غزة " عمان " د.حكمت المصري:

منذ أكثر من ثلاث سنوات، تعيش آلاف العائلات الفلسطينية فصلًا مفتوحًا من المعاناة المركّبة، لكن العبء الأثقل يقع على عاتق زوجات الأسرى، اللواتي وجدن أنفسهن فجأة أمهاتٍ وآباءً في آنٍ واحد، داخل خيام نزوح هشّة، بلا سند، وبلا يقين، وبانتظار غائبٍ لا يُعرف مصيره.
في مخيمات النزوح الممتدّة على أطراف المدن المدمّرة، لا تقف معاناة زوجات الأسرى عند حدود الفقد والغياب، بل تتشعّب لتشمل مسؤوليات يومية قاسية: تأمين الطعام والماء، حماية الأطفال، الحفاظ على تماسكهم النفسي، متابعة تعليمهم المقطوع، ومواجهة المرض في ظل نظام صحي منهار، فيما يبقى القلب معلّقًا خلف القضبان.
أم محمود جراد (35 عامًا) نازحه من بيت حانون، زوجة أسير معتقل منذ ديسمبر 2023 تقول : "نزحتُ مع أطفالي أكثر من عشر مرات، في كل مرة أحملهم وأحمل الخوف معهم. زوجي اعتُقل من أحد الحواجز أثناء نزوحنا من شمال قطاع غزة، ومنذ ذلك اليوم لم يصلنا عنه أي خبر واضح." تضيف وهي تحاول تهدئة طفلها الصغير الذي نسي ملامح والده:"أنا المسؤولة عن كل شيء: الطعام، الماء، العلاج، وحتى النوم. أطفالي يسألونني: متى سيعود بابا؟ ولا أملك إجابة. كنت أتمنى أن يخرج في الصفقة، لكنه بقي في السجن. كلما سمعت عن الإفراج عن أسرى أذهب للسؤال عنه، ولا توجد معلومات عن أسرى غزة، ولا بيانات رسمية توضّح أماكن احتجازهم. كل ما نحصل عليه هو من الأسرى الذين خرجوا." وتشير أم محمود إلى أن شُحّ المساعدات يزيد من قسوة الأيام: "أحيانًا أنتظر أيامًا دون طحين أو حليب. أشعر بالعجز حين أنظر في عيون أطفالي ولا أجد ما أقدّمه لهم. العين بصيرة واليد قصيرة. المؤسسات لا تعتني بزوجات الأسرى، وقد عشت وما زلت ظروفًا لا يمكن وصفها." أم حامد زينة (55 عامًا) زوجة أسير منذ أكثر من عامين، تؤكّد أن الحرب الأخيرة كانت الأقسى: "كنا نأمل أن يكون زوجي ضمن صفقات التبادل الأخيرة، لكن اسمه لم يكن في أي قائمة. شعرت أن قلبي سقط أرضًا. زوجي مريض، وقد اعتُقل وهو مصاب.
دخلوا علينا مدرسة الإيواء، أطلقوا النار بكثافة، وبعد أن أُصيب زوجي تركوه ينزف أمام أعيننا، ثم قاموا باعتقاله." تتابع أم حامد: "نعيش على الشائعات. كل خبر عن الأسرى يربكنا. لا نعرف من استشهد، ومن نُقل، ومن لا يزال حيًا. الحصول على معلومة مؤكدة أصبح حلمًا، في ظل عدم قدرة المؤسسات الدولية، مثل الصليب الأحمر الدولي، على الحصول على المعلومات. حاولت التواصل مع كل المؤسسات المعنية بالأسرى، لكن دون جدوى." وتشير إلى أثر ذلك على أطفالها: "ابني الأصغر انطوى على نفسه، لم يعد يتحدث.
يخاف أن يسألني عن والده حتى لا يراني أبكي. بالأمس سمعت خبرًا يقول إن الأسرى ينامون في العراء بسبب كثرة عددهم، ولم أنم طوال الليل. أشعر بالاختناق بمجرد تخيّل البرد القارس لشخص ينام في العراء." تعيش أم وسيم مع ثلاثة أطفال في خيمة وسط القطاع، وزوجها معتقل منذ بداية الحرب. تقول: "حين يمرض أحدهم، أرتجف. لا أدوية، ولا قدرة على الوصول إلى مستشفى. أحيانًا أعالجهم بالمسكنات فقط. أحاول تعليم أطفالي داخل الخيمة؛ لا دفاتر كافية، ولا كتب، ولا بيئة صالحة للتعلّم، لكني أخشى أن يكبروا وهم أميّون." وعن العبء النفسي تضيف: "أطفالي يحملون غياب أبيهم كحِمل ثقيل. أراهم يكبرون قبل أوانهم، يحاولون مساعدتي في جلب الماء وتنظيف الخيمة. أذهب يوميًا إلى عملي وأتركهم برفقة أهلي الذين تحمّلوا معي عبء الحرب. تحمّلت مسؤولية أكبر من طاقتي، وكنت أخشى أن يصيب أطفالي أي مكروه، لكن الله كان معي، والحمد لله."
اما أم أسامة عايش (37 عامًا) نازحة من بيت لاهيا شمال قطاع غزه فتقول : "كنت امرأة عادية، زوجي يشاركني القرار والهمّ. اليوم أنا كل شيء. أشعر أنني كبرت عشرين سنة خلال هذه الحرب.
عبء المسؤولية كبير، وأبنائي يحتاجون لكل شيء." تتابع بحزن:"أكثر ما يؤلمني أن زوجي يفكّر بنا الآن، ولا يعرف أننا نزحنا، ولا أين نعيش. أخاف أن يخرج يومًا ولا يجدنا. كان معنا عندما اعتُقل من داخل مدرسة الإيواء، وكان ابني إبراهيم بعمر أسبوعين فقط، ولدته داخل المدرسة." وتختصر معاناتها بجملة واحدة: "الانتظار أقسى من النزوح، وأقسى من الجوع." تضيف: "ننتظر خبرًا، صفقة، زيارة، أي شيء يطمئننا أن زوجي بخير وما زال على قيد الحياة. في كل مرة تُعلن صفقة ولا يكون ضمنها، أشعر أننا نُعدم من جديد.
أتمنى أن يتم الإفراج عنه قريبًا، بعد دخول المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار ، اتابع الاخبار وكلى آمل ان تكون لجنة غزه المكلفه علي قدر المسؤولية في رعايتنا وحمايتنا " من جهة اخرى ، تكشف شهادات زوجات الأسرى أن معاناتهن ليست فردية، بل جماعية ومركّبة: نزوح متكرر بلا استقرار، انعدام الأمن الغذائي والمائي، تدهور الصحة النفسية للأطفال، وغياب المعلومات حول مصير الأسرى وظروف اعتقالهم.
وتشير آخر الإحصائيات، بحسب بيانات المؤسسات الحقوقية الفلسطينية ومنظمات الأسرى، إلى أن عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية يُقدَّر بنحو 9,300 أسير ومعتقل حتى نهاية عام 2025، دون احتساب المحتجزين في المعسكرات العسكرية، من بينهم نساء، ومئات الأطفال، وآلاف المعتقلين إداريًا دون محاكمة.
في مخيمات النزوح، تتحوّل زوجة الأسير إلى عمود خيمة هشّ، يحمل عائلة كاملة فوق أكتافه، بينما ينشغل العالم بالأرقام ويتجاهل الوجوه.
زوجات الأسرى في غزة لا يطلبن المستحيل، بل الحد الأدنى من الكرامة، والحماية، والحق في المعرفة. ثلاث سنوات من الحرب كانت كافية لتكشف أن هناك فئة تدفع ثمنًا مضاعفًا: غياب الزوج، وحرب لا ترحم، ومسؤوليات تفوق طاقة البشر.
هل تكون لجنة إدارة غزة بداية التغيير؟ في هذا السياق، تبرز لجنة إدارة غزة بوصفها أحد العناوين المطروحة لتنظيم الشأن المدني في مرحلة ما بعد الحرب، لكنها بالنسبة لزوجات الأسرى ليست إطارًا إداريًا بقدر ما هي اختبار حقيقي للمسؤولية الإنسانية. فالنساء اللواتي وجدن أنفسهن أمهاتٍ وآباءً في آنٍ واحد لا ينتظرن وعودًا أو خطابات، بل إجراءات ملموسة تمس تفاصيل حياتهن اليومية: مظلة حماية اجتماعية، دعم نفسي للأطفال، ضمان استمرارية التعليم داخل مخيمات النزوح، وتحسين الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية.
كما يبقى الحق في المعرفة أحد أكثر المطالب إلحاحًا؛ فغياب المعلومات حول مصير الأسرى وظروف احتجازهم عمّق الجرح وراكم الخوف، ما يجعل من واجب أي جهة إدارية فاعلة العمل على بناء قنوات تواصل واضحة مع المؤسسات الحقوقية والإنسانية، لضمان الحد الأدنى من الطمأنينة لعائلات تعيش على الشائعات والانتظار.
إن إنصاف الأسرى لا يكتمل دون الالتفات إلى زوجاتهم وأطفالهم، أولئك الذين يعيشون الأسر خارج السجون، في خيام النزوح، تحت سماء مثقلة بالخوف. وأي حديث عن تعافٍ أو إعادة تنظيم للحياة في غزة سيبقى ناقصًا ما لم توضع هذه الفئة في صلب السياسات والبرامج، لا على هامشها. فالسؤال الذي تتركه زوجات الأسرى مفتوحًا في نهاية هذا التقرير ليس سياسيًا بقدر ما هو إنساني: هل تتحوّل لجنة إدارة غزة إلى نقطة تخفف هذا العبء الثقيل، أم يبقى الانتظار أطول من قدرة النساء على الاحتمال؟