تغييرات وزارية، وقرارات سنوية ونصف سنوية، وتغيير مواقع العمل، وتدوير الوظائف ظواهر صحية نستشعرها ونحن نقرأ ونسمع عن تغيير المسؤولين في بعض المؤسسات الحكومية، فـ«ركود الماء يفسده» لنحتفي-أحيانًا- مستبشرين كل الخير لما نفترض من مؤشرات الطموح استعدادًا للتغيير ذاهبين بعيدًا في ثقتنا بآرائنا وتقديرنا للشخصيات وأثرها لاقتراح أسماء نعتقد فيها الكفاءة، أو استبعاد أخرى نتصور عجزها عن التغيير قبل أو بعد التعيين.

إلا أن كل ذلك محكوم بالكثير من الثوابت والمتغيرات رافدةً أو معطلةً أمنياتنا من مسؤول أو مؤسسة، الكثير مما يمكن لآمالنا تصوره في مسؤولي حكومتنا راسمين صورة نريدها الأجمل والأشمل لواقع معاصر وغد مأمول.

ما الذي يُعطّل قدرة الإدارة الطموحة (ولا نقول القيادة) ويثنيها عن أهدافها مكتفية بالحد الأدنى من العمل مع ما يمكن تصوره من الحدود العليا؟ ما الداعي لاجترار تسويق مكرر من بديهيات العمل ادعاءً للإنجاز مما لا يمكن حتى التفكير بتسويقه، ما لم يكن مقترنًا بإنجاز حقيقي واقعي يوازيه ويدعمه؟

ومع خشية وقوع النزعة التنافسية في شرك الوهم والإيهام لا بد من إيضاح الواقع بالمؤمل من تغييرات ساعية لرفد المسؤول وصولًا لمجتمع أفضل. هنالك الكثير من التحديات المحتملة في أي مؤسسة تستقبل مسؤولًا جديدًا، أو فكرًا جديدًا، وإن صدر عن مسؤول سابق مؤثر. يأتي في مقدمة هذه التحديات مقاومة التغيير؛ إذ يُفضل الأغلب دائرة المألوف بعيدًا عن المستحدث خشية تغيير المهام أو فقدان الامتيازات.

ثم تأتي البيروقراطية مؤثرة على سرعة التنفيذ رغم ما قد يتوافر من ممكنات مُسَرِّعة للعمل والإنجاز. فجوة البيانات وضعف الأنظمة التحليلية إما لغياب البيانات الداعمة والمعلومات الأساسية أصلا، أو وجودها مع تشتتها بين وحدات مختلفة، ثم نقص الموارد سواء كانت موارد بشرية تتعلق بالكفاءات وتنوعها أو موارد مالية تقيد العمل بسقف الصرف وضرورة ترشيد الإنفاق. كذلك عدم تفعيل الشراكات؛ إما لتداخل الصلاحيات بين مؤسسات مختلفة، أو لعدم وضوح إمكانية صنع الشراكة.

ولا يغيب عن الأذهان أحد أهم التحديات على الإطلاق، وهو التوقعات العالية من الجمهور، ومن المسؤولين معا مما يشكل ضغطًا مضاعفًا قد لا يجيد المسؤول الجديد استيعابه وتجاوزه لصنع إنجاز متسارع مستدام دون السماح لضغط الجمهور بتشتيته، أو تعطيل منجزه إغراءً أو تثبيطًا.

أما السياسة الفعالة لصنع التغيير فتعتمد التقييم المتأني لأداء المؤسسة عبر سنوات سابقة مع تحديد المشكلات الجوهرية بعيدًا عن السطحيات؛ كل ذلك في إطار بناء الفهم الشامل لواقع المؤسسة وطبيعة عملها، ثم العمل على صياغة رؤى قصيرة وطويلة المدى يمكن لجميع منتسبي المؤسسة فهمها وقياس إمكانية نجاحها؛ كل ذلك محكوم بالمتابعة الدورية والمحاسبة الحقيقية لمراحل العمل، وتصنيع النجاحات السريعة (Quick Wins)؛ لما لها من أثر محفز للموظفين والجمهور معًا، وأثر آخر في صنع الثقة وتداولها.

يأتي ذلك دون إغفال تعزيز ثقافتي الانفتاح والشفافية تواصلًا مستمرًا مع الموظفين من جهة، ومع المجتمع من جهة أخرى، فهمًا لسياق العمل وإدراكًا للتغيير ما أمكن حين ترتبط المتابعة بإدراك ثغرات العمل ووسائل تحسينه أو تسريعه دون التضحية بالجودة لأجل السرعة حتى لا تغيب فكرة الاستدامة عن مراحل الإنجاز، وتمكين فريق العمل ببناء قيادة وسطية عبر تنمية القيادات الحالية، واختيار عناصر جديدة لبناء قيادات وسطى لدفع عجلة التغيير والإنجاز؛ لا بد من ذكاء تحريك و «تشبيك» كفاءات منتسبي المؤسسة.

ولا يتأتى ذلك عشوائيًا، وإنما عبر اكتشاف مهارات وخبرات وكفاءات الموظفين بتوزيع عادل لأدوارهم في خطط المؤسسة ومشاريعها سعيا لخلق تغيير إيجابي حقيقي قائم على مبدأ «الشراكة في العمل شراكة في المسؤولية»، لا سيما إن كان تغيرًا مدعومًا بتبسيط الإجراءات، وتحسين تجربة المستفيد عبر التحول الرقمي، ومواءمة الاستراتيجيات المشتركة مع المؤسسات الشريكة في الهدف (أو محتملة الشراكة) سواء كانت حكومية أو خاصة، ثم قياس نجاح كل ذلك عبر مؤشرات متابعة دورية معتمدة على البيانات لا على الظن والمحسوبيات.

ختاما؛ لا ينبغي للمسؤول الجديد الاستغراق في إغراء المنصب أو مسؤولياته منشغلا أو منحرفًا عن مسعاه وهدفه مُحرّكا رئيسا أو فرعيا لدفع عجلة التنمية في موقعه المسؤول عنه.

فنجاح أي قائد جديد يعتمد على التمازج الواعي بين فهم الواقع ووضع رؤية واضحة للمستقبل بناء فريق عمل متكامل قوي بتنوع خبراته وتواصل أفراده مستشعرين انتمائهم المؤسسي ومسؤوليتهم الوطنية قبل واجبهم الوظيفي عبر التواصل الفعال على كل مستوياته وبكل أشكاله مجتمعيا وإعلاميا ومؤسساتيا. ولا ننسى التأكيد على وجود التحديات دائما في كل موقع ومع كل منصب، لكن التغلب عليها لا يكون بالشكوى والتلكؤ، كما لا يكون بتصنيع الوهم وادعاء الكمال، بل يبدأ بقرارات مدروسة وتنفيذ متوازن يجمع بين السرعة والجودة تذليلا للوسائل وإخلاصا للغاية التي هي الوطن.

حصة البادية أكاديمية وشاعرة عمانية