاكرة التي تجعلنا نتذكر كيف نمشي، كيف نمسك القلم، كيف ننطق اسمنا - حتى حين تتلاشى كل الذكريات الأخرى.
لكن حين تبدأ هذه الذاكرة نفسها بالتآكل في حالات الزهايمر المتقدمة يسقط النظام كله. ليس لأن الحركة «تحمل» اللغة، بل لأنهما في الأساس نسيج واحد. التعبير الإنساني لا ينقسم إلى «ما نقوله» و»ما نفعله»، بل هو استمرارية من الإشارة إلى الإيماءة إلى الكلمة - كلها خطوات في مسار عصبي واحد يبدأ من القصد وينتهي بالأثر في العالم.
الارتباك الذي عشته أمام تلاشي والدي المتزامن - جسداً ولغةً - كان إدراكاً قاسياً ومبكّراً في كيفية عمل هذه الآلة المعقدة التي نسكنها. وحين عرفت لاحقاً عن استعدادي الوراثي لهذا المرض، وأنني قد أشارك أبي نهايته تغيّرت طريقة تفكيري في جسدي تماماً. لم يعد مجرد وعاء أتنقل به، بل أصبح شيئاً أريد أن أعرفه عن قرب، أن أفهم حدوده وإمكانياته، أن أستكشف ما يمكنه فعله الآن.
بدأت ممارسة «العلاج بالرقص والحركة» (DMT) ليس كإجراء وقائي - فلا أحد يعرف إن كان الجين سيُفعّل أصلاً، وإن فُعّل فلا مفر منه - بل لأنني أستطيع ذلك الآن. لم يكن الأمر يتعلق بالبحث عن معنى أو هدف أو حتى أمل في تغيير المسار. كان الأمر أبسط من ذلك: أن أتحرك طالما كان الجسد قادراً على الحركة، أن أستكشف هذه المسارات العصبية التي تربط بين الحركة والكلام قبل أن تنهار - إن انهارت.
هل تؤثر حرية الحركة على طلاقة الكلام؟ وهل يمكن للحركة الإيقاعية حقاً أن تحافظ على المسارات العصبية المشتركة بين الحركة واللسان؟ لم يعد هذا السؤال نظرياً فحسب. فالأبحاث على مرضى الأمراض التنكسية العصبية - مثل باركنسون - بدأت تكشف عن شيء مهم: حين مارس مرضى باركنسون الرقص مرتين أسبوعياً لمدة ثلاث سنوات تحسن لديهم ليس فقط التوازن والحركة، بل أيضاً الكلام نفسه. دراسة كندية أظهرت تحسناً واضحاً في طلاقة الكلام لدى المرضى الذين انتظموا في دروس الرقص، وأخرى حديثة (مايو 2025) أكدت أن الرقص يحسّن تنوع طبقة الصوت - تلك الموسيقى الخفية التي تجعل الكلام حياً، وليس مجرد كلمات متتالية.
المسألة لا تقتصر على مجرد ‹تمارين عضلية› موضعية لتقوية الفك أو اللسان؛ فقد أثبتت الأبحاث أن التدريبات المعزولة لأعضاء النطق لا تنعكس بالضرورة على جودة الكلام؛ نظرًا لأن الدماغ يعالج اللغة والحركات الميكانيكية غير اللغوية في مسارات عصبية متباينة. ما يحدث هنا أبعد غورا؛ فالحركة الإيقاعية المتناغمة - كالرقص - تعمل على استثارة الشبكة العصبية الكلية التي تدمج بين التنسيق الحركي، والتعبير اللغوي، والتواصل الوجداني. إنها لا تستهدف تقوية عضلة بعينها، بل تحافظ على يقظة النظام العصبي بأكمله وترابطه.
تؤكد مراجعة شاملة نُشرت في مجلة BJSM للباحث جوزيف نورثس أن الرياضة البدنية لا تكتفي بتحسين المؤشرات الحيوية، بل أن الممارسة المنتظمة للرقص تخلق «مسارات من التعبير غير اللفظي إلى اللفظي». ولتقريب المعنى لنتخيّل أن الكلام يشبه باباً مغلقاً خلفه غرفة مزدحمة بالأفكار؛ حين يعجز المرء عن فتح الباب مباشرة يأتي الرقص ليفتح «نافذة» الحركة. وبمجرد أن يبدأ الهواء بالتدفق عبر هذه النافذة ينخفض الضغط داخل الغرفة، ويصبح فتح الباب - أي الانطلاق في الكلام - أكثر انسيابية وتلقائية. وكأن الجسد حين يتحرر يمهد طريقاً للصوت؛ كي يتحرر معه.
هناك شيء مُحرِّر في الحركة الإيقاعية؛ أن تشعر بكل عضلة تتمدد، بكل مفصل يدور، بكل خطوة تُحسب في الفراغ. إنها لغة مباشرة لا تحتاج ترجمة؛ لأنها تُعاش في اللحظة نفسها. ولأن الجسد كما يقول الراقصون، لا يكذب أبداً.
هذا ما تقصده مصممة الرقص الأمريكية تويلا ثارب (Twyla Tharp) حين تقول: «أؤمن حقاً أنه عندما يكون الرقص صحيحاً فإن الحركة تمتلك منطقاً مشتركاً بيننا جميعاً». إنها تتحدث عن لغة بدائية نفهمها جميعاً بالفطرة؛ لغة الجاذبية، والوزن، والاندفاع، والسكون. الرقص عندها ليس مجرد حركات جميلة، بل هو منطق يُفهم بالجسد قبل العقل يشعر به المشاهد عبر ما يسمى «الخلايا العصبية المرآتية» (Mirror Neurons) - تلك الخلايا التي تجعلنا نعيش الحركة التي نراها وكأننا نؤديها بأنفسنا. لهذا نضحك ونحزن ونشعر بالخفة حين نشاهد الرقص دون حاجة لكلمة واحدة؛ لأن الجسد يتحدث مباشرة إلى جسد آخر.
ما تحاول ثارب فعله هو تجسيد الأفكار والمشاعر المعقدة عبر الحركة. أليس هذا في النهاية ما يفعله أي شكل من أشكال التعبير؟ أن يأخذ فكرة مجردة أو شعوراً غامضاً ويمنحه جسداً يمكن رؤيته والإحساس به؟ الفرق أن الكلام يفعل ذلك عبر اللغة بينما الرقص يفعله مباشرة عبر الجسد.
تمنحنا الأمراض والحالات التي يتوقف فيها الجسم عن العمل أو تتعطل بعض وظائفه فرصة غريبة لفهم كيف يعمل الجسم تحديداً عبر عدم عمله كما يجب. المسارات العصبية تنهار، العضلات تتوقف، والصمت يحل، كاشفاً لنا عن حقائق غير متوقعة.
زهرة ناصر كاتبة ومترجمة